في جميع زوايا قطاع غزة: انتشار الجرذان والقوارض وبقايا المتفجرات والأجسام المشبوهة داخل الركام مع تزايد الأمراض الجلدية والتنفسية , توصيات بالتعامل العلمي مع المخلفات الإنشائية لتحييد آثارها المدمرة

الخبير البيئي الدكتور أحمد حلس
خاص بآفاق البيئة والتنمية
لم تتوقع الحاجة ابتسام عيسى المرأة الخمسينية، أن عودتها لبيتها شبه المدمر بعد شتات دام أكثر من شهرين ونيف، يحمل لها الراحة ولأسرتها المكونة من احد عشر فرداً، بعدأن قضّ البعوض والحشرات مضجعهم، حيث لم تذق طعم النوم بعد أن تحول ليلهم إلى نهار، ما دفعها للإسراع إلى لطبيب للعلاج من الحساسية التي أصابت جلدها، عدا عن معاناتها من ضيق التنفس.
الطبيب المعالج شّخص الحالة بأنها حساسية من آثار الركام المتراكم في بيتها الذي انبعثت منه غازات وأتربة وغبار أدت إلى إغلاق مجرى التنفس لديها، عدا عن معاناتها من الحساسية الجلدية هي وأسرتها.
ابتسام ليست الحالة الوحيدة التي ظهرت عليها هذه الأعراض، بل هناك المئات من الحالات التي عانت من ضيق في التنفس ومشكلات جلدية، وشهادات وتجارب المواطنين كانت "الشاهد الأبرز" على الجرائم التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي خلال عدوانه الأخير على القطاع.
مخاطر ما بعد الحرب
تُقدر سلطة جودة البيئة في تقريرها حجم القذائف التي ألقيت على القطاع بأنها فاقت ثلاثة أضعاف القذائف التي أطلقت خلال عدوان 2008 وأن التدمير طال حوالي ( 10,000) منشأة ومنزل ومصنع بشكل كلي و(5400) بشكل جزئي.
استشارية صحة البيئة الدكتورة أمل صرصور قالت: "إن الركام الناجم عن المباني السكنية في حد ذاته يشكل دماراً كاملاً، عدا عن كونه ليس صلبا بالمجمل، والغبار ذو الحجم الصغير يُؤثر على مرضى الجهاز التنفسي، خاصة الأطفال وكبار السن.
ونبهت صرصور من خطورة تدمير مصانع المنظفات التي تحتوى على مواد كيماوية والتي تشكل كارثة بيئية؛ لأن مواد التنظيف قابلة للتفاعل مع الجو ما سبب مؤخرا أمراضاً جلدية حسب إفادات الناس.
ولفتت أن سقوط الأمطار كانت شراً على القطاع على عكس ما يعتقد الناس، حيث حركت الأمطار الغبار ليتفاعل مع طبقات الجو العليا مسببا، سقوط أمطار حامضية ضارة بالصحة العامة، عدا عن اختلاط الركام بسطح التربة ومن ثم للخزان الجوفي، محدثا أضراراً واختلالاً في التوازن البيولوجي للتربة.
وأوضحت صرصور ومن خلال مشاهدتها اليومية وشهادات الناس أنه أثناء العدوان برزت جملة من الآثار الصحية والبيئية منها انتشار الأمراض الجلدية وضيق التنفس وانتشار الجرذان والقوارض بشكل كبير؛ ما يُشكل خطراً على الصحة العامة، عدا عن وجود بقايا متفجرات وأجسام مشبوهة داخل الركام يمكن أن تتفاعل نتيجة اختلاطها ببقايا القذائف.
وشددت على ضرورة نشر الوعي بطرق واليات مختلفة لضمان توصيل الرسالة لجميع الشرائح المجتمعية، مركزة على دور الإعلام الاجتماعي في توسيع دائرة الوعي عند المواطنين، كما دعت إلى تشكيل لجان محلية وزيارات ميدانية من بيت لبيت لتفعيل عملية التوعية.
إزالة الركام
المهندس عبد الرحيم أبو القمبز مدير عام الصحة والبيئة في بلدية غزة قال: "البلدية باشرت بعد انتهاء العدوان بعملية إزالة أثار الركام والذي قسّم لثلاثة أقسام، القسم الأول وهو الركام الناجم عن الترميمات، والتنظيفات، التي تمت في المناطق المنكوبة، وهو غالباً صغير الحجم وقامت بنقله لمكب النفايات، للاستفادة منه في عمل طرق داخل المكب".
وأضاف أن البلدية قامت بنقل ما يقارب من (50,000 ) طن منها (20,000) بآلياتها الخاصة والباقي عبر مناقصات من خلال (UNDP). موضحا أن النوع الثاني من الركام فقد تم التعامل معه من خلال عملية الطحن، عبر تشكيل لجنة من وزارة الاشغال والاقتصاد الوطني وسلطة جودة البيئة والبلدية والحكم المحلي، وذلك في أرض بمساحة (30) دونم تابعة للبلدية بجوار منطقة جحر الديك.
وأوضح أبو القمبز أن كميات الركام المنوي طحنها تصل في حدود (600,000) طن وهي كميات أولية مصدرها من محافظتي غزة والشمال، لافتاً أن هذه الكميات يجري توريدها عبر مناقصات من قبل (UNDP) إضافة إلى تأهيل مكان الطحن، الذي سيتم وفق الشروط البيئية وبطريقة علمية، على أرض مستوية مغطاة بطبقة من ( البولي أثلين) عالي الكثافة، وذلك لمنع تسرب أي ملوثات لطبقات الأرض والمياه الجوفية.
أضاف أبو القمبز في ذات السرد أن القسم الثالث من الركام، وهو الكتل الكبيرة والتي تمثل قواعد وأساسات الأبنية تم عقد عدة ورش بشأنها، مع الوزارات المعنية والجامعات لدراسة الاستفادة منها في عمل ألسنة بحرية، في المنطقة المقابلة للشاطئ لحماية الطريق الساحلي وإعادة بناء الشاطئ. لافتا أن الكميات المبدئية الجاري التعامل معها هي مليون ومائتي ألف طن في محافظتي غزة والشمال.
وفيما يتعلق بإعادة استخدام الركام في البناء وما يحمل ذلك من مخاطر بيئية، أكد أبو القمبز أن الحاجة تحكم إعادة استخدام الركام في البناء، في حالة استمر الحصار، وعدم دخول الحصمة والحديد، وبأسعار مناسبة ما سيضطرهم مجبرين على التعامل مع الموجود واستخدامه في عمليات البناء الخفيفة.
الدكتورة أمل صرصور استشارية صحة البيئة-يمين- والصحافية في آفاق البيئة ماجدة البلبيسي- يسار
وجود آليات
فيما يتعلق بالركام وتأثيره وطريقة التعامل معه أكد أبو القمبز على ضرورة وجود آليات وليست معدات فحسب للتعامل مع قضية الركام بشكل علمي وفق دراسات بيئية معمقة، على أسس علمية دقيقة للتخلص منها بطريقة آمنة.
د. أحمد حلس مدير دائرة التوعية في سلطة جودة البيئة أكد على أنه لا يوجد دليل ينفي بأن الركام خال من الأشعة، لا سيما وأن تجارب الاحتلال الإسرائيلي خلال عدواني( 2008 و2012) استخدمت الأسلحة غير التقليدية وفق التقارير.
وأشار أن الكميات الموجودة من الركام وصلت لحوالي (2) مليون طن، وأن آلية التخلص منها وفق الدراسات الأولية تحتاج من( 6- 7 ) سنوات في حالة تم تسيير(60) شاحنة يومياً بحمولة ( 15 ) طناً، وهذا يحمل خطورة كبيرة أثناء نقله نتيجة تناثر الأتربة والغبار منه.
وأشار أن الركام وما يحتويه من غاز ثاني أكسيد الكبريت والنيتروجين وتفاعله مع الغبار سيصل إلى الجهاز التنفسي والرئة، ويحدث انسداداً في مجرى التنفس، لافتا أن تأثير ذلك على الأطفال يكون واضحا من خلال شكوى الأطفال من (النهجة) عدا عن أن هذا الركام محمل بالعناصر الثقيلة مثل الرصاص التي تسبب التخلف العقلي، وتُأخر النمو وتضعف مستوى التحصيل الدراسي.
كارثة بيئية
ونبه حلس من حدوث كارثة بيئية نتيجة غياب مادة الحصمة الصالحة للبناء، ما يدفع رجال الأعمال بالتعامل مع الركام وطحنه وتكسيره دون العبء بالإشعاعات المتواجدة فيه واستخدامه في البناء.
فيما يتعلق بالأساليب التوعوية التي تعكف على تنفيذها الدائرة للتعامل مع آثار الركام، فأشار حلس إلى إن المسؤولية جماعية، لأن حجم التدمير أكبر من طاقة سلطة البيئة والسلطة الوطنية والمؤسسات، لذا فنحن بحاجة إلى تضافر جهود الجميع والفصائل والإعلام لتوصيل الرسالة الصحية البيئية للوصول إلى أكبر شريحة ممكنة من المجتمع.
وأكد أن السلطة باشرت بالتوعية أثناء وبعد العدوان واستهدفت الصحفيين، والتربويين والجامعات والمدارس والمؤسسات الأهلية.
وركز في مجال التوعية على أهمية تأهيل المدرسين بعمق اتجاه البيئة والجنوح لها، مؤكداً أنه سيجرى استهداف البيئة التربوية والتعليمية في المدارس لتوصيل الرسالة ليكون كل تلميذ بمثابة رسول وسفير ناقل للرسالة.
وأكد أن سلطة جودة البيئة الآن تعكف حالياً على إعداد تقرير كامل وشامل للوضع البيئي في غزة، ولكن المطلوب التسريع بوصول الدعم المخصص للقطاع البيئي وفق ما اتفق عليه في مؤتمر الاعمار، لأن تأجيل معالجة الأضرار البيئية يعني أننا مقبلون على كارثة حقيقية في ظل موسم المطر وتراكم الركام الذي خلق بيئة خصبة للقوارض والجرذان وما تحمله من مشاكل على صحة الفرد والبيئة.
وذكر: "نعمل على إستراتيجية المائة يوم لمعالجة ما يمكن علاجه، وحاليا نعمل مع المدارس والجامعات وننظم ورش العمل والندوات التوعوية بهذه القضايا".
الشاطئ البحري
وأشار تقرير أولي صادر عن سلطة جودة البيئة في قطاع غزة حول الآثار البيئية للعدوان فيما يتعلق بجودة الشاطئ البحري، ارتفعت نسبة تلوث الشاطئ من (35-40%) للعام 2013 إلى أكثر من (70%) حسب التقرير نتيجة العجز الكلي لمحطات المعالجة بسبب استهدافها بشكل مباشر من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي الذي تسبب بانقطاع الوقود ما أدى إلى التخلص من مياه الصرف الصحي دون معالجة.
وبين التقرير أن انتشار الرائحة الكريهة قرب أماكن التصريف نتيجة التوسع في مساحة البقع الرمادية الداكنة على الشاطئ عند مصبات الصرف الصحي لفترات طويلة خلال العدوان، كل ذلك أدى إلى إصابة الإنسان بأمراض متعددة بسبب ما تحتويه المياه العادمة المقذوفة في البيئات البحرية من عوامل الإمراض التي تشمل الفيروسات والبكتيريا والديدان.
ركام المباني والمنازل ينتشر في جميع زوايا قطاع غزة
النفايات الصلبة
وفيما يتعلق بقطاع النفايات الصلبة، أوضح التقرير أن حجم الركام فاق( 2) مليون طن وتشكل هذه الكمية ضعف الكمية التي تكونت خلال العدوان 2009 فيما تقدر حجم المتفجرات والقذائف التي ألقيت على القطاع والتي تقدر ب( 3000 ) طن أي ثلاثة أضعاف الكمية للعدوان 2008.
فيما قُدرت كمية النفايات الصلبة المنزلية المتراكمة في المنازل( 76) ألف طن وهي كمية تعادل ثلاثة أضعاف للكمية المتراكمة في عدوان (2009)، عدا أن هناك ما يقارب من (20) ألف طن على الأقل من النفايات المتراكمة في بعض المكبات العشوائية.
الغطاء الأخضر
رصد التقرير الخسائر التي تعرض لها هذا القطاع، نتيجة تسبب القصف المتكرر للأراضي الزراعية بشتى أنواع المقذوفات والذخائر في إحداث حُفر عميقة داخل الأراضي الزراعية ما أدى إلى تلويثها بملوثات مختلفة، حيث بلغت مساحة الأراضي التي تعرضت للقصف إلى( 34,500) ألف دونم أي ضعفي مساحة الأراضي المجروفة في عدوان( 2009 )، كما أدى القصف إلى تدمير أربع مضخات بجانب محطة معالجة المياه العادمة في غزة.
إن تدمير الغطاء النباتي وفق التقرير يؤدي إلى إضعاف خصوبة التربة وتخريبها بسبب حدوث تغيير مقطعي في تركيب وتتابع طبقات التربة وإخلال التوازن الطبيعي والبيئي الذي كان قائما. لذا تحتاج التربة لسنوات طويلة لإعادة خصوبتها عدا عن حرق الطبقة السطحية الخصبة للتربة في الأراضي الطينية الناتج عن الحرارة العالية للمقذوفات، نجم عنه تحجر التربة السطحية وتغير في لونها إلى الرمادي الداكن حسب المشاهدات العينية.
كما أن انقلاب القطاع الأرضي يعرض الطبقات السطحية الخصبة للدفن تحت أعماق كبيرة ويعري الطبقات السطحية المتملحة، وهذا يجعلنا أمام مشكلة استصلاح تستخدم كميات كبيرة من المياه والمحسنات الطبيعية لغسل الأملاح والتخلص منها في مناطق يقل فيها وجود المياه العذبة الصالحة للري.
المياه والصرف الصحي
فيما تضرر قطاع المياه والصرف الصحي بشكل خطير قبل العدوان وثبت أن ( 90 %) من مياهه غير صالحة للشرب حيث بلغ إجمالي محطات المياه والصرف الصحي التي تضررت نتيجة القصف الإسرائيلي إلى ( 8 محطات) وتجاوز عدد المتضررين من تدمير هذه المحطات إلى ( 700,000 ) مواطن، وان جميع محطات غزة والشمال وخانيونس توقفت عن العمل بسبب الاستهداف المباشر أو انقطاع التيار الكهربائي، بسبب نقص الوقود ما أدي يوميا إلى تصريف قرابة ( 100,000) لتر من مياه الصرف الصحي غير المعالجة إلى البحر، بالإضافة تدمير أربع مضخات بجانب محطة معالجة المياه العادمة في غزة.
كما تضرر( 26 ) بئراً و(6 ) محطات و(75) كيلو متر من الشبكات و(16) خزان مياه ومحطة صرف صحي والمشكلة الكبرى التي ستواجه الخزان الجوفي هي احتمالية تلوثه بمكونات مواد المقذوفات التي انتشرت على سطح التربة بعد اختلاطها بمياه الأمطار، وترشحها عبر طبقات التربة إلى الخزان الجوفي.
وخرج التقرير بعدة توصيات في مقدمتها تحميل الاحتلال الإسرائيلي مسؤولية الجرائم والانتهاكات بحق شعبنا والبيئة الفلسطينية، متابعة تقييم الأثر البيئي المباشر وغير المباشر على شتى عناصر البيئة الطبيعية، والسماح للجنة تقصي الحقائق الأممية بالوصول والعمل في القطاع، والشروع الفوري بتنفيذ مشاريع إزالة آثار العدوان وتحسين الوضع البيئي في القطاع، من خلال حكومة التوافق الوطني ومؤتمر إعادة الاعمار، التعامل مع المخلفات الإنشائية بشكل علمي يحيد أثارها السلبية ويعظم الاستفادة منها ما أمكن من خلال تطوير وتنفيذ خطة شاملة لإعادة الاستخدام وإزالة المكبات العشوائية وإدخال المضخات وبناء محطات المعالجة، إتباع نهج اللامركزية في محطات التحلية في قطاع غزة وزيادة عددها وفق توزيع جغرافي يضمن عدم تجدد أزمة مياه شرب مستقبلية تنتج عن أي عدوان مستقبلي .