خاص بآفاق البيئة والتنمية
يبدو مُخلص محجوب الحاج حسن السعيد ( 75 عامًا)، حارسًا لذاكرة جنين، ويحفظ الكثير عنها، حتى أنه ألّف كتابًا استرد فيه غالبية حكايات المدينة، ورسم صورة للكثير من أوضاعها، ولا يترك مناسبة إلا ونقل همومها الثقيلة، وما آلت إليه.
خلال تجوالنا مع الحاج حسن في طرقات جنين، أخذ يُعيد لنا سيرة المدينة الأولى، فيقول: "هنا كانت البساتين، وفي ذلك المكان الطواحين المائية، وعلى الناحية الشمالية بيارات البرتقال والبساتين، ومقابلها بركة البساتين، وفي الأعلى نهر المقطع، وفي أطراف المدينة جسر، وعيون، واليوم تبدل كل شيء بالأسمنت."
تاريخ
يقول: "جنين مدينة أسسها الكنعانيون كقرية حدود 2450 قبل الميلاد، وكانت تحمل اسم 'عين جانيم'،. ودفعت المدينة ثمنًا باهظًا لجغرافيتها، فقد كانت عرضة للقوات الغازية المتجهة جنوبًا أو شمالًا وكثيراً ما لحق بها التدمير والخراب أثناء الغزو. وعُرفت في الحقبة الرومانية باسم 'جينا'، ولما ورث البيزنطيون حكم البلاد أقاموا فيها كنيسة حملت الاسم نفسه. وقد عثر المنقبون الأثريون على بقاياها بالقرب من المسجد الكبير، ويعود تاريخ تأسيسها إلى القرن السادس الميلادي."
يعود الحاج حسن إلى التاريخ: "خلال القرن السابع الميلادي نجح العرب المسلمون في طرد البيزنطيين منها واستوطنتها بعض القبائل العربية، وعُرفت البلاد لديهم باسم 'جينين' الذي حُرّف فيما بعد إلى جنين، وقد أطلق العرب عليها هذا الاسم بسبب كثرة الجنائن التي تحيط بها.
ووفق الراوي، فإن جنين مدينه قديمة ورد إسمها بالمخطوطات البابلية والآشورية والمصرية القديمة، وفي التوراة والإنجيل. وورد ذكرها بأسماء مختلفة منها: جانيم وعين جانيم وجيرين وجنين، وعرفت جنين عبر تاريخها بكثرة الجنائن والبساتين. وهي واحدة من المدن العتيقة، ولا يضاهيها بالقدم إلا أريحا ونابلس والقدس ودمشق وصيدا في لبنان. وتأسست عام 4250 قبل الميلاد وبها عدد من المكتشفات الأثرية.
سيرة
ولد الراوي عام 1940، وبدأ مهمة حفظ تاريخ مدينته بعد حصوله على شهادة 'المترك الثانوي'، ونال المرتبة الأولى في التربية الإسلامية على الضفتين (الغربية والشرقية)، وكان مؤهلًا لبعثة خارجية لم تكتمل، ودرس في دار المعلمين بالعروب، وكان الأول في الاجتماعيات والسابع بين 43 طالبًا، والتحق في سلك التعليم منذ عام 1960 متنقلا بين نابلس وجنين وريفها، إلى أن تقاعد عام 1998. وكان طفلاً حين وقعت معركة جنين الأولى، وهرب مع أسرته إلى الجبال المحيطة، وشاهد جيش الإنقاذ والجيش العراقي والمناضلين المتطوعين، ومن وقتها دخل حب التاريخ قلبه، وصار يمضي وقتًا طويلا في البحث عن كل ما يتصل بمدينة جنين.
يقول مخلص: "استعادت المدينة حريتها، في العهدين الأيوبي والمملوكي وانتعشت اقتصاديًا وعمرانيًا وتأسست فيها محطة للحمام الزاجل لتربط مصر بالشام، وكانت تابعة لنيابة صفد، وصارت ممراً لمحطات القوافل والبريد من مصر إلى الناقورة وصولاً إلى دمشق. وشهدت جنين تطورا ملحوظا في عهد المنصور قلاوون الهكاري 1281. وشيّد طاجار الداوادار الخان التجاري المشهور الذي وصفه المقريزي في كتبه، وأصابها العام 1347 زلزال كبير دمّر جنين عن بكرة أبيها."
وفق مؤرخ المدينة، فقد حلت السيادة العثمانية عليها عام 1561، وظلت جنين تابعة للأتراك العثمانيين حتى عهد السلطان محمد وحيد الدين السادس. وساعد القائد الفرنسي 'فال' نائب كليبر، نابليون بمحاصرة المدينة، وبعد أن فشل باحتلالها وعمل على إحراقها حيث قصفت جنين بالمدفعية، في نيسان 1799م وتم تدميرها. وكانت حملة إبراهيم باشا على فلسطين (1831-1840)، بمثابة طفرة عمرانية، إذ اصطحب في جيشه طواقم مختصين ورغم الزلزال الذي كان قد ضربها وهدّم أبنيتها عام 1837، إلا أن الباشا قد أسس فيها سوقاً قديمة وبلّط شوارعها وأزقتها القديمة.
يضيف الحاج حسن: "احتل الإنجليز جنين في عهد السلطان العثماني محمد وحيد الدين السادس في 20 أيلول 1918، وعيّن الميجر ماك لرين حاكمًا عسكريًا للمدينة، واختيرت جنين مقرًا لمحطة الشرق الأدنى التي أنشأها الإنجليز عام 1941. وخلال الحرب العالمية الأولى اتخذها الألمان مقرا لسلاحهم الجوي حيث أقاموا فيها مطاراً عسكرياً ضخمًا، ما زال السكان يطلقون عليه إلى اليوم الاسم نفسه، في أراضي مرج ابن عامر."
مرج ابن عامر 1990
معركة
يتابع: "وقعت معركة جنين الأولى في حزيران عام 1948، إذ بدأت المعركة الفاصلة بين الأهالي وفئة من جيش الإنقاذ، تدعمه قوة من الجيش العراقي بقيادة عمر علي وصالح زكي، مقابل قوة يهودية مؤلفة من أربعة آلاف جندي يهودي. وتم تحرير المدينة بشكل كامل في 4 حزيران 1948، بعد يوم وليلة من القتال، وقد كانت في 27 رجب 1367 هجرية. لكن بدأت معركة جنين الثانية بعد أن قام اليهود بالمباغتة في أواخر الهدنة (9 تموز 1948)، فاحتلوا 11 قرية وجابههم الأهالي بدعم من الجيش العراقي، وعملوا على تحرير قراها. وعقدت اتفاقية الهدنة الثانية في 18 تموز 1948، وبتعديل خط الهدنة خسرت جنين ما يقارب 19000 دونم، بالإضافة لفقدانها 14 قرية."
يضيف الراوي: "وصف حاييم هرتصوغ، الذي تولى رئاسة إسرائيل، المعركة بأنها أخرت احتلال الضفة الغربية 19 سنة، وفيها سقط 96 شهيدًا من المناضلين و67 شهيدًا من الجيش العراقي، و1241 قتيلاً من الجيش الإسرائيلي."
مخلص الحاج حسن، خزان تاريخ وأحداث جنين
طواحين منسية
وبحسب الحاج حسن، فقد احتضنت المدينة العديد من الطواحين المائية، التي ظهرت قديمًا، وعرفت لاحقًا بالمطحنة أو الطاحونة. وهي عجلة مائية مثبتة أفقيًا تحت حجري الرحى، وتدور فراشاتها المسننة بفعل تيار مائي متدفق أو مندفع نحو أرياش العجلة، لطحن القمح، معتمدة على قوة مصادر المياه. وكانت تتوقف الطواحين عن العمل أيام: الجمعة والسبت والأحد
يفيد:" كان معدل الأمطار في المدينة 470 ملم، وكانت ينابيع المدينة العديدة والمتفجرة، تساعد على إدارة طواحينها الأربع: أم القناطر الكبيرة (آثارها باقية قرب دوار يحيى عّياش، تستصرخ الضمائر الحية لترميمها)، في أرض تسمى (العُرمة) أنشأها محمود بك عبد الهادي عام 1833، معتمدة على مياه عين البلد. أما طاحونة البلد (كانت خلف الجامع الصغير)، فتدور من مياه عين تحمل إسمها، وتتدفق من سفح جبل المراح. وكانت من طابقين ( العلوي متميزة بطحينها البارد)، والثاني ( سُمي الندر أو المسقط ومكون من عبارتين)، وظلت عاملة حتى أواخر الأربعينيات. فيما الطاحونة الصباحية أو الغربية (قرب وزارة الحكم المحلي اليوم)، وكانت على حافة نهر المقطع، قبالة التذكار الألماني، وتدار بمياه نبعي عين نيني والبلد، وظلت عاملة حتى أواخر العشرينيات. أما الطاحونة (المجيدية) التي أسست في مستهل السلطان العثماني عبد المجيد الأول بجوار المسجد الصغير) فلا زالت آثارها قرب بركة المياه العادمة التي أنشأت عام 1970، وباتت تهدد سلامة البيئة وتلوث الجو. "
يزيد: "خسرت جنين التل الذي كان مقرًا للبريد الطائر (الحمام الزاجل)، وسوقًا للدواب، ومقبرة، ومكانًا لإقامة البرامكة والنَوَر، الذي تحول إلى كراج للمركبات عام 1965."
الفوضى الاسمنتية في مرج ابن عامر
زحف أسود
وبحسب الحج حسن، فقد بدأ الزحف على سهل مرج ابن عامر في سبعينيات القرن الماضي، وانتعش تدميره في الثمانينيات، وتفاقم منذ التسعينيات حتى اليوم. يسرد:" ما زاد الحالة ترديًا، الزحف الفاضح، الذي تخلى عن إعمار الجبال، غازيًا السهل الزراعي الأخضر، بشكل مريب، فكاد يبتلعه مع الأسف الشديد، فاَضحى المرج مسرحًا للعمارات لا البيارات، وصار حي البساتين من أكبر الأحياء السكنية في القطاع الشمالي، وصارت البركة مطبًا للنفايات، ومكرهة صحية لأكثر من عقدين."
مما لخصه الراوي، أن مدينته شهدت الكثير من الأحداث كـ'الثلجة الكبرى' في السادس من شباط 1950، ووقتها شلت مرافق الحياة، ووصل الزائر الأبيض لنصف متر، كما خسرت الكثير من آثارها كبركة البساتين، التي أسسها محمود بيك عبد الهادي، وتتسع لأكثر من 1100 متر مكعب من الماء المخزن في بركة مربعة طول ضلعها 15 مترا وعمقها نحو 5 أمتار، ومدرجة إلى أربع مستويات، وتروي نحو 1200 دونم مزروعة بالرمان والتين والتوت والليمون الحلو والنخيل والقراصية والسفرجل والخضروات، معتمدة جميعها على مياه عين نيني."
ينهي: "كانت البركة محاطة بأشجار العوسج والعليق، وفي شرقها مساكر (مداخل) تحويل القنوات، وخضعت لنظام تفتيش ورقابة مشددة من قبل مفتشي الصحة والبلدية، وعُيّن في بلدية جنين طبيباً متفرغًا، منذ تأسيس البلدية في العهد العثماني عام 1883، ويشمل التفتيش سلامة القنوات وصلاحية العبَارات والجسور والعيون وتعقيمها. ووجد الشبان في البركة لنحو 130 عامًا ضالتهم للسباحة، فمدينتهم دون بحر ولا نهر دائم ( المقطع كان موسمي الجريان)، وقد أعادت أمطار عام 1992 (1037 ميليمتراً) إحياء نبع (عين نيني)."
aabdkh@yahoo.com