ماجدة البلبيسي / غزة
خاص بآفاق البيئة والتنمية
أكثر من نصف محطات تحلية المياه الخاصة في القطاع، خارج نطاق الرقابة، وغير حاصلة على التراخيص التي تؤهلها لتقديم الخدمة وفق معايير ومواصفات منظمة الصحة العالمية، ما يثير الشكوك لدى المواطن الغزي، حيال جودة وسلامة هذه المياه المضطر لاستخدامها بشكل يومي لغرض الشرب والطهي وأمور حياتية أخرى، حيث بات معظم سكان القطاع يعتمدون بشكل رئيس على محطات التحلية، في ظل عدم جودة مياه الشبكات العامة من حيث النوع والكم.
"محطات التحلية في غزة: الرقابة الغائبة، الكفاءة المتدنية، والمخاطر البيئية-الصحية" وأعدادها وقدرتها الإنتاجية، ومدى التزام أصحابها بمعايير السلامة البيئية والصحية، التقنيات المستخدمة، آليات الرقابة، آليات التخلص من المياه العادمة وطرق إعادة استخدامها، جملة من العناوين التي تطرح ضمن الحوار الشهري لمجلة آفاق البيئة والتنمية، بحضور ثلة من المتخصصين/ات والخبراء في قطاع الصحة والبيئة ووسائل الإعلام المختلقة.
منسق المشاريع في مركز العمل التنموي/معاً المهندس ماجد حمادة أشار في كلمته الافتتاحية إلى أن الهدف من هذا الحوار هو رسم مشهد للواقع البيئي والصحي لمحطات التحلية لمياه الشرب في قطاع غزة، من أجل بلورة تصور إلى أي مدى يلتزم أصحاب المحطات والموزعين بالمعايير البيئية والصحية لمياه الشرب في قطاع غزة، ومن ثم اقتراح خطة عمل تفصيلية لكيفية مواجهة هذه التحديات والتهديدات؛ وللخطوات الملموسة التي لا بد من اتخاذها للحل العملي، وليس التوصيف المجرد.
129 محطة
مدير عام التخطيط في سلطة المياه الدكتور منذر سالم، أشار إلى وجود (129) محطة موزعة على جميع محافظات القطاع، منها 51 فقط حاصلة على ترخيص والباقي غير مرخصة يبلغ عددها (78) موزعة على محافظة رفح (11) محطة، خانيونس (15) ومحافظة الوسطى(17) وغزة (23) محطة، والشمال (12) محطة.
وعزا عدم التزام أصحاب المحطات بإجراءات الترخيص نتيجة الواقع الاقتصادي الحالي الصعب، وبعض المعيقات التي تضعها البلديات كونها الجهة التنظيمية لهذه المحطات، موضحاً أن عدم التزام المحطات بالتراخيص هو مخالفة قانونية، ويترتب عليها عقوبات قد تصل إلى حد الحبس.
تدرج العقوبة
وقال سالم:" أن سلطة المياه تتبع التدرج في تنفيذ العقوبة للجهات المخالفة للقانون حيث تبدأ بالأخطار إلى المطالبة بتجديد الرخصة، إجراء تعديلات للمحطات القائمة والمجددة وقد تصل العقوبة إلى حد إغلاق المحطة، وهذه السلسلة من الإجراءات يقوم بها فريق ميداني يمثل جهات الاختصاص، سلطة المياه والبيئة ووزارة الصحة"
وأوضح أن تنفيذ مشروع إنشاء محطة مركزية في القطاع في حالة تم تمويله، من شأنه أن يحل أزمة مياه الشرب ويوفر ما يقارب من (50) مليون متر مكعب يكفي لتلبية نصف احتياج مياه الشرب للمواطنين الغزيين.
ندوة محطات التحلية في غزة
وقفة قوية
الباحثة والمتخصصة في شؤون صحة البيئة الدكتورة أمل صرصور أكدت في مداخلتها أن محطات بيع المياه المحلاة تحتاج لوقفة قوية وجدية من الجميع، لمحاولة الضغط باتجاه خضوع كل محطات التحلية للمراقبة الدورية درءاً لأية مشكلات صحية مستقبلية سيتأثر بها المواطن.
وأشارت أن محطات التحلية هي سلاح ذو حدين ففي الوقت التي ساهمت في توفير المياه للمواطن، وجدواها الاقتصادية، إلا أنها في ذات الوقت يجب ألا تكون حلاً استراتيجياً؛ لأن من شأن ذلك أن يؤثر على استنزاف مياه الخزان الجوفي، الذي يعاني من تلوث كيميائي وميكروبيولجي، في ظل استمرار تنفيذ مشاريع ترشيد استهلاك الخزان، لذا من الضروري وضع خطوط حمراء لعمل هذه المحطات.
وحذرت د. صرصور من الآثار الصحية السلبية على صحة المواطنين خاصة الرضّع، نتيجة زيادة عنصر النترات. فضلاً عن الآثار الاقتصادية الناجمة عن تفاوت سعر هذه المياه ومقدرة المواطنين في ظل زيادة معدلات الفقر.
عدم وجود دراسات
ونبهت صرصور إلى عدم وجود دراسات علمية محلية حتى اللحظة تربط وجود بعض الأمراض وعلاقتها بتلوث المياه البكتيري والميكروبيولجي، وهذا موضوع شائك، يجب تسليط الضوء عليه خاصة في ظل وجود دراسات عالمية أثبتت وجود علاقة بين بعض الأمراض وتلوث المياه. مطالبة بضرورة تطبيق إجراءات السلامة على المحطات كسلسلة متكاملة تبدأ من مدخل المياه ومرورا بالخرطوم وانتهاء بالسيارة الناقلة لهذه المياه.
مدير دائرة جودة المياه في سلطة جودة البيئة تامر الصليبي، قدم ملخصاً لدراسة أجريت بهذا الشأن ولم تنشر بعد شارك فيها فريق متكامل من ذوي الاختصاص، حيث أشارت الدراسة التي أجريت لتقييم أداء محطات التحلية في محافظتي غزة والشمال- دراسة مقارنة- لجودة مياه الآبار المغذية للمحطات وجودة المياه المحلاة والمياه الراجعة من حيث الخصائص الفيزيائية والكيميائية والميكروبيولجية، ومقارنتها مع المعايير الدولية حيث شملت الدراسة (40) محطة تحلية.
ارتفاع النترات
وأكد الصليبي وفق نتائج الدراسة أن تركيز العناصر الفيزيائية والكيميائية لمعظم آبار مياه المدخل لمحطات التحلية في شمال القطاع تقع ضمن الحد المسموح فيه، وفقا للمواصفات المحلية والعالمية لمياه الشرب عدا عنصر النترات، والذي كان أعلى من الحد المسوح به في (أقل من 40% من الآبار) في حين تجاوز تركيز العناصر الكيميائية لآبار مياه المدخل في محافظة غزة الحد المسموح به بنسب أقل من (80%) للنترات و(70%) للكلورايد، (35%) للأملاح الذائبة و(50%) للصوديوم وهذا مؤشر للاختيار غير الأمثل لموقع آبار محطات التحلية القائمة في كلتا المحافظتين.
وعلاوة على ذلك وعطفاً عما سبق، فإن تركيز أغلب العناصر الكيميائية يقع ضمن الحد المسموح به وفقاً للمعايير الدولية، فيما لوحظ انخفاض شديد في نسبة تركيز العناصر الفيزيائية والكيميائية في المياه المحلاة في كلتا المحافظتين ولكن بواقع أفضل لمحطات غزة عن محطات الشمال، وهذه العناصر تعد ضرورية لصحة الإنسان خاصة الأطفال.
انخفاض الاسترجاع
وفيما يتعلق بنسبة الاسترجاع أوضحت الدراسة أن هناك انخفاض في نسبها في محطات محافظة الشمال بمتوسط (47%) عنه في محطات غزة بمتوسط (70%)، علاوة على أن معظم المياه الراجعة من محطات التحلية والتي تشكل أكثر من (50%) من مياه آبار المصدر التي يتم التخلص منها في شبكات الصرف الصحي، والقليل منها يتم إعادة استخدامه في أغراض الزارعة.
وأوصت الدراسة بضرورة تحديد الحد الأدنى للخصائص الكيميائية للآبار التي يسمح باستخدامها في أغراض التحلية، وكذلك رفع نسبة الاسترجاع للمحطات القائمة والمقترحة بنسبة لا تقل عن (70%) لتقليل كمية الراجع، وضرورة الاستفادة منها في الأغراض المختلفة.
مسؤول قسم مراقبة المياه بوزارة الصحة خالد الطيبي تحدث عن واقع المياه المحلاة في قطاع غزة، لافتاً أن عملية الرقابة تتم من خلال الإدارة العامة للرعاية الأولية، ممثلة بقسمين هما: قسم مراقبة المياه بدائرة صحة البيئة ومختبر الصحة العامة بالشراكة الكاملة مع الجهات المعنية بمراقبة وإدارة مصادر المياه.
ندوة محطات التحلية في قطاع غزة
مرة واحدة
وأوضح الطيبي أنه يتم أخذ عينات دورية للفحص البكتريولوجي من المحطات والخزانات والسيارات بمعدل يتراوح بين (800-900) عينة سنوياً ويتم إجراء فحصين أساسيين على كل عينة، أما بالنسبة للفحوصات الكيميائية فهي تجرى على المحطات مرة واحدة سنوياً وتكون على المياه قبل وبعد التحلية، حيث يتم إجراء الفحوصات الكيميائية الأساسية عليها بعدد (15) فحص تقريباً وبين (100-150) فحص عينة سنوياً.
وبرّر الطيبي قلة إجراء الفحوصات باستمرار وضع الحصار القائم على القطاع وعدم توفر الوقود اللازم لسيارات التفتيش والنفقات التشغيلية للمختبر، حيث انخفض عدد العينات البكتريولوجية والكيميائية بمعدل(50%) خلال العامين (2013-2014) مقارنة بالأعوام السابقة ما جعل عملية المراقبة لا ترقى للمستوى المطلوب.
كثير من الايجابيات
واعتبر الطيبي أن وجود محطات التحلية له الكثير من الايجابيات مقارنة بالسلبيات حيث وفرت المحطات مياه الشرب للمواطنين الجيدة، والتي أصبحت بديلاً لمياه البلديات قليلة الجودة، عدا عن تكلفتها المعتدلة في متناول جميع المواطنين، فثمن الـ 1000 لتر يساوي تقريباً (30) شيكل وهي تكفي لأسرة متوسطة لمدة ثلاثة أسابيع.
ويضيف الطيبي أن المياه المحلاة ساهمت في حل مشكلة تبقّع الأسنان لدى طلبة المدارس في محافظتي الجنوب والوسطى من القطاع، حيث لوحظ انخفاض كبير في عدد حالات التبقع بين الطلبة مقارنة بالسنوات الماضية، عدا على أنه لم يثبت علمياً بعد وجود أية علاقة أو ارتباط ايجابي بين وجود أمراض معدية أو هشاشة العظام أو السرطان واستخدام المياه المحلاة.
سلبيات
واختزل الطيبي سلبيات المياه المحلاة في نقطتين أساسيتين، الأولى: ارتفاع معدلات التلوث البكتريولوجي إلى مستويات أعلى من توصيات منظمة الصحة العالمية، وعدم الالتزام بالكلورة والثانية: انخفاض نسبة الأملاح وبعض العناصر الضرورية للإنسان وهذه مرتبطة بعدم رضا المستهلك عن المياه التي تحتوى على أملاح وعناصر كافية.
وفيما يتعلق بالنوعية البكتريولوجية لمياه التحلية، بلغت نسبة العينات والبالغة (410) عينة المطابقة للمواصفات من الناحية البكتريولوجية في المحطات حوالي (94%) و(84%) في الخزانات، (86%) في السيارات وهي نسبة غير مرضية وفق مواصفات الصحة العالمية.
وأفضى اللقاء الحواري إلى جملة من التوصيات التي توافق عليها المشاركون وهي ضرورة تشكيل لجنة وطنية تضم وزارة الصحة وسلطة المياه والحكم المحلي ووزارة الإعلام بهدف متابعة إجراءات ضمان جودة المياه المحلاة، وإلزام جميع المحطات بكلورة المياه، وتنفيذ كافة الشروط الصحية الخاصة بالمحطات.
كما طالبوا جميع المنظمات والهيئات الدولية بالضغط على إسرائيل لإعطاء الفلسطينيين حقوقنا المشروعة في مياهنا الجوفية والسطحية. وتكثيف حملات التوعية للمواطنين لتقبل كلورة المياه المحلاة كضمانة وقائية من الملوثات، وتأهيل أصحاب محطات التحلية علمياً وفنياً بهذا الشأن وتحديد الحد الأدنى للخصائص الكيميائية للآبار التي يسمح باستخدامها في أغراض التحلية، وإعادة التوزيع لمواقع محطات التحلية في الأماكن ذات التركيز المرتفع لمعظم الخصائص الكيميائية للمياه الجوفية.
وأكدوا على ضرورة تشجيع الأبحاث العلمية لمعرفة علاقة بعض الأمراض المعدية بالمياه المحلاة، مشددين على أهمية ألا يكون الاعتماد على هذه المياه المحلاة كحل استراتيجي لأزمة المياه، وعدم قبولها على المدى البعيد وتطوير قاعدة بيانات موحدة ومحوسبة لجودة أداء محليات التحلية.