قنابل الدايم والفراغية والارتجاجية استهدفت الأطفال والأرض والبيئة
حصة كل كيلومتر مربع أكثر من 55 طن متفجرات و164 صاروخا وقذيفة
النصر العسكري للعدوان الصهيوني
خاص بآفاق البيئة والتنمية
تعد حرب تموز-آب الصهيونية على أهلنا في قطاع غزة محرقة بشرية جماعية هندستها الأدمغة النازية الجديدة المريضة التي أبادت بشكل منظم أكثر من سبعين عائلة فلسطينية عن بكرة أبيها؛ فبلغ عدد الشهداء الفلسطينيين أكثر من 2,100، نحو نصفهم من الأطفال والنساء والمسنين، فيما بلغ عدد الجرحى أكثر من 10 آلاف، أكثر من نصفهم من الأطفال والنساء والمسنين أيضا. المذابح البشرية تميزت بعمليات القتل بالجملة، كما في مجزرة حي الشجاعية التي قتل فيها أكثر من ثمانين شهيدا، ومجزرة رفح التي راح ضحيتها نحو مائتي شهيد. بلدات وقرى بأكملها سويت بالأرض، كما بلدة بيت حانون وقرية خزاعة.
بحسب قيادة الجيش الصهيوني، فإن نحو 20 ألف طن من المتفجرات سقطت على قطاع غزة خلال الفترة 7 تموز-21 آب (46 يوما)، أي أن حصة كل كيلومتر مربع في القطاع (الذي تبلغ مساحته 360 كيلو متراً مربعاً) أكثر من 55 طن متفجرات خلال ذات الفترة بمعدل نحو 1.2 طن متفجرات يوميا لكل كيلو متر مربع. وخلال الفترة 7 تموز-8 آب (33 يوما) قصف الصهاينة قطاع غزة بنحو 59300 ألف قذيفة وصاروخ أطلقت من الجو والبحر والبر؛ أي أن حصة كل كيلومتر مربع أكثر من 164 صاروخا وقذيفة خلال ذات الفترة، بمعدل نحو خمس قذائف/كم2 يوميا. حي الشجاعية (في مدينة غزّة) ومدينة رفح لوحدهما قُصِفا خلال ساعة واحدة بـ 600 قذيفة وأكثر من 1000 قذيفة على التوالي.
ووفقا للجيش الصهيوني أيضا، استهدف الأخير خلال فترة ثلاثين يوما (7 تموز-5 آب) 4929 هدفاً في قطاع غزة، أي بمعدل نحو 14 هدفا لكل كيلومتر مربع، بمعدل نحو 12 صاروخ وقذيفة للهدف الواحد!
مئات المنازل دمرت تدميرا كاملا على رؤوس قاطنيها، فدمر أكثر من ألفي منزل بشكل كامل، وأكثر من 36,000 منزل بشكل جزئي معظمها غير صالح للسكن. وشردت الحرب أكثر من نصف مليون تحولوا بين ليلة وضحاها إلى نازحين ومشردين. وتشرد بشكل خاص جميع سكان "المناطق الحدودية" الواقعة شرق وشمال قطاع غزة. جزء كبير من هؤلاء المشردين (أكثر من 150 ألف) نزح إلى مدارس وكالة غوث اللاجئين.
غالبية الشهداء هم من المدنيين غير المقاتلين، بل إن معظمهم عبارة عن أطفال ونساء وشيوخ. المشاهد الدموية البشعة لا تعد ولا تحصى، وأبرزها الأطفال الأربعة الذين أصابتهم قذائف الاحتلال بشكل مباشر ومتعمد بينما كانوا يلعبون على شاطئ بحر غزة، أو المجزرة التي راح ضحيتها أكثر من عشرة أطفال كانوا يلعبون في منتزه بمخيم الشاطئ أول أيام عيد الفطر. أجساد مئات الأطفال احترقت أمام عيون العالم "المتحضر". هذا كل ما تفتقت عنه آلة القتل السادية المريضة التي فشلت في تحقيق أي من الأهداف العسكرية الكبيرة، مثل القضاء على الصواريخ، واصطياد رموز قيادية للمقاومة، وسحق بنية المقاومة، وتدمير الأنفاق الهجومية؛ بل إن أبرز إنجازاتها عبارة عن مجازر همجية ضد شعب أعزل محاصر ومجوع.
باعتقادي، من يذبح الأطفال بالجملة ويقصف المشافي والبيوت الآمنة، يستحيل أن ينتمي إلى الجنس البشري، بل قد يكون انتماؤه أقرب إلى الكائنات البهيمية المتوحشة.
القصف الإسرائيلي استهدف 33 مشفى ومركزا صحيا وعشرات سيارات الإسعاف وأكثر من مائة وخمسين مسجدا دمر بشكل كامل أو جزئي، إضافة إلى 230 مدرسة وخمس جامعات دمرت بشكل جزئي و25 مدرسة دمرت كليا، كما استهدف القصف المقابر الإسلامية والمسيحية والكنائس، علاوة على تدمير مقرات عشرات الجمعيات الخيرية ومئات المنشآت التجارية والصناعية التي دمرت بشكل كامل، وقدرت خسائر هذه الأخيرة بأكثر من مليار ونصف المليار دولار أميركي؛ يضاف إلى ذلك تدمير 8 محطات للصرف الصحي يستفيد من خدماتها مئات آلاف المواطنين. كما أن نحو 70% من المياه الصالحة للشرب التي كانت تضخ على قطاع غزة قبل العدوان انعدمت تماما؛ ناهيك أن كميات كبيرة من مياه آبار كثيرة يعتمد عليها أهالي غزة للشرب، اختلطت مع المياه العادمة.
إذن، حجم الدمار في غزة هائل، وستستغرق عملية إعادة بناء ما دمر سنين طويلة.
هذا ما تمخضت عنه بطولات الاحتلال
جثث متفحمة وأشلاء ممزقة
تكنولوجيا جيش الاحتلال لم تتمكن من كشف أنفاق ذات قيمة استراتيجية، بل إن خبراء الجيش الأميركي الذين استعان بهم الإسرائيليون، فشلوا أيضا في تطوير منظومة قادرة على كشف أنفاق يجهل الإسرائيليون بداياتها ونهاياتها.
بشاعة الأسلحة الفتاكة المحرمة دوليا التي استخدمها الصهاينة، مثل الأسلحة الكيميائية والقذائف الحارقة، تفسر العدد الكبير من الشهداء الذين وصلوا إلى مشافي قطاع غزة جثثا متفحمة، أو أشلاء ممزقة، إضافة إلى التشوهات والأطراف العليا والسفلى المبتورة، والحروق العميقة التي تصل إلى العظام.
وكما في عدواني 2008-2009 و2012، تشير الدلائل إلى أن بعض الأهداف في قطاع غزة تعرضت خلال الحرب الهمجية الأخيرة، للقصف الجوي والبري بالقنابل العنقودية التي تصنف عالميا باعتبارها من أسلحة الدمار الشامل. وقد استخدمت "إسرائيل" في هذا العدوان، وبكثافة أكبر، النسخة المطورة تحديدا من هذه القنابل أميركية الصنع التي تعرف اختصارا بـِ DIME (الدايم). وما يعزز هذه الدلائل كثرة الإصابات المتمثلة في بتر الأطراف السفلية و/ أو العلوية. ولا يزال العديد من الضحايا الذين بترت أطرافهم يرقدون في المشافي. ويعد فقدان الأطراف من أبرز نتائج القصف بالقنابل العنقودية. وتتمثل معظم الإصابات الناتجة عن قنابل الدايم في فقدان الأذرع والسيقان.
ويؤكد أخصائيون عسكريون، وبعض المصادر الطبية في غزة، أن الاحتلال ألقى قنابل الدايم على القرى والمدن والمخيمات والحقول الفلسطينية في قطاع غزة. ومن المعروف أن الولايات المتحدة الأميركية تعد مزود إسرائيل الرئيسي بأسلحة وذخائر محرمة دوليا.
ويُخشى من أن بعض القنابل العنقودية (الدايم) لم تنفجر لدى اصطدامها بالأرض، ما قد يؤدي إلى استمرار معاناة المواطنين في قطاع غزة من بقاياها، فيتواصل سقوط الضحايا. ويُخْشى أيضا من أن تنفجر مخلفات قنابل الدايم في محيط ركام منازل الغزيين وحقولهم الزراعية وبياراتهم.
يضاف إلى ذلك، أن الكثير من مخلفات قصف الجيش الصهيوني وألغامه وأجسامه المشبوهة ما تزال تواصل انفجارها في البيئة الفلسطينية بغزة، وبجوار التجمعات السكانية، فضلا عن وجود بعض المكونات التي يعتقد بأنها مشعة في مخلفات الطائرات الحربية الإسرائيلية، في الأراضي والتجمعات الفلسطينية الغزية.
ويمكن للقنبلة العنقودية الواحدة أن تحوي 200 – 650 قنبلة صغيرة تنتشر عند انفجارها على مساحات واسعة، علما أن معظم القنابل الصغيرة لا تنفجر فورا عند ارتطامها بالأرض؛ فتبقى مكانها سنوات طويلة، لتنفجر لاحقا عند ملامستها.
حي الشجاعية إثر قصف الاحتلال له وتدميره على رؤوس ساكنيه
انشطار جسم الضحية وموته
ويؤكد بعض الأطباء الذين شخصوا آثار الانفجارات على العديد من الجرحى والشهداء في مشفى الشفاء بغزة، أن "إسرائيل" استخدمت أنواعا جديدة من الأسلحة، وتحديدا قنابل "دايم" (DIME)، وهي من نفس عائلة القنابل العنقودية التي استخدمتها إسرائيل في حرب لبنان (تموز 2006) وفي حربي 2008-2009 و2012 ضد غزة. وتتكون قنابل DIME من غلاف من ألياف الكربون محشو بخليط من المواد المتفجرة (HMX أو RDX) ومسحوق مكثف من خليط من معدن "التنغستون" الثقيل (HMTA) والمكون من مادة "التنغستون" والنيكل، والكوبالت، والكربون، والحديد. وتظهر كل هذه المكونات على شكل عدد كبير من الكرات الصغيرة. وتعد هذه الكرات ذات قوة تفجيرية كبيرة. ولا يلعب المعدن الذي في هذه القنابل دورا في توليد الطاقة التفجيرية كيميائيا، بل إن التفاعل المسبب للانفجار يحدث بشكل عكسي، عبر استعمال مسحوق الألومنيوم لزيادة الطاقة التفجيرية. وعند حدوث الانفجار، تتشظى القنبلة إلى كرات صغيرة، فيتحول المسحوق الكيميائي إلى شظايا صغيرة قاتلة، وبخاصة، لدى التعرض لها من مسافة قريبة. وهي تخترق الجلد وتنفجر داخله. وفي حال انفجارها على مسافة أربعة أمتار أو أقل من الأشخاص تؤدي إلى انشطار جسم الضحية وموته. أما إذا انفجرت على مسافة أكبر فتؤدي إلى حروق عميقة تصل إلى العظم، وبخاصة عند الأطراف، ما يؤدي إلى بترها فورا. ويحدث هذا النوع من الإصابات بسبب قدرة الشظايا على اختراق العظام والأنسجة، وبالتالي التسبب في تهتك الأنسجة والأوردة والشرايين ونزيف دموي كبير في الأعضاء المصابة، مع احتمال الإصابة لاحقا بسرطان الأنسجة. وقد سجلت العديد من الحالات المشابهة أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان في صيف 2006.
وفي بحث مخبري أجرته وزارة الصحة الأميركية (عام 2005) تبين أن هذا الخليط الكيميائي (وتحديدا التنغستون) يتسبب مباشرة في ظهور أعراض سرطانية في أنسجة الجرذان التي تعرضت لهذا النوع من المواد. كما بينت دراسات أخرى أن التنغستون النقي أو ثلاثي أكسيد التنغستون يعد عاملا مسرطنا.
هذا ما تبقى من قرية خزاعة بعد أن دمرها القصف الصهيوني الحاقد على رؤوس قاطنيها
قنابل فراغية وارتجاجية
لم يقتصر العدوان الإسرائيلي الأخير على استعمال القنابل العنقودية، وقنابل DIME، بل امتد العدوان ليشمل استخدام سلاح الجو للقنابل الفراغية والارتجاجية في قصف المباني. وتتسبب القنابل الفراغية في تفريغ الهواء الداخلي من المبنى المستهدف، فيؤدي الاختلاف الكبير بين الضغط الداخلي المنخفض جدا للمبنى والضغط الخارجي المرتفع، إلى انفجار المبنى وانهياره نحو الداخل. وتتميز الإصابات بهذا النوع من القنابل بتهتك وتلف كبيرين في أعضاء الجسم الداخلية، بينما تكون الآثار والجروح الخارجية على الجسم سطحية وطفيفة. والجدير بالذكر أن "إسرائيل" استخدمت هذا النوع من القنابل أثناء اجتياحها للبنان وحصار بيروت عام 1982، وأيضا أثناء حرب تموز 2006 وحرب الكانونين (2008-2009) ضد غزة.
ويعتقد بأن عدوان 2012 ضد غزة كان مجرد "بروفة" عسكرية للحرب الإسرائيلية الأخيرة، إذ أن مصادر آفاق البيئة والتنمية علمت آنذاك بوجود خبراء عسكريين أميركيين في قيادة المنطقة الجنوبية التابعة للجيش الإسرائيلي، كانوا يعملون على مساعدة "إسرائيل" أثناء عدوان 2012 على غزة، وتسجيل آثار استخدام الأسلحة الجديدة أو المطورة ومدى قدرتها التدميرية. وكان عمل أولئك الخبراء استمرارا لأضخم التدريبات العسكرية الإسرائيلية-الأميركية المشتركة في تاريخ "إسرائيل"؛ تلك التدريبات التي بدأت في أواخر تشرين أول 2012 وأعلن في واشنطن والقدس عن انتهائها في 13 تشرين ثاني من ذات العام، أي قبل يوم واحد فقط من اغتيال القائد العسكري أحمد الجعبري وبدء عدوان 2012 على غزة. وأجرت القوات الأميركية-الإسرائيلية، في حينه، تدريبات على بعض الأنظمة الصاروخية التي استخدمت في العدوان على غزة؛ مثل "القبة الحديدية" للدفاع الصاروخي، وآخر نسخة من صواريخ باتريوت الأميركية، ونظام آرو (حيتس) المضاد للصواريخ الباليستية والذي طورته الولايات المتحدة وإسرائيل.
يمكننا القول بأن الحرب الهمجية الأخيرة تعتبر تتويجا لسنين الحصار الطويلة وما رافقها من إذلال وتجويع. وكلنا يذكر التقارير الإسرائيلية الموثقة التي كشفت عن إحصاء السلطات الصهيونية للسعرات الحرارية التي كانت تسمح بدخولها الى القطاع للرجل والمرأة، بما يكفي لمجرد بقائهم على قيد الحياة فقط.
في الواقع، تعد عملية حصار وحشر وتجويع نحو مليوني إنسان في مساحة جغرافية صغيرة وكثيفة السكان، وقصفهم المكثف وتحويلهم إلى مختبر لفحص الأسلحة "المحرمة دوليا"- تعد ممارسة إجرامية أبشع مما فعله النازيون في أوروبا، علما أن معسكرات الاعتقال النازية لم تُقْصَف من الجو والبر والبحر بهدف حرق وإبادة من فيها.