خاص بآفاق البيئة والتنمية
كشف مسح إحصائي مناخي أجرته مجلة آفاق البيئة والتنمية حول أحوال الطقس في فلسطين (التاريخية) منذ أوائل عشرينيات القرن الماضي وحتى أوائل العقد الحالي، أن كميات المتساقطات في فلسطين لم تتغير بشكل جدي خلال الفترة الممتدة بين عامي 1921 و2013. وفي المقابل، تشير اتجاهات درجات الحرارة إلى ارتفاع واضح، وبخاصة خلال العقدين الأخيرين. معطيات المراجعة الإحصائية الخاصة بدرجات الحرارة تبدأ من عام 1951، بينما معطيات المتساقطات تبدأ من أوائل العشرينيات.
واستندت الحسابات إلى المعدل الشهري لدرجات الحرارة القصوى والدنيا اليومية في مواقع جغرافية مختلفة؛ وبناء على تلك المعطيات تم احتساب الاتجاهات العامة في فلسطين.
ويشير التحليل الإحصائي إلى وجود اتجاه نحو الهبوط في متوسط درجة الحرارة خلال سبعينيات القرن الماضي. إلا أنه خلال التسعينيات حدث ارتفاع بارز في درجات الحرارة التي وصلت إلى مستوى معين من الثبات خلال العقد الأول من القرن الحالي فاق معدل درجات الحرارة الذي كان سائدا خلال الخمسينيات. التغير الأساسي حدث في متوسط درجات الحرارة الدنيا.
وفي الفترة الواقعة بين عامي 1998 و2011 ضربت درجات الحرارة أرقاما قياسية؛ إذ بلغ متوسط الحرارة القياسية 20.5 درجة مئوية، وذلك بالمقارنة مع الرقم القياسي السابق في الفترة بين عامي 1951 و1963، حيث بلغ متوسط درجة الحرارة القياسية 19.9 درجة مئوية.
أما مقارنة كميات المتساقطات فقد جرت تحديدا في ثلاث فترات زمنية، حيث تم احتساب متوسط كمية المتساقطات في كل منها. وهذه الفترات هي: 1921-1950، 1951-1980، و1981-2010. الاستنتاج الأساسي يتلخص في عدم وجود تغير جوهري في كميات المتساقطات التي هطلت في فلسطين خلال الفترات الزمنية المبحوثة. وقد لوحظ أيضا عدم وجود أي سنة خلال الفترة 2003-2013 زادت فيها كمية الأمطار التي تم قياسها عن 10% فوق المعدل السنوي التراكمي.
إسقاط ميكانيكي غير مدروس للحالة المطرية
من الملاحظ أن البعض يتَسَرَّع بإسقاط الوضع المطري الشحيح الذي ساد في عدد من مواسم شتاء السنوات الأخيرة على التغير المناخي. ولم يكتف هذا البعض بهذا الإسقاط الميكانيكي غير المدروس للحالة المطرية، بل سحبه (أي الإسقاط) أيضا على ظاهرة الصقيع المعروفة في المشرق العربي منذ آلاف السنين، والتي تحدث تحديدا بين أوائل وأواسط كانون ثاني من كل عام. فمع مجيء أواخر كانون أول وأوائل كانون ثاني من كل عام، يكرر العديد من الناس على مسامعنا ذات "الإسطوانة"حول موجة الصقيع التي تضرب منطقتنا سنويا في ذات الفترة تقريبا؛ بقولهم إن هذه الموجة غير طبيعية ولا مثيل لها وهي الأولى من نوعها في شدتها. بل يعزوها البعض الآخر إلى ظاهرة التغير المناخي التي تجتاح الكرة الأرضية!
وتتجسد الحقيقة التي سبق أن بينتها مجلة آفاق البيئة والتنمية في أعداد سابقة، في أن موجات البرد القارس والصقيع، بل وانحباس المطر، تعد ظواهر مناخية مألوفة وطبيعية في منطقتنا، منذ آلاف السنين، ولم يطرأ عليها لغاية الآن، أي تغير جوهري نوعي غير طبيعي. بل، لو أجرينا مسحا مناخيا لمنطقتنا، منذ أن بدأت عملية توثيق حالة الطقس، سنجد بأنه قبل عشرات السنين، كانت الطبيعة أحيانا، تقسو أكثر من المواسم المطرية التي شهدناها في السنوات الأخيرة.
وما يؤكد ذلك( الظواهر المناخية المألوفة) الأمثال الشعبية العربية التي تعد بمثابة راصد جوي شعبي، وهي حصيلة التراث الشعبي وتراكم التجارب والمعارف والخبرات الغنية لأجدادنا، عبر مئات السنين، وبخاصة تلك الأمثال المتصلة بالمواسم الزراعية والأعياد في بلاد الشام. ففيما يتصل بالصقيع، يقول أحد هذه الأمثال: "بين المولود والمعمود بتوقف المي عمود". أي أنه في الفترة الممتدة بين عيد الميلاد المجيد (في 7 كانون ثاني من كل عام حسب التقويم المسيحي العربي الشرقي) ولغاية عيد الغطاس (في 19 كانون ثاني حسب التقويم المسيحي الشرقي) تجمد المياه في مكانها؛ فتقف جامدة كما هي! أي أن تَكَوُّن الصقيع يكون، بالعادة، في الفترة الممتدة بين أوائل وأواسط كانون ثاني.
وفي الواقع، يعد البرد القارس والصقيع في كانون طبيعيا وضروريا للأشجار المثمرة؛ لأن درجات الحرارة المرتفعة في كانون تضر الأشجار المثمرة ضرراً كبيرا؛ إذ تتبرعم وتزهر مبكراً قبل أوانها. ومن هنا المثل القائل: "يا لوز يا مجنون بتزهر في كانون"، أي أن أشجار اللوز هي أول من يزهر بين الأشجار المثمرة، فتسبق في إزهارها سائر الأشجار...وهذا، على أي حال، يذكرنا ببدء تجدد الحياة في الأشجار.
وبالرغم من موجات الجفاف وانحباس الأمطار التي شهدتها منطقتنا، إجمالا، في السنوات الثماني التي سبقت موسم شتاء 2012؛ إضافة إلى موسم شتاء 2013-2014، فلا يمكننا إسقاط هذه الظاهرة أوتوماتيكيا على التسخين العالمي، والجزم القطعي بأن سبب هذه الظاهرة هو التغير المناخي، بدليل أن شهر كانون ثاني 2012 في فلسطين، وبمقارنته مع ذات الشهر في عشرات السنين التي سبقته، ضرب رقما قياسيا في كميات الأمطار التي هطلت بغزارة.
كما أن كمية الأمطار في موسم شتاء هذا العام (2014-2015) في فلسطين (التاريخية) كانت أعلى من المعدل السنوي التراكمي. بل أكثر من ذلك؛ فمن المعروف، وفقا للتراث المناخي في بلاد الشام (فلسطين، لبنان، سوريا والأردن)، أن شهر كانون ثاني قد يكون ماطرا جدا أو جافا جدا. وهذا ما يميز فترة "المربعانية" التي تمتد أربعين يوما (من 22 كانون أول وحتى 31 كانون ثاني)، ويشتد فيها البرد القارس، وتسقط الثلوج في بعض المناطق، وليس بالضرورة أن تكون الأمطار غزيرة؛ بل وقد تكون، أحيانا، شحيحة جدا.
وهذا ما تؤكده أمثالنا الشعبية، من قبيل: "المربعانية يا شمس تحرق يا مطر يغرق"! أو: "المربعانية يا بتربع يا بتقبع"! وإذا ما شح المطر في شباط، فقد يعوضه بعض المطر في آذار؛ وهذا ما يعرف بتراثنا المناخي بالمستقرضات. والمستقرضات عبارة عن سبعة أيام، ثلاثة من شباط وأربعة من آذار، وسميت بهذا الإسم لأن شهر شباط الذي يعد أقصر أشهر السنة، "يستقرض" بعض الأيام من شهر آذار كي يطيل عمره؛ فيهطل مزيدا من المطر. وهذا ما يجسده المثل التالي الذي "يخاطب" فيه شهر شباط، شهر آذار الذي يليه: "آذار يا بن عمي أربعة منك وثلاثة مني ويا ويلك ياعجوز السوء مني"! أو المثل التالي الذي يتضمن ذات المعنى: "إذا تأخر المطر في شباط عليك بالمستقرضات"! وقد لاحظنا هذه الظاهرة بقوة تحديدا، في أواخر شهر شباط وأوائل شهر آذار 2012.
وبالرغم مما ورد، لا بد أن نراقب بعض التغيرات في درجات الحرارة وفي توزيع الكميات المطرية بمنطقتنا، بحسب الأبحاث المناخية الأخيرة. لكن هذا لا يعني أن نستنتج استنتاجات مطلقة وقطعية ونهائية حول الأوضاع المناخية في منطقتنا.