خاص بآفاق البيئة والتنمية
بعد الكشف عن قيام محطات وقود فلسطينية في الضفة الغربية بخلط سولار المركبات بزيوت مُستهلكة لتحقيق أرباح إضافية، باتَ من الضروري التركيز على الآثار التي يتركها السولار المغشوش على البيئة والصحة العامة، خصوصاً أن الانبعاثات الصادرة عن عوادم المركبات تعتبر من ابرز المُلوثات خصوصا في المدن، فكيف اذا كان السولار مخلوطاً بمواد وزيوت أخرى تُغير من مواصفاته المنصوص عليها؟!
في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، كشف تحقيق استقصائي نشرته شبكة أجيال الاذاعية بالتعاون مع إعلاميين من أجل صحافة استقصائية "أريج"، عن قيام محطات وقود فلسطينية، بخلط السولار بزيوت مستعملة ومكررة وبيعه للمستهلك الفلسطيني لجني أرباح غير شرعية، وسط ضعف رقابة الحكومة، بسبب تداخل وتضارب الصلاحيات بين جهات الاختصاص في الفترة ما بعد صدور قرار من مجلس الوزراء في نيسان الماضي، والذي حدد الجهات المسؤولة عن رقابة المحروقات، وهي الهيئة العامة للبترول، والإدارة العامة لحماية المستهلك في وزارة الاقتصاد الوطني.
وتكمن المشكلة الأكبر في عدم وجود قانون لتنظيم قطاع البترول في فلسطين، الأمر الذي من شأنه أن يفتح المجال أمام المزيد من أعمال الغش والتهريب والتسبب بأضرار بمركبات المواطنين والحاق أضرار صحية وبيئية.
خطر على السلامة العامة!
يقول مدير عام مؤسسة المواصفات والمقاييس الفلسطينية م. حيدر حجة إن السولار المغشوش يؤدي الى أخطار على السلامة العامة للمواطنين، حينما يتعلق الأمر بنقطة الوميض (flash point )، وهي من أحد البنود التي يتم فحصها حينما يتم تحويل عينات السولار الى المختبر للتاكد من مطابقتها للمواصفات والمقاييس بالإضافة الى فحص بنود أخرى أبرزها: (المظهر الخارجي، محتوى الماء، التقطير، اللزوجة).
يشرح حجة كيف تؤثر درجة الوميض حينما تكون بدرجة أقل من الدرجة المنصوص عليها في مواصفات السولار: "حينما تكون نقطة الوميض في السولار المغشوش على سبيل المثال أقل من المستوى المطلوب، فإن هذا الأمر قد يسبب احتراق وانفجار محرك المركبة، وربما انتقال الاضرار الى المارة في الشوارع. فالمواصفة تنص على أن نقطة الوميض وهي درجة الحرارة اللازمة حتى يبدأ السولار بالاشتعال، يجب أن تكون 55 درجة، في حين أن العينات المخالفة تكون فيها نقطة الوميض اقل من ذلك، بعضها كان 34 و27 درجة، هذا يجعل من السولار مادة سريعة الاشتعال، كالبنزين".
واضاف حجة "كثيرا ما تكون هناك حوادث اشتعال لمركبات في الشوارع، ويُعلن في كل حادثة أن تماساً كهربائيا في المركبة هو السبب، لكن لو دققنا وفحصنا في الاسباب الحقيقية لربما نجد أن السولار الرديء هو السبب، الأمر بحاجة لمزيد من الفحص والتدقيق في هذا الجانب".
ذات الأمر حذرت منه م. فداء مشعل مديرة الرقابة وضبط الجودة في الهيئة العامة للبترول قائلة "علاوة على غش المستهلك والحاق الضرر باقتصاده واقتصاد الدولة، فإن السولار المخلوط بمواد أخرى بالفعل يسبب خطراً على المارة في الشوارع اذا تعرضت أي مركبة تزودت بسولار غير مطابق، لحادث سير مثلاً، أو الاصطدام بأي جسم. هنا تكون قابلية اشتعال السولار أعلى لأن نقطة الوميض تكون أقل، وبالتالي فإن الاشتعال قد يحصل عند درجات حرارة اقل من تلك التي يجب ان يحصل عندها، وقد يصل الأمر الى حدوث انفجار في المركبة، وتعريض حياة الناس والسائق للخطر".
السولار النقي من أبرز الملوثات، فكيف اذا كان مغشوشاً؟
يعتبر قطاع المواصلات من أبرز الملوثات الأساسية للبيئة في الأراضي الفلسطينة، حيث توجد قرابة ربع مليون مركبة، نحو 77 الفاً منها تعمل بوقود الديزل، وهو الأكثر تلويثا مقارنة بالبنزين. وتؤكد سلطة جودة البيئة على لسان طالب حميد مدير دائرة الرقابة والتفتيش فيها، على أن الملوثات الناتجة عن احتراق الوقود بشكل عام هي أكاسيد الكبريت، أكاسيد النيتروجين، وبعض الجسيمات العالقة وأول أكسيد الكربون والهيدرو كربونات بشكل عام. وبين حميد أن "الملوثات الاكبر تنتج عن السولار غير المكتمل بأضعاف المرات مقارنة بالتلوث الناتج عن السولار النقي المطابق للمواصفات".
وفيما يتعلق بالزيوت المستهلكة والمواد المهربة التي تصل الاراضي الفلسطينية من اسرائيل بواسطة التهريب، طالب مدير الرقابة والتفتيش في سلطة جودة البيئة كلاً من هيئة البترول ووزارة الاقتصاد بضبط أعمال التهريب وفرض اجراءات رقابية عليها. وتابع بالقول: "الأضرار كارثية بالفعل على البيئة بسبب الانبعاثات الناتجة عن السولار المخلوط، التلوث هنا يكون مضاعفا بعشرات المرات، خصوصا أننا لا نعرف ما هي طبيعة هذه الزيوت والمواد المخلوطة وتركيبتها، والتي تكون في الغالب رديئة النوعية، وهذا يفتح الباب امام أنواع جديدة من التلوث".
ولا يقف الامر عند هذا الحد، يقول حميد: "المواد المهربة من اسرائيل تعتبر مواد ونفايات خطرة ومحظورة الدخول الى الاراضي الفلسطينية بموجب قانون رقم 7 لعام 1999 بشأن البيئة الذي يحظر استيراد مثل هذه المواد". واوصت سلطة جودة البيئة بضرورة وجود اجهزة خاصة حديثة لفحص نسب الانبعاث من المركبات خصوصا التي تعمل بالديزل، وهذه الاجهزة غير متوفرة في سلطة البيئة. يجب ان لا يسمح لأي مركبة محركها يعمل بالسولار أن تسير في الشوارع إلا بحصولها على شهادة فحص نسب الانبعاثات الصادرة عنها".
انبعاثات السولار..عدوة الجهاز التنفسي!
يحذر د. جهاد خليل البابا استشاري أمراض الأنف والأذن والحنجرة من مخاطر الغازات المنبعثة من المركبات خصوصاً التي تعمل بوقود الديزل. وأضاف "استنشاق الإنسان لهذه الغازات يؤدي إلى التهابات في الجهاز التنفسي والرئة، وهذه الالتهابات تؤثر على الصحة العامة وتكلف الدولة أموالا طائلة لعلاجها".
ويكمن الضرر الأكبر في أن انبعاثات المركبات قد تؤدي الى سرطانات خبيثة في الرئة والحنجرة مع مرور الوقت. ويتابع البابا بأسف "غالبية دول العالم تحترم البيئة، يجب ان تكون لدينا مختبرات وأجهزة حديثة لقياس نسب الانبعاث، لا يجوز ان يبقى الوضع على ما هو عليه. حينما تمشي في الشوارع في ساعات الذروة الصباحية والمسائية تشعر بالاختناق وضيق التنفس بسبب الاتبعاثات الشديدة، وهذا أيضا تلوث بيئي خطير".
وأكد البابا بأن تاثيرات الانبعاثات الشديدة ليس بالضرورة أن تظهر بشكل سريع، لكنها حتما ستؤدي الى أمراض كالربو أو ظهور الأورام الخبيثة ناهيك عن التهابات الحنجرة والقصبة الهوائية. مطالباً بـــ "ضرورة أن يكون هناك فحص حقيقي لهذا الأمر، من أجل الحفاظ على الصحة العامة وصحة الأجيال القادمة".
وعن الحالات التي يعاينها، قال استشاري أمراض الأنف والاذن والحنجرة جهاد البابا ان "هناك تلوثاً عام، والكل معرض لظهور أمراض في الجهاز التنفسي، لكن بنسب متفاوتة. فالعمال في محطات المحروقات أو ورش صيانة المركبات معرضون للإصابة بالأمراض بنسب أعلى من غيرهم نتيجة تعرضهم لاستنشاق الغازات بنسب أكبر وأوقات أطول بحكم عملهم. وهذا ظهر جليا في عيادتي، شباب يصابون بالتهابات في اجهزة التنفس. هذا خطير"ـ
الرقابة ضعيفة..الغشُ مستمر!
توصل التحقيق إلى أن رقابة جهات الاختصاص التي حددها قرار مجلس الوزارء ضعيفة نتيجة اختلاف مفهوم الرقابة لدى الجهتين وتداخل الصلاحيات بينهما
ففي الوقت الذي تعتقد فيه هيئة البترول أن طواقم حماية المستهلك غير قادرة على رقابة المحروقات ومتابعة جودتها، ترى حماية المستهلك أن هناك خللاً في الآلية الرقابية من قبل الهيئة، على اعتبار أنها لا تراقب المحطات غير المرخصة، موضحة أنه تجب الرقابة على كل من يزود المحروقات للمستهلك، بل يجب إغلاق المحطات غير القانونية، إضافة الى إشعار المحطات بأنها تحت عين المراقبة باستمرار عبر سحب عينات عشوائية من كل محطة وفق برنامج سنوي، وفي أوقات مسائية، لأن الخلط يتم ليلاً وليس نهاراً.
هيئة البترول تخالف هذا الطرح، وترى أن الأصل يكون في إغلاق المحطات غير المرخصة وليس في فحصها، لكن عدم القدرة للوصول إلى هذه المحطات بسبب وجودها في مناطق غير خاضعة للسيطرة الفلسطينية، ما يعيق إغلاقها، وتعتقد هيئة البترول أن عملية فحص المحطات غير المرخصة تعطيها الشرعية لتزويد السوق بالمحروقات.
ومع استمرار الوضع على حاله دون اتخاذ اجراءات جدية تحد من غش السولار، يبقى المستهلك الفلسطيني عرضة لاستغلال أمواله وصحته وحرمانه من بيئة نظيفة إثر الممارسات المتعددة التي يُعتبر السولار الرديء أحدها.
