طالبتان تحميان البيئة على طريقتهما!...علاج المياه العادمة الصناعية بالفلين الأبيض
|
ماري دعيق 22 عاما، من بيت لحم وزميلتها ريهام أبو منشار من الخليل تمكنتا من اختبار مدى فعالية مخلفات مثل النفايات البلاستيكية (الفلين الأبيض) لعلاج مخلفات أخرى وهي المياه العادمة الصناعية التي تحتوي على مواد ملوثة خطيرة ناتجة عن مدابغ الجلود مثل المعادن الثقيلة والمركبات الكيميائية المعقدة وبعض الأحماض. وأنطلقت هذه الفكرة من الحاجة إلى تنقية المياه العادمة التي يتم التخلص منها حاليا بطريقة لا تحافظ على البيئة، فتضخ في الأودية والأراضي المفتوحة دون معالجتها، ما تضر بما تحتويه من مواد سامة بالأحياء النباتية والحيوانية والمياه الجوفية.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
 |
| المياه العادمة الصناعية في الخليل |
موادٌ عدة يسببُ تواجدها في الطبيعة أضراراً على البيئة وخطراً على صحة الإنسان، "الفلين الأبيض" أحد هذه المواد التي تشكل عبئاً على البيئة وتسبب تلوثاً، لكن ماري دعيق 22 عاما، من بيت لحم وهي خريجة هندسة تكنولوجيا البيئة في جامعة بوليتكنك فلسطين، إستطاعت وزميلتها ريهام أبو منشار من الخليل، أن يحولاها إلى مادة نافعة صديقة للبيئة عبر مشروع تخرجهما الذي نفذتاه في عامهما الأخير بالجامعة.
مصائب قوم عند قوم فوائد
تدور فكرة المشروع حول اعداد مخلفات مثل النفايات البلاستيكية (الفلين الأبيض) واختبار مدى فعاليته لعلاج مخلفات أخرى وهي المياه العادمة الصناعية، التي تحتوي على مواد ملوثة خطيرة ناتجة عن مدابغ الجلود مثل المعادن الثقيلة والمركبات الكيميائية المعقدة وبعض الأحماض.
وأنطلقت هذه الفكرة من الحاجة إلى تنقية المياه العادمة التي تصرف بطريقة لا تحافظ على البيئة وضخها في الأودية والأراضي المفتوحة دون معالجتها، ما تضر بما تحتويه من مواد سامة بالأحياء النباتية والحيوانية والمياه الجوفية التي تعد المصدر الأساسي للشرب، ما يهدد حياة المواطنين في ظل شح الموارد المائية في الضفة، والتعديات من قبل الاحتلال على آبار وخزانات المياه.
تقول دعيق: "من الضروري معالجة المياه العادمة الخارجة من المدابغ خاصة انه يصعب معالجتها في محطات التنقية نظرا لطبيعة هذه المياه التي تعد مكوناتها سامة، لذ جاءت فكرة هذا المشروع للمساهمة في الحفاظ على البيئة نظيفة وصحية خالية من الملوثات، واستجابةً لحاجة قطاع الصناعة إلى حلول علمية وتقنية بتكلفة زهيدة للتعامل مع هذ المياه الخطرة".

المياه العادمة المتدفقة من المدابغ في الخليل
الوصفة السرية
تبدأ عملية المعالجة بمادة الفلين الأبيض الذي يتم تحويله بطريقة كيميائية مبتكرة إلى حبيبات دقيقة جداً يتراوح حجمها بين 50-170 ميكرومتراً، ومن ثم تضاف هذه الحبيبات إلى مياه المدابغ الملوثة، وبعد تركها في المياه الملوثة لمدة دقيقتين تمتص الملوثات من المياه لتصبح صافية تماماً.
وتتم المعالجة على مبدأ الإدمصاص وهو إحدى طرق الفصل والمعالجة الفيزيوكيميائية، حيث يشكل الفلين الأبيض" سطحاً جاذباً للمواد السامة الموجودة في المياه العادمة.
وبحسب مبدأ الإدمصاص، فكلما قلت مساحة السطح الماص للملوثات زادت الكفاءة وسرعة الإدمصاص، ما يقلّل حجم ومساحة سطح هذه المادة البلاستيكية إلى جزيئات صغيرة كروية يصل قطرها إلى 1 ميكروميترا.
توضح ريهام أبو منشار: "إن المشروع اعتمد بشكل الإساسي على تحضير تكوين جزيئات من النفايات البلاستيكية واختبار مدى فاعليتها على مياه عادمة نموذجية يتم تحضير تركيزها في المختبر".
وتضيف: "طبقنا ذلك بأخذ عينه من مياه المدابغ وتحققنا من فعاليتها، إذ تنقسم هذه المياه إلى قسمين أولها مواد عضوية سامة والتي ركزنا عليها في المشروع، ثانيًا مادة الكروم الأكثر خطورة من سابقتها التي يصعب التخلص منها أو صرفها عبر الأودية إلا بإذن من الاحتلال، الأخير الذي يعالج هذه المادة في منشآته باستخدام مادة ممنوع إدخالها لأراضي السلطة وهي "سلفريك اسيد" (حامض الكبريتيك)، بحيث يعاد استخدام الكروم المعالج للإستفادة منه مجدداً".
فيما أوضحت دعيق: "استخدمنا الفلين الأبيض لأنه متوفر بكثرة كمخلفات صعبة ضارة بالبيئة، وباعتباره لا يتحلل في الطبيعة، وفي المقابل مياه المدابغ مياه تلوث الطبيعة ويجب معالجتها".
وتؤكد دعيق أن نتائج البحث أظهرت قدرة فائقة على ازالة الملوثات بصورة شبه كاملة من المياه العادمة في وقت قصير، معتبرةً أن هذا المشروع يعد انجازاً علمياً فريداً من حيث سرعة نتائجه والفعالية في المعالجة.

حبيبات الفلين الدقيقة
يذكر ان تكلفة إعادة تدوير الفلين الأبيض مرتفعة جداً لإعادة استخدامها كمادة منقية للمياه العادمة الصناعية خاصة التي تحتوي على الأصباغ العضوية.
ويتميز المشروع عن غيره بمبداً معالجة النفايات بالنفايات، كذلك تكلفته القليلة وسرعة وكفاءة المعالجة، واستخدام كميات بسيطة جداً من الفلين.
وتتحدث أبو منشار عن التحديات التي واجهتها هي وزميلتها دعيق خلال إعداد المشروع، إحداها كان التطرق لموضوع جديد واستخدام مادة لم يسبق استخدامها لمعالجة هذا النوع من المياه العادمة، لذلك كان عليهما البحث والتجربة أكثر للتأكد من النتائج، وكذلك ضيق الوقت وشح الأجهزة في المختبر.
شاركت دعيق وأبو منشار في عدة مؤتمرات منها مؤتمر ابداع الطلبة السادس في البوليتكنك، ومؤتمر آخر للإبداع في جامعة خضوري، وحصلتا على جائزة من دائرة الميكانيك، ومؤتمر المنتدى الوطني الثاني للعلماء في فلسطين.
ودعتا لتطبيق نتائج هذا البحث ومعالجة مياه المدابغ بالفلين الأبيض، ويأملا بتطوير مشروعهما.

محاليل مستخدمة في معالجة الفلين الأبيض
رأي أكاديمي!
يقول أستاذ هندسة تكنولوجيا البيئة في دائرة الهندسة الميكانيكية في جامعة بوليتكنك فلسطين حسن صوالحة مناصرة، إن مشروع الطالبيتن أبو منشار ودعيق مهم جداً نظراً لتقديمه تقنية علمية بتكلفة زهيدة لمعالجة ما تسببه المياه القادمة من قطاع الصناعة إجمالاً من خطر على البيئة وضرر على صحة الإنسان، وذلك لاحتوائها على ملوثات سامة، خاصة ان معظم المصانع تتخلص من هذه المياه دون معالجتها في السيول والأودية والأراضي المفتوحة، ما يؤدي إلى تلوث مصادر المياه بآفات خطرة.
ويرى مناصرة انه من المهم تشجيع مثل هذه المشاريع التي تقدم حلولاً بسيطة دون تكلفة كبيرة، ولكن لها مفعول من شأنه حماية البيئة من أي تلوث.
التكلفة على حساب البيئة
يستخدم أصحاب مدابغ الجلود ما هو متاح لديهم للتخلص من المياه الملوثة عن طريق الصرف الصحي باعتبارها وسيلة لا تكلف شيئاً مقارنة بغيرها، مثل جمعها بصهاريج وإضافة مواد خاصة تعمل على ترسيب الكروم والزرنيخ على شكل طين ليجمع ويرمى في مكبات خاصة بمناطق الاحتلال بتكلفة تصل لكل طن راسب إلى 12 ألف شيقل.
يشير المهندس مهيب الحعبري مدير الصناعة والتجارة في وزارة الاقتصاد الوطني في مكتب الخليل إلى أن التخلص من المياه العادمة لأصحاب المدابغ في الصرف الصحي أوفر لهم من التخلص منه بالطريقة المكلفة، دون أن يدركوا فعلياً حجم التلوث والضرر الذي يسببه ذلك، وخاصة ان جنوب مدينة الخليل يتركز فيها أكثر من 10 مدابغ لدباغة جلود الحيوانات، مثل الأبقار والأغنام ويخرج منها كمية مياه عادمة تقدر بـ 200 متر مكعب يومياً.
يفترض على المدابغ، وفق الجعبري، أن تتبع مبدأ المعالجة المسبقة للمياه العادمة قبل صرفها للمياه في الصرف الصحي، للتقليل من ثقل المواد التي توجد فيها مثل الزرنيخ والكروم الثلاثي الذي يصبح اكثر خطورة اذا تحول إلى سداسي بفعل ظروف صرفه مع الزئبق، وفي مدابغ الخليل تم تشغيل محطة لمعالجة الكروم السداسي للهدف نفسه قبل سنة ونصف، لكنها توقفت عن العمل بسبب منع الاحتلال ادخال مواد يمكن استخدامها للتخلص من مياه المدابغ مثل" حامض الكبريتيك"، بحجة أسباب أمنية.
يحذّر الجعبري من وصول هذه المواد إلى المياه الجوفية وبالتالي التسبب بالأذى للإنسان الذي يبدأ من الشعور بالإرهاق والصداع واضطرابات الجهاز العصبي، إلى ضمور خلايا المخ واضطرابات الصفات الوراثية والكروموسومات، والاجهاض وتشوهات الأجنة وتغيرات في الجلد والإصابة بالأمراض المستعصية.
فيما أشاد الجعبري بمشروع الطالبتين دعيق وأبو منشار، واعتبره أحد الحلول التي يمكن استخدامها للتخلص من المياه العادمة.