مخلفات الأضاحي.. كيف تتحول الخيرات إلى أمراض؟
| يتصرّف بعضنا وكأنه يعيش في غابة يُلقي فيها بمُخلفات الأضاحي في أي بُقعة دُون اكتراث بالعواقب البيئية والصحية التي يُمكن أن تنتهي بنتائج كارثيّة، بل دُون اكتراث بالشريعة الإسلاميّة وتعالميها. الهندسة البيئية الحديثة تُحاول التقليل من النفايات و"المخلفات" بكُل الوسائل المُتاحة، فهذه المُخلفات التي تبدو عديمة الفائدة بالنسبة لفئة واسعة منّا، تعتبر مواد خام قيّمة يُستفاد منها في إعداد الأعلاف وكذلك السماد بل وحتى إنتاج الغاز الحيوي. |
خاص بآفاق البيئة والتنمية
 |
| ذبح الأضاحي في الشوارع |
لسنا نكشف سرًا إن تحدثنا عن الذبح العشوائي في عيد الأضحى، فبعضنا يتصرّف وكأنه يعيش في غابة يُلقي فيها بمُخلفات الأضاحي في أي بُقعة دُون اكتراث بالعواقب التي يُمكن أن تنتهي بنتائج كارثيّة كما حصل في العاصمة البنغالية "دكا"، بل دُون اكتراث بالشريعة الإسلاميّة وتعالميها التي جعلت "المُحتسب" يخرج قبل 1000 عام ليُراقب كيف يتم الذبح كي لا يتسبب بأي تلوّث للإنسان والمكان، وليس يُشنّع هذه اللامبالاة إلا هموم مُعاذة العنبريّة في كيفيّة تدبير أضحيتها، ولو قارن كُل منّا نفسه بمُعاذة لوجد أننا لا نستفيد من الأضحيّة إلا نصفها أو لربما أقل، كُل هذا لجهلنا بالعواقب الوخيمة التي نتسبب بها، وكذلك بالخيرات الكامنة التي نُفرط فيها ونحن لا ندري.
مدينة .. تغرق بالدماء!
ليس من السهل علينا أن نُدرك حجم الضرر البيئي لسلوكيّاتنا، فكثيرًا ما ننتظر الكارثة كي نرى هذا الأثر بالفعل. وفي عيد الأضحى الماضي تمكّن أهالي العاصمة البنغاليّة "دكا" من رؤية هذا الأثر في أقسى صوره فأصيبوا بالذُعر وهم يُشاهدون شوارعهم تتحول إلى أنهار من الدماء، بعد أن امتزجت مع فيضانات الأمطار الموسميّة في مدينتهم الفقيرة التي تشكو من شبكة صرف صحي سيئة جدًا، وفوق هذا يسكنها أكثر من سبعة ملايين نسمة ويصل تعداد الأضاحي فيها إلى 100 ألف أضحية - بحسب BBC - تُذبح أكثرها بشكل عشوائي في الشوارع وباحات وقوف السيّارات.
الكارثة ليست في الأنهار "المُرعبة" فقط، فيكفينا أن نعلم بأن كميّة الدماء الناجمة عن ذبح كُل خروف تصل إلى 3 لترات وبالنسبة للعجول فتصل إلى 35 لترا أحيانًا، ومع ذبح 100 ألف من الخراف يعني أن كميّة الدماء قد تصل إلى 300 ألف لتر، والكارثة أن هذه الكميّة تُشكل بيئة مثاليّة لتكاثر البكتيريا وانتشار الأمراض، وبحسب العلوم البيئية فإن "طلب الأكسجين البيوكيميائي" - الذي يعطينا انطباعًا قويًا عن حجم التلوث - يصل في الدماء إلى حوالي 140 ألف مليجرام لكل لتر، بينما لا تبلغ هذه القيمة في المياه النقيّة أكثر من 20 ملغم لكل لتر!
هذا الاستهلاك النهم للأكسجين من قبل "البكتريا"، يُسرع عمليّة "التخمر" التي لا نشعر بها إلا عندما تفوح الروائح الكريهة من المجاري، كما أن الفئران والديدان تنتعش في هكذا بيئة وتسبب بدورها في انتشار الكثير من الميكروبات والأمراض، ولهذا نجد أن دولة مثل ألمانيا تفرض عقوبات شديدة على كُل مسلخ يتهاون في تسريب دماء الذبائح إلى شبكة الصرف الصحي، لدرجة أن المخالفة قد تصل قيمتها إلى 50 ألف يورو.

مخلفات الأضاحي
أصول الذبح .. قبل 700 عام!
رغم تهاون السلطات في العالم الإسلامي اليوم مع هذه الجرائم البيئية، إلا أن المتأمل في صفحات التاريخ وكُتب "الحسبة" التي كُتبت قبل حوالي 1000 عام سيجد وعيًا لا يجده اليوم، فمفهوم الحسبة اليوم بات مُنحصرًا في فكرة "سوق الخضار"، بينما في الماضي كان يعني الرقابة على الصناعات، وكتاب الشيرازي المُسمى "نهاية الرتبة في طلب الحسبة"، ثم كتاب "معالم القربة في أحكام الحسبة" لإبن الأخوة الذي يحتوي على سبعين بابًا، خصص منها بابًا للجزارين والقصّابين.
يقول ابن الأخوة المتوفى قبل حوالي 700 عام تقريبًا: "وأما القصابون فيمنعهم المحتسب من الذبح على أبواب دكاكينهم فإنهم يلوثون الطريق بالدم والروث، وهذا منكر يجب المنع منه فإن في ذلك تضييقا للطريق، واضرارًا بالناس بسبب ترشيش النجاسة بل حقه أن يذبح في المذبح، ويمنعهم من إخراج توالي اللحم من حد مصاطب حوانيتهم، بل يكون تمكنه في الدخول عن حد المصطبة لئلا تلاصقها ثياب الناس فيضرون بها".
مُعاذة العنبرية .. بُخل أم حِس بيئي؟
إذا كنا نستصعب تصديق صرامة قوانين الذبح قبل 700 عام في الدولة المملوكيّة التي لم تهتم بمنع تلويث الطريق فقط، بل وكانت تمنع "تضييقها" والانتباه لقضيّة اتساخ ثياب الناس، فإن العودة إلى حكاية مُعاذة العنبرية التي دوّنها الجاحظ قبل أكثر من 1100 عام في كتابه الشهير والمُسمى "البخلاء" تجعلنا نرى فداحة ما وصلنا إليه من تفريط بالكثير من "الخيرات" التي تحوّلت إلى "مُخلفات بيئية".
تقول مُعاذة العنبريّة وهي تعترف بعجزها في تدبير كُل أجزاء الأضحيّة: ".. وقد عَلِمتُ أنَّ الله لَم يَخلِقْ فيها - الأضحية- ولا في غَيرِها شيئاً لا مَنفَعةَ فيه."، وتبدأ في ذِكر ما لم يُخف عنها في التدبير فالقرن " يُجعَلَ كالخَطافِ ويُسمَّرَ في جَذعٍ مِن جُذوعِ السقفِ فَيُعَلَّقُ عليه الزبل (السلة)" وأما العظم فوق الدماغ وسائر العظام فتقول فيه: "سبيله أنْ يُكسَر بعد أنْ يُعرق ثُمَّ يُطبَخ. فما ارتفع مِن الدسم كان للمصباحِ وللإدامِ وللعصيدةِ ولغير ذلك. ثُم تُؤخَذُ تلك العظام فَيُوقَدُ بها. فلَم يَرَ الناسُ وَقوداً قط أصفى ولا أحسنَ لهبًا منها."، ثم إنها لا تجد حاجة لشرح فوائد الجلد و"الشعر" فتقول: "وأمّا الإهاب فالجلد نفسه جراب، وللصوف وجوه لا تُعدُّ." وتكمل: "وأما الفَرثُ والبَعرُ فَحَطبٌ إذا جُفِّفَ عَجيب."
الشيء الوحيد الذي حيّر مُعاذة العنبريّة حتى صار "كَيَّةً في قلبي وقَذىً في عيني" هو الانتفاع بالدم ولكنها لم تلبث طويًلا - بحسب الحكاية- حتى تبسّمت وقالت: "تذكرتُ أنَّ عِندي قُدورًا شامية جددًا. وقد زعموا أنه لَيسَ شيءٌ أدبَغُ ولا أزيَدُ في قُوَّتِها مِن التلطيخِ بالدّم الحار الدسم. وقد استرحتُ الآنَ إِذ وقعَ كُلُّ شَيءٍ موقِعَهُ!"
خيرات .. ليست مُخلفات!
هذا الفِكر الراقي والحِس البيئي الفطري الذي تميّزت به مُعاذة يُعتبر اليوم أساسًا من الأسس الضرورية للهندسة البيئية التي تُحاول التقليل من النفايات و"المخلفات" بكُل الوسائل المُتاحة، فهذه المُخلفات التي تبدو عديمة الفائدة بالنسبة لفئة واسعة منّا، تعتبر مواد خام قيّمة يُستفاد منها في إعداد الأعلاف وكذلك السماد بل وحتى إنتاج الغاز الحيوي Biogas!
كمثال، فإن "مسحوق الدم" الذي يتم تحضيره من تجفيف الدماء يُمكن أن يُضاف إلى العلف، فهو يحتوي على 80% من البروتين ويُمكن استعماله بنسبة 6-8% في الخلطات كما جاء في مُحاضرة د.محمد حرب في كلية الزراعة في الجامعة الأردنية. كما يُمكن لهذا المسحوق أن يستخدم كسماد عضوي غني بالنيتروجين، ويستعمل في الحدائق المنزلية بإضافته إلى التربة الضعيفة ليساعد النباتات على النمو بسرعة وقوة.
وفي الاستفادة من الجلود والعظام يُشير الباحث د.عبدالله الثنيان إلى ضرورة استغلالها في صناعة مادة الجيلاتين التي تبلغ تكاليف استيرادها للمملكة السعوديّة أكثر من (2,812) مليون ريال سنويًا، فهو يستخدم في صناعات مختلفة مثل مستحضرات التجميل والكبسولات الدوائية وكبديل لبلازما الدم وغيرها، ولكن المُشكلة أن الكثير من الجلاتين المُصنع عالميًا، يصنّع من جلود الخنازير، وبالتالي فإن هذا مُحفزٌ لصناعة "جيلاتين حلال" من مخلفات الذبح، بدلًا من أن يتم هدرها وتحويلها إلى قمامة.
في فلسطين، تُعتبر وجبة "الكرشات" أو"الفوارغ" أو "ام الضراير" - كما تُسمى أحيانا - من الوجبات التي تقدّم حلًا بيئيًا ذكيًا لمُشكلة مخلفات الذبح، حيث يعتمد إعدادها بشكل أساسي على الاستفادة من الأمعاء بدلًا من رميها لتتحول إلى "عبء بيئي"، ومع أن الكثير من الناس لم تعد تُبالي بالاستفادة من الأمعاء، وتفضّل أن تشتريها جاهزة، إلا أن هذا الطبق سيبقى شاهدًا على الحس البيئي الفطري الذي تمتع به أجدادنا والذي تفقده الأجيال شيئًا فشيئًا.