خاص بآفاق البيئة والتنمية
استفاق أهالي مدينة دورا –غرب محافظة الخليل- صباح الخامس عشر من آذار الماضي على سُحب دخانية شديدة السواد غطت سماء المنطقة ووصل تأثيرها لمسافة 20 كيلو متراً، وقد كان مصدر هذه السحب حريق اندلع في مكب غير قانوني للنفايات مقام على مساحة أربعة دونمات في واد سحيق بمنطقة كريسة-نزلة حمصة، ويعتبر المكب مقصداً لجامعي وتجار النفايات والخردة الذين يأتون بحمولات شاحناتهم من النفايات التي تحتوي على بطاريات وإطارات سيارات، أسلاك نحاسية، مواد بلاستيكية وغيرها من المواد التي يفرغونها في هذا المكب لقاء مبلغ يتراوح ما بين 50-100 شيقل لقاء كل حمولة. وقد أعاد هذا الحريق فتح ملف مكبات النفايات الغير قانونية في الأراضي الفلسطينية والتي يستفيد منها بعض المتنفذين كتجارة رابحة يعتمدون عليها دون الالتفات إلى الأضرار البيئية والصحية المترتبة على حرق النفايات بالقرب من التجمعات السكانية والثروة النباتية والحيوانية.
أقيم المكب العشوائي الذي لا يتبع للبلدية منذ سنتين على قطعة أرض تقع ضمن تصنيف المناطق "B"، وهي المناطق التي تقع فيها المسؤولية عن النظام العام على عاتق السلطة الوطنية الفلسطينية ويبقى للاحتلال السلطة الكاملة على الأمور، وتبلغ مساحتها وفقاً لمركز المعلومات الوطني الفلسطيني-وفا 1,035 كيلومترا مربعا، أي ما نسبته 18.3% من المساحة الإجمالية للضفة الغربية.
ويقول شهود عيان أنه وبمجرد اندلاع الحريق منتصف آذار هرعت إلى المكان سيارات الإطفاء التابعة للدفاع المدني وعملت لساعات طويلة على إخماده ليتفاجأ السكان لاحقاً باندلاع الحريق مجدداً نظراً إلى أن المواد المحروقة سريعة الاشتعال وإخمادها يحتاج إلى الطمر، وقد حضر إلى المكان ممثلون عن وزارة الصحة وسلطة جودة البيئة وبلدية دورا والنيابة العامة حيث قامت الأخيرة بفتح تحقيق لكشف ملابسات الموضوع واتخاذ الاجراءات القانونية اللازمة بحق المتسببين بالضرر خاصة وأنها ليست المرة الأولى التي يُنذر فيها صاحب المكب الذي ضرب بعرض الحائط جميع قرارات إغلاق المكب وعاود فتحه من جديد.
سلطة جودة البيئة توضح
يوجد في فلسطين ثلاثة مكبات قانونية، وهي مكب زهرة الفنجان في شمال الضفة الغربية ومكب رامون في الوسط، ومكب المنية في الجنوب والذي يديره المجلس المشترك لإدارة النفايات الصلبة في محافظتي الخليل وبيت لحم، وعليه يؤكد مدير مكتب سلطة جودة البيئة في الخليل الأستاذ شوقي سعادة بأنه يمنع منعاً باتاً فتح أي مكبات عشوائية، وبالتالي فإن مكب كريسة هو غير قانوني ويملكه مجموعة من الأشخاص، منوهاً إلى أنه وفور ورود المعلومات باندلاع الحريق تم التوجه فوراً إلى المكان وتم إقرار إغلاق المكب بصورة نهائية عن طريق المياه والطمر بالتراب، وهي الطريقة الوحيدة لوقف انبعاث الدخان الأسود الكثيف والسام المحتوي على عناصر الرصاص والزئبق والكاديوم وغيرها من العناصر الضارة بالإنسان وبالبيئة سواء الزراعية أو المياه. هذا وأشار سعادة إلى وجود محطتي لترحيل النفايات الصلبة في الجنوب، الأولى في قلب مدينة الخليل والثانية في بلدة ترقوميا غرباً.
سحب دخانية كثيفة سامة تنبعث من مكب نفايات عشوائي في منطقة كريسة في دورا غرب الخليل
الآثار الصحية
يعاني الشاب تامر الوحواح الذي يسكن بالقرب من المكب والمتزوج منذ خمسة أشهر من حرق النفايات، فهو كما يقول يستنشق الدخان بدلاً من الهواء النقي، كما يضطر لإبقاء النوافذ موصدة طوال الوقت خاصة وأن زوجته في أشهر حملها الأولى وهو يخشى على الجنين فيضطر إلى اصطحابها إلى منزل عائلتها. وفي هذا الصدد يؤكد الدكتور فوزي الرجعي مدير الصحة في الجنوب على أن استنشاق الهواء الملوث فيه تهديد لحياة الجنين بسبب استنشاق المرأة الحامل للدخان المكثف المحتوي على ثاني أكسيد الكربون. ويضيف الدكتور الرجعي بأن المواد المتصاعدة والناتجة عن عملية الحرق تضر بالصحة العامة للصغار والكبار على حد سواء، خاصة هؤلاء الذين يعانون من أمراض الجهاز التنفسي والحساسية والأزمة الصدرية، وأمراض القلب لدى الكبار، كما يتضرر منها مرضى السرطان والفشل الكلوي نظراً لمناعتهم الضعيفة، فالدخان المتصاعد يتسرب عن طريق الجهاز التنفسي إلى الدم ويصل إلى الأطراف ومن ثم الدماغ مما يسبب الصداع والدوخة وضيق التنفس.
وتابع مدير صحة الجنوب بأن التأثيرات السلبية لحرق النفايات في المكب تلقي بظلالها على البيئة العامة خاصة إذا ما علمنا أن المكب موجود في وادٍ عميق، تتشكل فيه السيول شتاءً والتي تتلوث بنفايات المكب المحترقة وتنتقل من موقع إلى آخر ناقلة التلوث لمواقع جديدة ومساحة أكبر، ولا يمكن أن نغفل أن هذه المياه تشرب منها الحيوانات والإنسان، وبالتالي التلوث ينتقل عبر دورة الحياة إلى جميع الكائنات الحية.
غازات خطرة تنبعث من مكب غير قانوني في دورا غرب الخليل
الآثار البيئية الناتجة عن الحرق
تدفع المستوطنات لقاء التخلص من الخردة والنفايات 500 شيكل على كل حمولة للبلديات القريبة، ومن الأوفر لها أن تدفع 250 شيكل لتاجر الخردة الفلسطيني، فتجدها لا تتردد في هذا، لكن هذا التاجر لا يعلم طبيعة المواد التي يتم التخلص منها في المستوطنات فتبقى مجهولة الهوية وخطرة، وتزداد خطورتها بإحراقها في المكب الواقع على الأراضي الفلسطينية، فيكون المواطن الفلسطيني وعائلته ضحية لجشع هؤلاء التجار.
يؤكد الخبير البيئي الدكتور عثمان شركس من جامعة بيرزيت على أن حرق المواد البلاستيكية وإطارات السيارات والأسلاك بهدف الحصول على النحاس الخام يحولها إلى مواد صلبة يصعب ذوبانها خلال آلاف السنين، وينتج عنها مادة الديوكسين وهي مادة كيميائية تنتج عن احتراق جزيئات الكلور أو تعرضها لدرجات حرارة عالية وتعتبر من أخطر المواد السامة وتشير التقارير العلمية إلى أن نصف جرام من الديوكسين كافي لقتل 350 شخصاً، وبالتالي يرى الدكتور شركس أن حرق هذه المواد يجعل السكان المحيطين بالمكب معرضين للإصابة بالسرطان.
كما يؤدي تصاعد غازات أول وثاني أكسيد الكربون وأول أكسيد الكبريت إلى تأثر النباتات سلباً، فهي لا تستطيع أن تتنفس وبالتالي فإن نموها يضعف، وتأتي الحيوانات لتتغذى عليها فتأكل "السناج" والمعروف محلياً بالشحار أو السخام وهو عبارة عن جسيمات الكربون الناتجة عن الاحتراق غير الكامل للهيدروكربونات، أما الإنسان الذي يعتمد في غذائه على أكل لحوم الحيوانات فيكون هو المتضرر الأكبر من العملية وتهدده المخاطر، ويعتبر الخبير البيئي أن هذه العملية ما هي إلا جريمة بيئية بحق السكان الذين ربما يهربون من مكان سكنهم ويخلون بيوتهم حماية لأنفسهم ولأطفالهم كي لا يصابوا بالاختناق.
ويشير الدكتور شركس إلى صعوبة التخلص من آثار الديوكسين حتى بالطمر، لذلك تجده ينصح بتجميع النفايات وإعادة تدويرها، وهنا يطرح مجموعة من طرق إعادة تدوير النفايات والتي تبدو مبتكرة ومفيدة وتضيف لمسة جمالية على المكان، فإذا تعذر تحويل الإطارات إلى حبيبات واستخدامها كأكياس بلاستيك أو براميل ذات استعمالات متعددة، ينصح ربات البيوت بالقيام بعملية فرز للنفايات بحيث يفصلوا الزجاج عن البلاستيك وعن المواد العضوية، ومنها استخدام الاطارات كأحواض للزراعة وذلك بعد تلوينها، وذات الأمر يمكن فعله مع الأحذية وأدوات المطبخ والثلاجات.
ويضيف شركس، بأنه يمكن للعائلات التي تسكن الشقق في العمارات السكنية استغلال الشرفات إن وجدت بزراعتها بالخضراوات الورقية كالخس والنعنع والبقدونس مستغلين أكياس الأرز والسكر المصنوعة من الخيش وتعبئتها بالتراب وتقسيمها وزراعة كل قسم بنوع من الخضراوات. كذلك يشير الخبير البيئي إلى خطورة الأكياس السوداء التي نستخدمها يوميا لتغليف الخضار والفواكه وغيرها من الأطعمة، ويؤكد على ضرورة استبدالها بالنايلون الشفاف المفرغ من الديوكسين، كما ويحذر من استخدام مياه الشرب بعد تركها لفترة طويلة بالشمس داخل العبوات البلاستيكية
وختم الدكتور شركس حديثه بالإشارة إلى أن عمليات حرق النفايات لا تقتصر على المكبات الغير قانونية، فالحرق عملية يمارسها الفلسطينيون يومياً من خلال حرق حاويات النفايات المنتشرة في الشوارع وخاصة في القرى التي لا تصلها سيارات النفايات التابعة للبلديات، فيتكفل المواطن غير آبهٍ بالقيام بعملية الحرق معتقداً أنه يقوم بما هو إيجابي.
النفايات... أنواعها، ومصادرها
تتنوع أنواع النفايات الناتجة عن استخدامات الحياة اليومية للبشر، ويمكن حصرها في ستة أنواع وهي المنزلية، والصناعية، والزراعية، والطبية، والنفايات الناتجة عن عمليات البناء والهدم، والنفايات من مصادر مختلفة.
أما النفايات المنزلية فهي في غالبيتها مواد عضوية، إضافة إلى البلاستيك، والمعادن والورق والكرتون والأقمشة، والزجاج، في حين تعتبر مخلفات النفايات الصناعية هي من المواد الغير العضوية غالباً، وبالتالي هي غير قابلة للتحلل أو بطيئة التحلل. في حين تندرج بقايا الأعلاف والأسمدة والعبوات البلاستيكية تحت قائمة النفايات الزراعية، أما مخلفات الباطون والخشب والحديد فتقع ضمن مخلفات البناء والهدم.
غالبية النفايات الطبية هي مواد كيماوية خطرة وربما مشعة، ويضاف إليها ضمادات الجروح والمواد الناتجة عن الدماء، وتوصف هذه النفايات بخطورتها العالية جدا لاحتوائها على جراثيم وفيروسات مسببة للمرض، لذلك نجد أن الحرص على التخلص منها بطرق سليمة مهم وذلك بعد فرزها وتعقيمها من خلال التسخين، أما الأدوات الكهربائية والإلكترونية فتندرج ضمن النفايات ذات المصادر المتعددة.
مصدر هذه السحب السامة حريق اندلع في مكب عشوائي للنفايات مقام في واد سحيق بمنطقة كريسة غرب الخليل
التحلل ومدته
هذا وتمر المركبات التي تتكون منها النفايات في عملية تحلل خاصة المواد العضوية التي تحلل بيولوجياً، حيث تكون عبارة عن غذاء للمحللات وتتحول إلى ثاني أكسيد الكربون وماء بعد تحللها، أما عملية التحليل البيولوجي اللاهوائية فهي تستخدم عندما تكون عملية التحليل بطيئة وينتج عنها ثاني أكسيد الكربون والماء وغاز الميثان وكبريتيد الهيدروجين والأمونيا، ويعرف عن هذا النوع من التحليل إنتاج روائح كريهة بعضها سام، ومعروف أن غاز الميثان قابل للإشتعال وبالتالي تنشب الحرائق.
تختلف مدة تحلل المواد من مادة إلى أخرى، فمثلاً قشور الموز تحتاج إلى أربعة أسابيع، في حين الأوراق تحتاج ما بين شهرين إلى ثلاثة أشهر، وما بين خمسة لستة أشهر للقطن، وخمسين سنة للأحذية الجلدية، وأربعمائة عام للألمنيوم، وسبعمائة عام لحفاظات الأطفال، في حين تحتاج الأوعية البلاستيكية ألف عام، ومليون سنة للزجاج.
مصنع لفصل الأسلاك النحاسية
ليس ببعيدٍ عن مدينة دورا، يمنع الشابان تامر زاهر واسماعيل محمود من بلدة إذنا من حرق حوالي 1000 طن من أسلاك النحاس في الطبيعة، وذلك بعد أن باشرا ومنذ سنة ونصف العمل في مشروعهم الخاص "مصنع الصفا لتدوير المعادن" الذي تتركز الأعمال فيه على إعادة تدوير أسلاك الكهرباء وفرزها بفصل الأسلاك النحاسية عن البلاستيك بعد مرورها بثلاث مراحل.
وبحسب الشاب زاهر فإن المرحلة الاولى تتمثل بتمرير الأسلاك النحاسية المغلفة بالبلاستيك عبر ماكينة التقطيع التي تقوم بتقطيعها إلى قطع صغيرة بطول 3 سم، ويمكن خلال هذه المرحلة تقطيع 20 طن من هذه الأسلاك دفعة واحدة، أما المرحلة الثانية فتتمثل بإعادة تقطيع الأسلاك إلى قطع أصغر يصل طولها إلى نصف سم أو أقل بقليل، وهكذا يتم وبشكل تلقائي فصل النحاس عن البلاستيك وصولاً إلى المرحلة الثالثة التي يتم خلالها تعريض المواد إلى تيار هواء عالي. ولأن النحاس أكثر كثافة من البلاستيك نجد الذرات تتطاير إلى مصرف خاص بالنحاس في حين يبقى البلاستيك في مصرف لوحده، وهكذا تتم عملية الفصل.
ويضيف، يعتبر المصنع البديل الوحيد عن عملية الحرق في المكبات وهذه الآلة هي الوحيدة التي تقوم بهكذا عملية فصل في الضفة الغربية، ويتم بيع البلاستيك للتجار الذين يستفيدون منه في صناعة نعل الأحذية وصناديق الخضرة، في حين يتم بيع النحاس كمادة جاهزة للتصنيع للإسرائيليين في ظل غياب جهات فلسطينية تقوم بعملية إعادة التصنيع!.