خاص بآفاق البيئة والتنمية / غزة
أوصى مختصون وأكاديميون في الشأن البيئي بضرورة دراسة التخوفات التي تسود أوساط مختصين في المياه تجاه إنشاء محطات التحلية في قطاع غزة، مؤكدين على ضرورة مناقشة هذه القضية في اطار مجتمعي واسع، خاصة وان هذه المحطة لها تأثيرات عدة سواء من الناحية البيئية او صحة الانسان.
وشدد المختصون خلال ورشة نظمها مركز العمل التنموي معا – مجلة افاق البيئة والتنمية- بعنوان "محطة تحلية المياه في قطاع غزة، بين الحاجة الآنية والتخوفات البيئية والوطنية" على اهمية انطلاق العمل من رؤية متكاملة يتوافق عليها الجميع وبحث كافة الأضرار التي قد تصاحب انشاء هذه المحطات وكذلك الايجابيات التي قد تحققها لقطاع غزة الذى يعاني من التعطيش خلال الاعوام الخمسة القادمة.
ورأى بعضهم ان محطة التحلية ضرورة ملحة، فيما اكد اخرون عدم التسرع والعمل على دراسة كافة الابعاد البيئية المرتبطة بها، موضحين ان كمية التلوث لمياه البحر والضرر الذي سيلحق بالإنسان الفلسطيني أمران لا يستهان بهما.
مشروع مهم وأضراره خطيرة!!
رحب مدير مركز معا – غزة - جبر قديح في مستهل الورشة بالحضور وذكر ان وحدة تحلية مياه البحر مشروع في غاية الاهمية على المستوى الوطني وتبعاته البيئية كبيرة، وأي ضرر منها عائد على مليون وسبعمائة الف مواطن في غزة.
واشار الى وجود العديد من وجهات النظر المختلفة حول الموضوع، بعضها متفائل والبعض الآخر معترض جملة وتفصيلا لأسباب عدة، لافتا إلى أن اهم التخوفات كانت حول الأثر البيئي والتكلفة المرتفعة والتي تزيد عن 20 مليون دولار لثلاث سنوات.
مشاركة وزارات عدة!!
بدوره قال مدير مصلحة مياه بلديات الساحل م. منذر شبلاق: "موضوع تحلية المياه ليس جديداً ولم يظهر فجأة (...) خطة التحلية اعتمدت من وزارات محترمة على رأسها وزارة التخطيط وسلطة المياه الفلسطينية".
واشار الى ان مصلحة المياه تعاطت مع الموضوع من ناحية انسانية بالدرجة الأولى، لافتا الى انه قد تم نقاش موضوع التحلية كثيرا وعلى كافة الأصعدة لاسيما وان القطاع يفتقر لأي مصدر مائي يعتمد عليه على المدى الطويل.
ولفت الى أن مياه الصرف الصحي لا يمكن الاعتماد عليها كلياً، لأن مصدرها مياه مالحة وبالتالي لا تصلح للزراعة لأن الاملاح تبقى، مشيرا الى ارتفاع في نسبة الاملاح بالمياه، لاسيما وان 5% فقط من مياه القطاع صالحة للاستخدام الادمي.
وأشار شبلاق: "نحتاج بشده لأي مشاريع او مصادر للمياه لتغيير واقع مياه الشرب الموجودة في قطاع غزة (...) يجب ان نفكر بالحل فالحقوق المائية "حقوق شرعية" ولا يجب التنازل عنها".
وتابع: "من واجبنا كمقدمين خدمة ان نوفر الحد الادنى من المياه لضمان حياه كريمة للمواطنين، لأننا اذا ما انتظرنا المزيد من الوقت، ستصبح مياه غزة الجوفية غير صالحة لأي استخدام".
وقال م. شبلاق ان التحلية مطلوبة جدا وهي حلول انية حتى ولو كانت طويلة الأمد، حتى نرجع الامل للخزان الجوفي وان يبقى للأجيال القادمة، وسنبدأ في خفض نسبة الاملاح والنترات في المياه بحلول عام 2016 مع مشاريع التحلية، وبمحطات التحلية تلك، يبدأ الخزان الجوفي في استعادة عافيته.
واضاف: "درسنا جملة من الخيارات منها شراء المياه من اسرائيل او من الخارج كـ تركيا، ولكن لكل خيار تداعياته".
ندوة محطات التحلية في قطاع غزة بين الحاجة الآنية والعواقب البيئية والوطنية
قديم حديث!!
بدوره اكد المختص في مجال المياه والصرف الصحفي المحاضر في الجامعة الإسلامية عزام أبو حبيب، بأن موضوع تحلية المياه ليس بالشيء الجديد، فالجميع بلا استثناء يشرب من المياه المحلاة، ولم يعد أحد يشرب من المياه الوافدة من البلديات. ولكن حسب قوله "هناك قفزة كبيرة عندما تتحدث عن محطة مياه كبيرة".
وأشار الى ان إنشاء محطات تحلية المياه هي أكثر الخيارات منطقية لحل أزمة المياه، مع الأخذ بالاعتبار أن هذه المحطات ستستهلك كميات ليست بقليلة من الكهرباء والطاقة".
وأضاف:" محطة تحلية مياه البحر المزمع إقامتها والتي ستوفر 6 آلاف متر مكعب من المياه يومياً، ستستهلك طاقة تصل إلى 24 ميجا وات في اليوم، في ظل وجود نقص في الطاقة والكهرباء التي تصل لقطاع غزة".
وتابع:" لذلك تحتاج هذه المحطة إلى مولدات للطاقة ستستهلك 1500 لتر من الوقود يومياً بتكلفة تصل إلى 24 ألف دولار".
وأوضح ابو حبيب في سياق حديثه أن الاحتلال الإسرائيلي كان دائماً يشجع خيار تحلية المياه، لافتاً الى ان الرأي العام مغيب عن موضوع المحطة التي ستكون جزءا من حياته. وأفاد: "لدينا ضعف في العمل مع الناس".
ولفت أبو حبيب إلى أن تحلية المياه ومن ثم بيعها للمواطن سيضاعف فاتورة المياه التي سيدفعها الأخير، وهذه أحد أبرز المشاكل التي يمكن أن تعيق إنشاء المحطات.
وقال :" نحن نحترم من يساعدنا، لكن من حقنا ان نتساءل: هل هناك اتجاهات معينة من قبل الممولين وهل سنتمكن من تحمل هذا الحل الكبير بكل تداعياته؟".
أوسلو والمياه !!
من جهته، أكد محمد شعبان من سلطة المياه أن فلسطين تعيش فقر مائي حقيقي، عازيا ذلك الى تحكم الاحتلال الإسرائيلي بكافة مصادر المياه الفلسطينية وسرقتها، ورفضه الاعتراف بحق الفلسطينيين في المياه ومنعهم من حفر الآبار، منوها الى أن اول قرار اتخذته سلطات الاحتلال الاسرائيلي عقب احتلالها للقطاع " قرار بالسيطرة على المياه".
وأشار إلى أن اتفاقية أوسلو نصت على أن تعترف إسرائيل بالحقوق المائية الفلسطينية، مع الزام الاحتلال تزويد الأراضي الفلسطينية من 70-80 مليون متراً مكعباً سنوياً إلاّ أن الاحتلال لم يلتزم ببنود هذه الاتفاقية.
أسئلة والإجابة تغيب !!
بدوره أثار المختص في الشأن البيئي د. أحمد صافي العديد من التساؤلات التي تحتم الاجابة عليها قبل البدء الفعلي في تنفيذ محطة المياه، وقال صحيح أنه في اتفاقية أوسلو تم ذكر الحقوق المائية الفلسطينية ولكن دون توضيح الكم والنوعية أو المرجعية القانونية، كما لم يتم ذكر مياه حوض الأردن مطلقاً.
ونوه إلى أن الاحتلال منح قطاع غزة حرية استهلاك المياه الجوفية الساحلية ولكنه لم يذكر أي شيء عن حق القطاع في مياه الضفة الغربية، والتي تأتي من الوديان والأنهار الصغيرة التي كانت تصب في الماضي داخل القطاع.
آثار سلبية وآذان صماء!!
وأشار صافي إلى إن بناء محطة لتحلية المياه له أثرٌ سلبي على البيئة حيث أن المحطة ستحتاج للطاقة لتشغيلها مما يعني إنتاج ملوثات للبيئة، بالإضافة إلى الضوضاء والتلوث السمعي الذي ستسببه. كما سيكون هناك نقص في الاكسجين المذاب، اضافة الى الاثر السلبى على البيئة البحرية المضغوطة اصلا بفعل التلوث البيولوجي.
وأضاف: "المحطة ستنتج كميات كبيرة من المواد الكيماوية وكميات من المياه فائقة الملوحة وستغير في درجة الحموضة للمياه، وكلها آثار ستنعكس سلباً على البيئة الفلسطينية عند محاولة التخلص من هذه المنتجات".
وشدد صافي على أن مشكلة المياه مشكلة وطنية قبل أن تكون تقنية، بالإضافة إلى عدم وجود مشاركة شعبية ومجتمعية كافية لصناعة القرارات الاستراتيجية الخاصة بمشكلة المياه، مؤكداً على أن الحلول السهلة على المدى القصير قد تقلل الصمود على المدى البعيد.
وطالب المجتمع الدولي بالعمل على تقليل مخاطر أي خيار فلسطيني يمكن أن يتم تبنيه لحل مشكلة المياه، مشدداً على ضمان عدم قصف إسرائيل لأي من محطات التحلية التي ستقام في القطاع وضمان مرور مواد واحتياجات المحطة، بالإضافة إلى ضمان عدم استخدام المحطة كورقة ضغط في المفاوضات الخاصة بالمياه الفلسطينية.
وعرض في سياق حديثه "الثمن السياسي" للتعاطي مع قضية المياه والرواية الفلسطينية والإسرائيلية، موضحاً ان الرواية الفلسطينية تتمثل في "الحقوق المائية، السيادة على الموارد، حق تقرير المصير، والقانون الدولي الانساني. بينما يقابلها في الرواية الاسرائيلية" الحق في المياه، التكنولوجيا هي الحل، لا لتسييس موضوع المياه، التعاون التكنولوجي بين اسرائيل والفلسطينيين".
واختتم حديثه قائلا: "هناك محاذير كبيرة لمحطة المياه بعضها قد يكون مصيري، في ظل غياب مشاركة شعبية كافية في صياغة القرارات الاستراتيجية الخاصة بالمياه، كما أن الحلول السهلة على المدى القصير قد تقلل الصمود على المدى البعيد".