خاص بآفاق البيئة والتنمية
"لم أسمع أي صوت يوحي بأن هناك قصفاً بالمكان، انقطع النور فجأة، واشتعلت النار في المبنى، لم أشعر بنفسي ولا بحروقي التي غطت كل أجزاء جسدي من رأسي حتى قدمي، كانت النار تسري في جسدي كالسيل الجارف، التصقت ملابسي بالجلد، ولم أشعر بالحريق إلا حينما خرجت في الهواء، هائمة على وجهي لم أدرِ إلى أين أتوجه، فوجدت ضالتي حينما طرقت باب جيراني، وطلبت من جارتي ستر عورتي لأنني كنت عارية تماماً من النيران التي التهمت جسدي".
بلهجة حسرة وعدم توقع للحدث، روت المواطنة سلوى أبو القمصان ذات الخمسين عاماً وهى تفترش سريرها، رحلة علاجها الداخلية والخارجية للعلاج من الحروق التي أصابتها في اليوم الثالث للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في منطقة تل الزعتر شمال القطاع، حيث استمرت رحلة علاجها شهرين ونيف خارج القطاع وما زالت تتابع حالتها، وحتى اللحظة لم تفلح في استعادة ملامحها الطبيعية، ليُكتب لها أن تعيش باقي حياتها مشوهة الأركان.
كانت الساعة الرابعة فجراً، لم يمض شهر على عملي داخل مؤسسة "المبرة الفلسطينية" التي تعنى بالتأهيل والحالات الاجتماعية حيث أعمل كمرافقة مساء لحالات من ذوي الإعاقة، وأقوم على رعايتهن، مضيفة كنت قد جهزت نفسي لصلاة الفجر، بعد أن أنهيت إعداد السحور للحالات في الغرفة، وإذا بالدخان يغطى المكان بأكمله، وشبّت النار بالجوال وانتقلت لتحرق يدي فنفضتها بسرعة البرق وأسرعت أبحث لطلب النجدة من الجيران.
درجة ثالثة
أبو القمصان ووفق التقرير الطبي الصادر عن مشفى الشفاء الطبي في مدينة غزة والذي حصلت آفاق البيئة والتنمية على نسخة منه، يفيد بأن تشخيص الحالة هو حروق من الدرجة الثانية والثالثة، محدثة تشوهات في جميع أنحاء الجسم أدت إلى ضعف في السمع.
تضيف: "لقد أثرت الحروق على حالتي السمعية، وزال كل شعر رأسي، وما زالت حفرة كبيرة في قدمي تعيقني عن قضاء احتياجاتي الشخصية دون مساندة من أحد.
سلوى ليست الحالة الوحيدة التي أصيبت بتشوهات جراء العدوان الإسرائيلي الأخير على القطاع، فهناك المئات من الحالات التي تعرضت للتشوهات نتيجة استخدام إسرائيل في عدوانها أسلحة مختلفة لأول مرة تمر على مرأى وبصر الطواقم الطبية العاملة في مشفى الشفاء، وهذا ما أثبتته بعض التقارير الطبية الصادرة عن هيئات طبية محلية وأجنبية وتقارير خبراء الأسلحة الأجانب الذين قاموا بزيارة قطاع غزة خلال فترة العدوان وما بعدها، والتي أوضحت وبما لا يدع مجالاً للشك استخدام (إسرائيل) لنسخ تجريبية لأسلحة حديثة تستخدم لأول مرة في غزة، عدا عن استخدام أسلحة وذخائر محرمة دولياً بالإضافة إلى الاستخدام المفرط للأسلحة التقليدية، وأدى هذا الاستخدام لحدوث تشوهات وحروق بليغة لدى الأشخاص الذين تعرضوا لهذه الأسلحة.
كما أشارت هذه الجهات إلى احتمال ارتفاع نسب الإصابة بأمراض السرطان وحدوث تشوهات في الأجنة.
نتائج دراسات
وبحسب تقرير نتائج العينات البيولوجية المعلن عنها في 18 آذار 2010 (في أعقاب عدوان عام 2009) كشفت نتائج الدراسة التي أجريت على (18)عينة أنسجة و(95) عينة شعر أُخذت من أجساد الشهداء والجرحى والأشخاص العاديين( نساء، أطفال، حوامل في غزة عن وجود معادن ثقيلة مسرطنة وسامة في أجسام الفئات المذكورة.
وأشارت البعثة الطبية إلى أن أهم المخاطر المستقبلية المترتبة على وجود هذه المعادن هي حدوث تشوهات أو تسمم للأجنة وإعاقة تطورها الجنينى، من خلال امتصاصها عبر البشرة أو الطعام أو الشراب، وأن زيادة تركيز هذه المعادن في الجسم يمكن أن يؤدي إلى الإصابة بأمراض السرطان، وأن ارتفاع نسبها داخل أجسام الضحايا يؤدى إلى انخفاض الخصوبة والقدرة على الإنجاب وقد تؤدى إلى العقم لدى الرجال والنساء.
كما أشارت لجنة New weapons في تقريرها الصادر في 17 أيلول 2009 إلى احتواء تربة غزة على( 35) معدن سام ومسرطن، ووجود تركيزات غير عادية للعناصر النادرة في تربة غزة ومن أهمها التنجستن والكوبالت واليوارنيوم المنضب، وأن وجود هذه العناصر تظهر آثاره السلبية على الإنسان والنبات في شكل خلل جيني وتشوهات خلقية وأمراض سرطانية.
وفي ذات السياق ووفق تقرير خبيري الأسلحة البريطانيين د. كريس باسبى وداى ويليامز فقد اشارا إلى اعتقادهما بوجود عنصر اليورانيوم المنضب في الأسلحة التي استخدمت أثناء العدوان على غزة، وأكدا على ضرورة نشر حقيقة وجود يورانيوم منضب في هواء غزة من أجل تفسير ظهور أية أمراض في الوقت الحالي أو المستقبل قد تتعلق باستنشاق اليورانيوم المنضب.
تطور الأسلحة
الخبير في القضايا البيئية المهندس عوني نعيم أشار إلى أن إسرائيل خلال الحروب التي شنتها على القطاع في الأعوام (2008، 2012، و2014) طورت الأسلحة التي استخدمتها، وبرز ذلك من خلال تأثيراتها المتعددة في نوعية الإصابات، لافتا أنها استخدمت في عدواني 2006- 2008 الزنانة وطائرات الأباتشي، واستخدمت أيضا القنابل القذرة والدايم وغاز الفسفور في عدوان 2008 فيما استخدمت في عدوان (2012) القنابل الارتجاجية التي تحدث دماراً كبيراً دون آثار جانبية على الإنسان ولكن في حالة إصابة الإنسان، فتحدث له مشاكل معقدة وصعبة.
وأضاف إن إسرائيل في عدوان (2014) استخدمت جميع الأسلحة التقليدية وغير التقليدية، وهذا ما برز جلياً من الإصابات وعمليات القتل والاستهداف.
وأكد نعيم أنه على الرغم من أننا لا نملك أجهزة لتحليل العينات واثبات طبيعة الجرائم الإسرائيلية، إلا أن الوقائع والحوادث المتشابهة لاستخدام تلك الأسلحة في منطقة الفالوجة في العراق أثبتت أنها غير تقليدية وتحتوي على مواد مشعة ومسرطنة. موضحاً أن تأثير الأسلحة المستخدمة لا تظهر بعلامات فيزيائية واضحة ولكنها تظهر بالآثار الجينية، كونها تختلف في مستوى تأثيراتها على الجسم، لافتا أن استخدام تلك الأجهزة يؤثر على الجهاز التناسلي محدثاً أثار مختلفة تبدأ بالضعف الجنسي وتنتهي بالعقم وتشويه الأجنة.
تقارير دولية
وبين نعيم أن التقارير التي رصدت عبر جهات مختصة محلية ودولية، أكدت أن هناك زيادة في نسبة التشوهات الخلقية من 13/1000 حالة إلى 27/1000 وان هذه التشوهات ليست لها علاقة بزواج الأقارب والتاريخ العائلي وأن العينة التي أجريت عليها الدراسة وهي( 4027 ) حالة في العام (2009)، من الأسر التي تقطن على الحدود وتعرضت للقصف وغاز الفسفور.
وحذر نعيم من خطورة الأسلحة التي استخدمت على الجيل الثاني والثالث وتعرضهم للتخلف العقلي والتشوهات الخلقية وزيادة نسبة السرطانات، مشددا على ضرورة أن تتواجد لجان تقصى الحقائق على أرض الواقع لمتابعة هذه الآثار واخذ عينات لتحديد الآثار المستقبلية المتوقعة وعدم الاكتفاء بعملها عن بُعد وأخذ شهادات دون التواجد على أرض الحدث.
وأكد أن هناك حاجة ماسة لممارسة الضغط باتجاه بناء مختبر وطني محلي مجهز بشكل كامل للتمكن من انجاز الدراسات والأبحاث بشكل علمي ودقيق؛ كي نتمكن من إدانة إسرائيل ومحاسبتها على جرائمها التي ارتكبت بحق الإنسان والبيئة الفلسطينية.
وكشف نعيم أنه جاري العمل حاليا لإعداد دراسة بحثية متكاملة وشاملة مدعمة بالإحصاءات حول نتائج جميع العدوانات الثلاثة على القطاع منذ عام( 2006 ) لتكون مرجعا توثيقياً ودليلا شاهداً على الجرائم التي ارتكبت من قبل قوات الاحتلال.
دكتور الجراحة في مستشفى الشفاء صبحي سكيك قال:" إن القوة التدميرية التي استخدمتها إسرائيل في عدوانها الأخير شديدة على البشر، وهذا ما ظهر من خلال الإصابات العادية، وبتر الأطراف سواء كانت السفلية أو العلوية، وتهتكها.
وشدد على ضرورة ممارسة الضغط على المجتمع الدولي للقدوم وأخذ عينات من التربة والمياه والأجنة ولمعاينة الأسلحة التي استخدمت خلال العدوان ومعرفة تأثيراتها وأبعادها الصحية والبيئية.
المواطنة سلوى أبو القمصان واحدة من بين مئات حالات التشوه في قطاع غزة من السلاح الإسرائيلي الحارق في عدوان صيف 2014 تفترش سريرها في المشفى
مواد مشعة
فيما رجح أستاذ الفيزياء الطبية أنور عطا الله أن الاحتلال الإسرائيلي استخدم مواد مشعة في هذه الحرب ، داعيا المختصين إلى إجراء الفحوصات اللازمة ومحاسبة إسرائيل دوليا، محذراً من تأثيرها الكارثي والخطير على مجمل قطاعات البيئة.
وتابع إن تأثير المواد المشعة التي تندمج بعد تسربها في عناصر البيئة المختلفة مثل الماء والتربة والهواء بعد انفجارها تنتقل بعد ذلك إلى الإنسان ويستمر لفترات طويلة من الزمن لتصل لعشرات السنين، وان التعرض لها ولو بكميات قليلة جدا يؤدي إلى تكون خلايا سرطانية، بعد فترة بسيطة من خمس إلى عشر سنوات، أو يؤدي إلى الإصابة بأمراض وراثية مثل تشوه الأجنة.
ويتابع عطالله في ذات السرد" يمكن أن يُولد الجنين فاقد العينين أو الأذنين أو بعض الأطراف، مبينا إلى أن استخدام آلاف الأطنان من المتفجرات في عدوان على منطقة جغرافية صغيرة وتطاير الغبار والأدخنة إلى الهواء الجوي، يضاعف من حجم المأساة البيئية والصحية، وزيادة الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي على المدى القريب، أما على المدى البعيد فهناك إحصائيات تفيد بزيادة نسبة السرطانات بعد عدواني 2008 و2009 على قطاع غزة ونسبة الإجهاض وتشوهات الأجنة.
رابط وثيق
وهناك رابط وثيق بين التعرض لمعادن الأسلحة التي استخدمت في قطاع غزة في عامي (2008 و2009)، وارتفاع نسبة العيوب الخلقية والولادات المبكرة في غزة. وفق دراسة علمية حديثة، نشرت هذا العام في المجلة العلمية "International Journal of Environment Research and Public Health"، والتي ناقشتها ندوة "آفاق البيئة والتنمية" بغزة في حزيران 2014 للمرة الأولى، وأجراها الباحثون باولا ماندوكا من جامعة "جِنوفا" في إيطاليا، وعوني نعيم من غزة، وسيمونا سينيوريلو من جامعة "نابولي الثانية" الإيطالية. فقد ارتكزت الدراسة على تحليل عينات شعر من حديثي الولادة وقياس نسبة المعادن التي تحتويها، حيث تم جمع العينات من( 48) طفلاً حديثي الولادة يعانون عيوباً خلقية، ومن تسعة أطفال خدج (مواليد مبكرة قبل انتهاء مرحلة الحمل) لا يظهرون عيوباً خلقية، ومن( 12 طفلاً ) معافى. وكشفت النتائج عن أن ما نسبته( 27 %) من أهالي الأطفال، الذين يظهرون عيوباً خلقية، تعرضوا لقنابل الفوسفور الأبيض، بينما تعرضت نسبة( 1.7 %) من أهالي الأطفال المعافين إلى تلك القنابل.
وتشير نتائج تحليل عينات الشعر إلى ارتفاع معدل معادن الزئبق والسيلينيوم والقصدير في عينات شعر الأطفال ذوي العيوب الخلقية، مقارنة مع الأطفال المعافين، وإلى ارتفاع معدل القصدير والباريوم عند الأطفال الخدج مقارنة مع الأطفال المعافين. في المقابل، ينخفض معدل السيلينيوم في شعر الأطفال الخدج مقارنة بالأطفال العاديين، من دون أن يسجّل معدل الزئبق فوارق بين الأطفال المعافين والأطفال الخدج.
تم اختيار تحليل تلك المعادن استناداً إلى نتائج الدراسات العلمية السابقة التي تبين أن الأسلحة تحتوي تلك المعادن السامة والماسخة (التي تحدث تشوهات خلقية عند الأجنة) والتي تشكل إحدى بقايا الحرب. ويحدث معدن الزئبق اضطرابات في الغدد الصماء، وفي الجهاز التناسلي، ويؤثر على تكوين الحيوانات المنوية، كما أن السيلينيوم يعتبر مادة سامة.
ماندوكا إحدى الباحثات في الدراسة صرحت لصحيفة "السفير" اللبنانية إلى أنها المرة الأولى التي يتم فيها تقديم البراهين العلمية على وجود رابط قوي بين تعرض الأهالي لمعادن الأسلحة التي استخدمتها إسرائيل في غزة بين العامين( 2008-2009)، والتشوهات الخلقية عند الأطفال والولادات المبكرة من دون إثبات علاقة سببية مباشرة.
وفق "ماندوكا" تنقل الأمهات، تلك المعادن إلى الأجنة من خلال المشيمة (placenta)، من دون أن يثبت الباحثون إن كن ما زلن يتعرضن إلى تلك البيئة الملوثة بتلك المعادن أو أن جسم الأم يصرف تلك المواد التي خزنها في السابق.
وتشدد ماندوكا على ضرورة دراسة آلية تأثير تلك المعادن على الوظائف البيولوجية وسبل إحداثها تلك المضاعفات، ما يساعد على إيجاد علاجات وقائية للأمهات في الحمل المقبل، خصوصاً أن الإحصائيات تبين زيادة معدل العيوب الخلقية والولادات المبكرة في السنوات الثلاث الأخيرة في غزة.
على الرغم من وجود معظم المعطيات التي تُدين دولة الاحتلال الإسرائيلي بارتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية، إلا أن هناك حاجة ضرورية لوجود مختبرات علمية مجهزة بشكل كاف لإثبات هذه المعطيات لقطع الشك باليقين، ومطالبات متجددة من قبل المجتمع الدولي للضغط باتجاه السماح للجان تقصى الحقائق الأممية خاصة فيما يتعلق بالقضايا البيئية، للقدوم للقطاع للإطلاع عن كثب على أرض الواقع وأخذ عينات وفحصها في مختبرات خارجية.