|
كيف يتم مواجهة الحشرات والأمراض المؤذية في المزارع الكبيرة التي تنتج عشرات الدونمات من الزعتر؟ تساؤلات وضعتها المجلة بعد متابعات مع جهات رسمية أكدت إتلاف كميات كبيرة من الزعتر في الأعوام الأخيرة-الغذاء الفلسطيني المتوارث منذ آلاف السنين على موائد إفطارنا إلى جانب الزيت والزيتون- وذلك بعد أن بات يثير القلق لخضوعه إلى عمليات رش متكررة ومكثفة للمبيدات الكيماوية من قبل المزارعين. فحوصات مخبرية أجريت في مختبرات فلسطينية عدّة خلال العام الماضي 2016 بينت وجود نسب مرتفعة من المتبقيات الكيماوية في الزعتر سواء الورقي أو المطحون مع السمسم، وذلك في 60% من العينات.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
 |
| حقل الزعتر البلدي في كفر جمال بمنطقة طولكرم |
يفتخر المزارع العضوي مراد الخفش بمحصول زعتره في قرية مردا، قضاء سلفيت والذي يزود به عائلته وبعض الأقارب، فلا مدخلات كيماوية نهائياً، فقط خلطة بسيطة تقي محصوله من المن والديدان، وتتألف من (البصل والثوم البلدي المبشور والصابون النابلسي المذاب والفلفل الحار)، مكونات طبيعية تنقع ليوم واحد في لتر مياه، وثم يضاف إلى كل لتر مركز 10 أضعافٌ من الماء لري النبات، أما إذا اشتكى زعتره من البياض الدقيقي فيعالجه بالحليب.
"تعلمت تلك الطريقة حين عملتُ مزارعاً في مزرعة مركز معا العضوية أوائل الألفية الثالثة، وجدتها طريقة سهلة وآمنة واستمريت بها حتى أسست مشروعي الزراعي الخاص". يقول مراد الذي أضحت مزرعته المقامة على أرضه، أحد عناوين نظام الزراعة المستدامة في فلسطين.
مراد ينتج كمية بسيطة تلبي احتياج عائلته، لكن ماذا عن المزارع الكبيرة والتي تنتج مئات الأطنان من الزعتر؟ وكيف يتم فيها مواجهة الحشرات والأمراض المؤذية بطرق آمنة؟ تساؤلات وضعتها المجلة بعد متابعات مع جهات رسمية أكدت إتلاف كميات كبيرة من الزعتر في الأعوام الأخيرة-الغذاء الفلسطيني المتوارث منذ آلاف السنين على موائد إفطارنا إلى جانب الزيت والزيتون- وذلك بعد أن بات يثير القلق لخضوعه إلى عمليات رش متكررة ومكثفة للمبيدات الكيماوية من قبل المزارعين.
فحوصات مخبرية أجريت في مختبرات فلسطينية عدّة خلال العام الماضي 2016 بينت وجود نسب مرتفعة من المتبقيات الكيماوية في الزعتر سواء الورقي أو المطحون مع السمسم، وذلك في 60% من العينات خاصةً مبيدات: Tebuconazole, .Difenconazole, Sypermethrin
وفق وزارة الزراعة الفلسطينية فإن أكثر من 5500 دونم مزروعة اليوم بالزعتر مناصفة تقريبا بين الزراعة المروية والبعلية، تنتج سنويا أكثر من 11 ألف طن من الزعتر الأخضر الذي يصدر قسم منه للأسواق العربية والدولية.
أثر المبيد على صحة الانسان
الخبير الفلسطيني البيئي جورج كرزم، وفي سؤاله عن خطر تلك المتبقيات وتكرار تعرض الجسم لها، أشار إلى أن نتائج العينات أكدت أن مبيد إنداكور (الإسم التجاري لمبيد Difenconazole ورمزه الكيميائي C19H17Cl2N3O3) مستخدم، وخطورته تكمن في احتوائه على ذرات الكلور، وهو مبيد فطري وبكتيري شائع الاستعمال، مضيفاً أن التعرض المتكرر لهذا المركب الكيميائي قد يتسبب على المدى الطويل، بأمراض سرطانية وتشوهات وراثية وضعف في الخصوبة البشرية وخلل في وظائف الرئتين.
أما مبيد Tebuconazole فقد يتسبب بالسرطان في حال التعرض المتكرر له، وأيضا اضطرابات في الغدد الصماء وتسمم الكبد؛ إضافة إلى تسميمه للمياه الجوفية. وعلى المدى القصير فقد يتسبب في تلف الكبد والأوعية الدموية وخلل في وظائف هرمون الأدرنالين.

زعتر بلدي
حماية المستهلك: الزعتر تحديداً تحت مجهرنا
إبراهيم القاضي مدير وحدة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد، أكد أن الزعتر "السلعة المتواجدة في كل بيت فلسطيني" هو تحديدا تحت مجهر مؤسسته نظراً لرسوب العديد من الفحوصات مؤخراً من حيث الميكروبات (الكوليفورمز) والفطريات واستخدام الصبغات الخطرة لإضفاء الألوان عليه، ومتبقيات المبيدات. وتباعاً، يلفت القاضي، أنه تم إتلاف أطنانٍ عديدة.
وأكّد أن ترخيص أي منشأة يتطلب بديهياً التزامها بشروط المواصفة الفلسطينية وحصولها على شهادة بيان، والإخلال بذلك يعرضها للمساءلة القانونية، داعياً المواطنين إلى الإبلاغ عن كل ما يثير شكوكهم وسيقومون بدورهم بفحصه، لأن حماية المستهلك والصحة ورغم الفحوصات التي يقومون بها، إلا أنهم لا يستطيعون تغطية آلاف السلع المنتشرة في الأسواق.
وأفاد أنه في حالة الشركات المصنّعة للزعتر، فالملام الأول هو المزارع الذي يخضع حقله المزروع لاستخدام غير آمن للمبيدات، مضيفا: "ناشدنا وزارة الزراعة أن تكثف متابعتها للحيازات الزراعية، وإيجاد المهندسين الزراعيين المختصين في هذا المجال، بهدف تغيير نمط الزراعة لتكون أكثر ملاءمة للبيئة ولصحة المستهلك".
وختم بأن هناك اهتماماً كبيراً بإجراء العديد من الفحوصات من قبل حماية المستهلك في مختبرات فلسطينية إضافة إلى فحوصات وزارة الصحة، لأن رسوب الزعتر والمنتجات الغذائية الأخرى يضّر بسمعة المنتج المحلي عموماً وثقة المواطن به، وسمعته في الخارج من خلال التصدير.
صحة البيئة: فحوصاتنا لا تشمل صغار المزارعين
مدير دائرة صحة البيئة في وزارة الصحة "إبراهيم عطية" أكد أن وزارته تفحص منتجات الزعتر في السوق بشكل دوري بنسبة 80%، وتشمل بالعادة الشركات والمصانع الكبرى سواء لما يسوق محلياً أو يصدّر للخارج، أما إنتاج المزارعين الصغار والجمعيات التعاونية فلا يخضع للفحص لصعوبة متابعته.
وفق عطية، فإحدى الشركات الفلسطينية التي تنتج الزعتر تعرّض منتجها لإتلاف كميات كبيرة لرسوبه في الفحوصات المخبرية.
أمّا آلية الإتلاف، يشرح عطية، فتتم بعد الفحص وثبوت تلوث الزعتر بمتبقيات فوق المسموح بها دولياً، حيث تسحب كل الكمية التي تم أخذ عينة الفحص منها، ومثلها من الأسواق، بواسطة متابعة فواتير الشركة وتتبع الجهات التي وزعت إليها البضاعة.
وحول المتبقيات الكيماوية في الزعتر وفق فحوصات أجرتها المجلة، أشار عطية إلى أن الأمر ليس بمقلق، وهو مرتبط ببعض المزارعين الذين يبالغون في عملية الرش، وهم بحاجة إلى توعية لإرشادهم بالطرق المثلى لاستخدام المبيد. مؤكداً أن إتلاف بضاعة المصنع نتيجة الرش الخاطئ ستردع المزارع في النهاية، لأن المصنع ببساطة يريد البيع والربح ولن يعرض نفسه للخسائر.

زعتر طازج
وزارة الزراعة: لا نستطيع مراقبة 111 ألف حيازة زراعية ولكننا نصادر المبيدات الممنوعة
أجاب مدير عام التخطيط "حسن الاشقر" من وزارة الزراعة الفلسطينية عن سؤال المجلة حول مدى تشجيع وزارته للاستخدام الآمن للمبيدات أو تشجيع العضوي عموماً، حيث أكّد أن الخطوط العامة العريضة في الإستراتيجية الزراعية لعام 2018 تركز على الصحة النباتية والاستخدام الآمن للمبيدات ولكن ليس تقليل استخدامها، في مسعى لمطابقة المنتجات الزراعية مع المعايير الدولية والمحلية التي لها علاقة بسلامة وأمن الغذاء.
وحول الاستخدام غير الآمن للمبيدات والأسمدة الكيميائية، فلفت الأشقر أن لدى وزارته جهاز الضبط الزراعي الذي يفحص كل شحنة مبيدات وأسمدة تدخل أراضي السلطة من خلال المعابر الرئيسية، وتقوم تباعاً بعد التأكد من مطابقتها لقائمة المسموح به في الوزارة بختمها بشعار الوزارة، كما تصادر أي كمية في المحلات الزراعية يتبين أنها لا تحمل ختم وزارة الزراعة، ولكن المشكلة ما يدخل بالتهريب وتحديدا من مناطق ج في الضفة الغربيةـ.
وبخصوص مراقبة الاستخدام (عمليات الرش والتسميد بالكيماويات) لآلاف الدونمات في الضفة الغربية فالأمر صعب وفق الأشقر، نظراً لعدد المرشدين الزراعيين المحدود في الوزارة، ولذلك فالوزارة بصدد العمل على تأسيس إطار قانوني لضبط تداول السلع الزراعية والسوق بالتنسيق مع وحدة حماية المستهلك التابعة لوزارة الاقتصاد، بحيث يبدأ بفحص عينات من الحسب الرئيسية وأسواق الجملة وقبل ذلك مراقبة التدفق لبضائع المزارعين إلى السوق، وإعداد سجل للمزارعين.
مختبر لضبط المحاصيل الزراعية قريبا
ولفت إلى أن مختبراً تابعاً لوزارة الزراعة ومختصاً بالصحة النباتية سيدشن العام القادم 2018 في قباطية، بهدف فحص متبقيات الأسمدة والمبيدات في المنتجات الزراعية، بحيث تصدر عن المنتج شهادة دولية وفق اتفاقيات عالمية، الأمر غير المتحقق حاليا لأسباب سياسية وليست فنية، تتعلق بعدم عضوية فلسطين في منظمة التجارة الحرة ومنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة.
المختبر يهدف لتحسين نوعية التنافسية للمنتجات الزراعية محليًا وخارجيا، يؤكد الأشقر، وهو يصب في الهدف الاستراتيجي للوزارة، بتقليل استخدام المبيدات وتطوير قدرات وزارة الزراعة المخبرية
"لكن وبكل شفافية" يعترف الأشقر أن مشكلة متبقيات السمية في الزعتر وكل المنتجات الزراعية عموماً ليس حلها في المختبر، بل عبر التوعية وتطبيق القوانين، حيث تعلن وزارة الزراعة عن أنواع المبيدات الزراعية المسموح تداولها وهي أقل من تلك المسموحة لدى الاحتلال بمائتي مبيد، ولكن تبقى المشكلة من تلك المهربة من داخل إسرائيل.
وقبل افتتاح المختبر العام المقبل، وفي سؤال المجلة عن آلية الفحص سابقاً، فأشار الأشقر إلى أن البضاعة القادمة من إسرائيل عادة تحمل شهادة منشأ وتصريح من وزارة الزراعة فتكون معروفة المصدر، أما المنتج المحلي فلا يفحص قبل التسويق لعدم وجود إطار قانوني بعد (يتم العمل عليه كما ذكر سابقاً) إلا في حال وصلت الوزارة شكاوٍ عن نسب سمية مرتفعة أو ري بمياه مجاري، حينها نتدخل ونتلف المنتج بعد إجراء الفحوصات في المختبرات الفلسطينية أو الإسرائيلية.
العضوي لا يغري المزارع ولا يقدّره المستهلك، ولكن!!
لماذا لا يتم تشجيع العضوي في خطط الوزارة بشكل مطلق؟! سؤال طرحته المجلة وأجاب عليه الأشقر بأن الأمر وارد، ولكن في النهاية فالزراعة مصلحة اقتصادية للمزارع ويحكمها السوق، ومشكلة العضوي أن إنتاجيته قليلة وشكل الثمر فيه غير جذاب، والمستهلكون الذين يقدرونه قلة...وبالتالي المزارع ممكن أن يخسر، ولكي ينجح العضوي فالمطلوب -يؤكد الأشقر- التركيز على حملات التوعية من قبل الوزارة.
وحول ضعف إنتاجية العضوي مقارنة بالزراعة الكيماوية، فقد نفى الخبير كرزم ذلك، مشيراً إلى أن هذا الادعاء من أنصار الأسمدة والمبيدات الكيماوية، بأن الأخيرة ترفع من إنتاجية التربة، فالحقيقة أنها ترفعها فقط بشكل مؤقت وعابر، أي لموسم واحد أو موسمين؛ لأنه ومع مرور الوقت، تُخَرِّب الكيماويات الزراعية التربة وتقتل خصوبتها. وقد أكدت الأبحاث الزراعية ذلك، بأن إنتاج كيلوغرام واحد من الغذاء بالطرق الكيماوية، يؤدي إلى خسارة 6 كيلوغرامات من التربة.
كما أن الإدعاء بأن الزراعة العضوية تؤدي إلى انخفاض الإنتاج، غير صحيح إطلاقا، لأن الكثير من أنواع الزراعات تتم باستعمال القليل جدا من الكيماويات، ومع ذلك لا تتأثر إنتاجيتها، بل تتحسن مع استخدام طرق زراعية بيئية وعضوية.