خاص بآفاق البيئة والتنمية
وَقَّعَ مؤخرا نحو مائتي عالم وطبيب، من 38 دولة، على عريضة تدعو الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية (WHO) إلى العمل على تشديد الأنظمة الخاصة بالتعرض للحقول الكهرومغناطيسية (EMF) والتكنولوجيا اللاسلكية، في ظل تراكم الأدلة الكثيرة حول مخاطر التعرض للإشعاع الكهرومغناطيسي غير المؤين.
ونصت العريضة على ما يلي: "نحن العلماء والباحثون المنخرطون في بحث التأثيرات البيولوجية والصحية للأشعة الكهرومغناطيسية غير المؤينة، واستناداً إلى أبحاث نشرت في الأدبيات العلمية والطبية، تحت رقابة علمية صارمة من قبل زملائنا الباحثين، نعرب عن قلقنا العميق إزاء التعرض المتزايد والمستمر للإشعاع الكهرومغناطيسي المنبعث من الأجهزة الكهربائية واللاسلكية".
وأشار العلماء والباحثون إلى الإشعاعات الصادرة عن الأجهزة التي تنبعث منها أشعة بترددات راديوية قصيرة، بما في ذلك الهواتف الخلوية والشبكات اللاسلكية (واي فاي)، وهوائيات البث، والعدادات الذكية وأجهزة مراقبة الأطفال، إضافة إلى الأجهزة الكهربائية والبنى التحتية المستخدمة لتزويد الكهرباء والتي تنتج عنها حقولٌ مغناطيسية بتردد منخفض للغاية.
وبحسب العلماء، بينت العديد من الأبحاث التي جرت مؤخرا بأن الإشعاع الكهرومغناطيسي (EMF) يؤثر على المخلوقات الحية، حتى في حال تعرض الأخيرة لمستوى إشعاعي أقل من معظم ما نصت عليه الإرشادات والمعايير المحلية والدولية.
التأثيرات التي أشار إليها الموقعون على العريضة تتضمن زيادة خطر الإصابة بالسرطان وأضرار وراثية، وتغيرات هيكلية ووظيفية في الجهاز التناسلي، وضعف القدرة على التعلم والتذكر، وأكثر من ذلك. ونوهت الوثيقة إلى تعاظم الأدلة حول الأضرار التي تصيب أيضا الحيوانات والنباتات.
العلماء الذين وقعوا على العريضة، ينتمون إلى دول كثيرة مثل بريطانيا، الولايات المتحدة، إيطاليا، إيران، السويد، اسبانيا، تركيا، "إسرائيل" وغيرها.
وبحسب العديد من العلماء، فإن الوضع الإشعاعي السائد حاليا يرتقي إلى مرتبة الفضيحة، وذلك ليس في أيامنا هذه فقط. بل إن الأنظمة التي اعتمدتها منظمة الصحة العالمية، ومن بعدها العديد من البلدان، وضعت في عام 1998 ولم تتغير منذ ذلك الوقت؛ وهي تأخذ في الاعتبار الأضرار الناجمة عن ارتفاع سخون الأنسجة، أي فيما إذا كان الإشعاع يتسبب في ارتفاع درجة حرارة الجلد. الآثار الأخرى غير قائمة في تلك الأنظمة، علما أنه منذ صدور أنظمة عام 1998، أكد الباحثون والعلماء على تأثيرات خطيرة أخرى أبعد من مجرد سخونة الجلد؛ مثل التأثيرات على الخلايا، الحمض النووي (DNA)، الخصوبة، خلايا الحيوانات المنوية، الهورمونات، الجهاز العصبي وغير ذلك. الأنظمة الحالية لا تأخذ في الاعتبار أيا من هذه المعطيات ولا تحمي الجمهور.
أدلة علمية كثيرة
مجلة آفاق البيئة والتنمية كانت السباقة، فلسطينياً، في متابعة الأدلة العلمية الكثيرة التي برزت في السنوات الأخيرة حول وجود مخاطر صحية من التعرض للأشعة المنبعثة من الأجهزة الإلكترونية المختلفة ومن منشآت البث. ومن أبرز هذه الأدلة ما أكدته مجموعة من الباحثين الدوليين (Bioinitiative) في تقرير موسع نشرته عام 2013. وقال الباحثون بأن المواصفات القائمة حالياً والمتعلقة بمصادر الإشعاعات غير كافية، بل أوصوا بعدم تشجيع استخدام أجهزة الكمبيوتر المحمولة ومعدات أخرى تعتمد على استعمال الاتصالات اللاسلكية في المدارس.
وكشف الباحثون في تقريرهم عن أن العلاقة بين التعرض للأشعة والخطر الصحي تكون في مستويات إشعاعية أقل بكثير مما توقعته أبحاث قديمة سابقة. وبالإضافة للأورام في الدماغ، فقد تنجم أيضا عواقب صحية خطيرة جدا أخرى، مثل اللوكيميا (سرطان الدم) لدى الأطفال والكبار، وزيادة احتمال الإصابة بالأمراض المتصلة بنمو الجهاز العصبي.
وطالب الباحثون آنذاك بوضع مواصفات أكثر صرامة للحد من الإشعاع المنبعث من الأجهزة المختلفة ومنشآت البث. وشددوا على أن "عتبة الأمان الموجودة اليوم تعتبر أعلى ببضع مرات من الحد المطلوب لحماية الصحة العامة". واقترحوا مستويات إشعاعية جديدة لا يجوز تجاوزها؛ بحيث لا تستند إلى التأثيرات الحرارية للأشعة (أي مدى تسخينها لخلايا الجسم)، بل وأساساً إلى التأثيرات البيولوجية,
غموض وإخفاء للمعلومات
في المستوى الفلسطيني، من اللافت وجود تعتيم مريب حول كل ما يتعلق بالإشعاعات المنبعثة من حولنا وتأثيراتها وعواقبها الصحية؛ إذ إننا لا نعرف أين تتواجد جميع أبراج الخلوي، كما لا نستطيع الحصول على معلومات كاملة وموثوقة عن الأبراج الجديدة التي تنصب باستمرار هنا وهناك، ولا نعرف أيضا تأثيرات الإشعاعات على صحتنا، وحتى في حال معرفتنا، فلا نستطيع، في الغالب، أن نعارض نصب الأبراج بمحاذاة منازلنا.
كما أن هناك غياب تام لأي جسم علمي مهني محايد، يدقق في هذه الظاهرة ويفحص مدى التأثير الإشعاعي ومخاطره الصحية - البيئية على الناس. بل إننا محرومون حاليا من حقنا الأساسي في الحصول على المعلومات والبيانات الحقيقية الكاملة المتعلقة بشدة الإشعاعات المنبعثة من كل برج خلوي على حدة، ومستويات التعرض لهذه الإشعاعات المؤثرة على صحتنا جميعا وصحة أطفالنا. كما لا يوجد حاليا قوة بشرية علمية مؤهلة ومختصة بالتلوث الإشعاعي ومجهزة بأجهزة القياس الحديثة والدقيقة، لمراقبة ومتابعة آلاف الأبراج العاملة في الضفة وغزة، والانبعاثات الإشعاعية الراديوية غير المؤينة الصادرة عنها.
والأخطر من ذلك، أن القياسات لا تُجْرى من قبل جهة علمية محايدة لا تربطها أية علاقة اقتصادية أو مصلحية بالشركة، بل تجرى من الشركات ذاتها (بحسب ادعاء الشركات)، مما يثير تناقضا في المصالح، وبالتالي، فالنتائج والقياسات قد تكون غير علمية وغير موضوعية وغير صادقة. كما أن أجهزة القياس يجب أن تكون مُعَيَّرَة من مختبرات مؤهلة ومعتمدة لتعيير مثل هذه الأجهزة، حسب المواصفات المخبرية المتبعة عالمياً، وهذا غير متوافر لدينا، وبالتالي، فالقياسات المتوفرة لدينا قد تكون غير موثوق بها.
والحقيقة أننا لا نعرف كل احتمالات تسبب أبراج الخلوي بأذى لصحة الناس، وذلك بسبب حجب الشركات لمعظم البيانات المتعلقة بالصحة والسلامة. وما دام هناك غموض وإخفاء للمعلومات، أفلا يجدر بنا، من باب الحيطة والحذر، أن نقلل ونحد، قدر الإمكان، من انتشار تلك الأبراج وإبعادها عن المناطق السكانية الحساسة؟ فالمطلوب أن تعمل هيئة علمية خارجية محايدة على إعادة فحص أماكن انتشار هذه الأبراج وشدة الإشعاعات الصادرة عنها، ومنع نصبها في المناطق السكنية والمؤسسات الحساسة أو بمحاذاتها (مشافي، مدارس، روضات، جامعات، بيوت المسنين...)، وإعادة نشرها في أماكن بعيدة. بل، وعلى المدى الأبعد، المطلوب تشغيل الهواتف النقالة عبر الأقمار الصناعية، علما بأن الشركات التجارية قد لا توافق على مثل هذا الحل الفني النظيف بيئياً وصحياً، لأنه مكلف جدا.