غزة الأَحوج إليه.. فطرٌ صديق للبيئة يكافح "اللَفحة المتأخرة" في البطاطا
خاص بأفاق البيئة والتنمية
|
تضمن المكافحة البيولوجية زراعة آمنة بيئيًا ومستدامة؛ بتحكمها في مُسببات الأمراض النباتية، إذ أضحت خيارًا جذابًا لإدارة أمراض النباتات؛ وبديلًا مناسبًا عن الكيماويات الزراعية التي تُنهك التربة وتَفتك بصحة الإنسان. وما يُعرف بفطر "الترايكوديرما" Trichoderma spp أحد أهم عوامل المكافحة البيولوجية والذي اُستخدم بنجاحٍ للسيطرة على مسببات الأمراض النباتية، لا سيما فطر "الفيتو فثورا أنفستن" أو ما يُطلق عليه "اللفحة المتأخرة" التي تصيب البطاطا.
|
 |
| اللفحة المتأخرة التي تصيب البطاطا |
تقول فريدة مصلح الحاصلة على درجة الماجستير في التكنولوجيا الحيوية من الجامعة الإسلامية، إن "مرض اللفحة المتأخرة" الذي يصيب البطاطا؛ لا يؤدي إلى خسائر في المحاصيل فحسب، بل من شأنه أن يكبد المزارعين نفقات تفوق طاقتهم، حتى يتسنى لهم مكافحة الأمراض واتخاذ التدابير الوقائية اللازمة".
وتحكي لمراسل "آفاق البيئة والتنمية": "دَعتني المشكلة للتفكير بحلولٍ صديقة للبيئة بعيداً عن السموم الكيميائية، وتوصلت بحمد الله إلى مُنتج أثبت فعاليته تحت ظروف المختبر والدفيئة في قطاع غزة، كان كفيلًا بحل مشكلة تؤرق المزارعين، بعد أن جربوه وأشادوا به".
فبعد البحث العلمي الشاق الذي امتد لشهور، اهتدت مصلح إلى حٍل ناجع يتمثل في المكافحة الحيوية "للفحة المتأخرة" باستخدام فطر "الترايكوديرما فيريدي".
ومع أن مبيدات الفطريات تُعد أحد أهم الإستراتيجيات التي اكتشفها الإنسان لإدارة أمراض النبات بطريقة فعالة لا ضرر فيها، إلاّ أنها ما تزال فكرة حديثة عهد عند المزارعين في فلسطين.
مرض "اللفحة المتأخرة" تعرّفه مصلح بالقول: "هو واحد من أكثر الأمراض
تدميراً في جميع أنحاء العالم، ويصيب عدداً كبيرًا من نباتات العائلة الباذنجانية، ومن أهم المحاصيل
الاقتصادية التي يصيبها البطاطا والطماطم، وأصبح من الصعب السيطرة على هذا العامل الممرض، الأمر الذي يؤدي إلى استخدام أكثر كثافة للمواد الكيميائية الزراعية".
وتمثل الآفات والأمراض النباتية تحديًا جادًا يحول دون ترسيخ نظام زراعي مُستدام، ومن أهم مُسببات الأمراض النباتية الفطريات والبكتيريا والفيروسات والديدان الخيطية، التي ينجم عنها خسائر اقتصادية فادحة في القطاع الزراعي في العالم أجمع.
ولو تحدثنا عن البطاطا "المحصول الأهم" الذي يتوفر على مدار العام، فإن أشد الأمراض النباتية فتكًا تحدق به، وقد يقضي عليه في فترة زمنية قصيرة، فأحد أكثر الفطريات تدميراً في العالم "Phytophthora infestants" بسببه يتكبد المزارعون خسائر كبيرة في المحاصيل في أثناء موسم النمو وحتى فترة التخزين.
في حين تبيَّن أن فطر الترايكوديرما، أحد أهم عوامل المكافحة البيولوجية اُستخدم بنجاح للسيطرة على مسببات الأمراض النباتية.
وهذه الإستراتيجية يمكنها أن توفر الحماية للعديد من المحاصيل بإنتاج جزيئات ضارة للعائل المُمرض، وتحفيز آليات الدفاع في النبات.

اللفحة المتأخرة
إستراتيجية واعدة
بالعودة إلى فريدة مصلح، تؤكد على ضرورة بذل الجهود لإنشاء نظام إدارة فعال للسيطرة على مرض من هذا النوع، مبدية ارتياحها إزاء تغيير اتجاهات ومواقف الناس نحو استخدام الكيماويات في الزراعة، بسبب ما أحدثته من تلوث بيئي ومشاكل صحية خطيرة (....) "في حين أن الدراسات العلمية تتقدم أكثر في إثباتها فعالية المكافحة البيولوجية للحد من مسببات الأمراض النباتية أو مكافحتها، لتصبح إستراتيجية واعدة وصديقة للبيئة" تقول مصلح.
سألناها عن مدى حاجة مزارعي غزة للمكافحة الحيوية، وكان جوابها: "في منطقة مساحتها محدودة تشهد كثافة سكانية عالية، وكثافة في النشاط الزراعي، فإن هذا الوضع يضطر المزارعين إلى الإفراط في استخدام الأسمدة والمبيدات الكيميائية لتعويض النقص في الأراضي الزراعية، كما أن من الأسباب التي تدعو إلى الاستعانة بالمكافحة الحيوية؛ الطبيعة الرملية للتربة ووصول المواد الكيميائية إلى المياه الجوفية، ما أدى إلى ارتفاع نسبة التلوث في الخزانات الجوفية وهي المصدر الوحيد لمياه الشرب في قطاع غزة".

مرض اللفحة المتأخرة
وبحسب رأيها، أن أهم مشكلة تواجه استخدام "فِطر الترايكوديرما"، عدم إدراك أصحاب الشركات الخاصة والجمعيات الزراعية أهمية تطبيق هذا النوع من الحلول، ما يستدعي تظافر الجهود من قبل الجهات المعنيّة وجهات الاختصاص لاعتماد هذه المنتجات القائمة على أساس بيولوجي من أجل ضمان نظام غذائي آمن مستدام.
وبدورها طالبت وزارة الزراعة والمهتمين بشئون البيئة بمنح هذه الفكرة حقها بتعميمها ليجرّبها المزارعون، مع الحد من استخدام المواد الكيميائية لِما لها من أضرارٍ لا يُحمد عُقباها.

فطرالترايكوديرما
نتائج مبهرة
استطلعنا بعض آراء المزارعين الغزيين، ومنهم سعيد حجِّي مزارع فلسطيني الذي أفصح عن تردده في بداية الأمر، إذ لم يقتنع وقتها بفكرة استبدال المبيد الكيميائي بفطر الترايكوديرما، إلا أنه في نهاية المطاف قرر أن يجربه على مساحة صغيرة من أرضه، وبعد فترة قصيرة بدأت النتائج الجيدة بالظهور، ما شجعه على توسيع التجربة لتشمل مساحة أرضه المزروعة بالبطاطا كاملة.
ويمضي حجي في حديثه قائلًا: "كنت في حيرة بين استخدامي المبيدات الكيميائية وهذا يعني إلحاق الضرر بصحة الناس والتربة، أو التوقف عن الزراعة وبالتالي فقداني لمصدر الرزق الوحيد لعائلتي، إلى أن قمت بتجربة هذا الفطر، وها أنا مستمرٌ في عملي وأنا مرتاح الضمير".
وبالانتقال إلى محمد أبو عرادة، يقول: "بحثت دائمًا عن طريقة لمكافحة الأمراض التي تصيب نباتاتي، وتحديداً البطاطا على أن لا أضر الآخرين، إلى أن تواصلت مع "فريدة مصلح" وطمأنتني أن الفطر مبيد طبيعي. لقد أعطاني نتائج مبهرة، وحتى اللحظة استخدمه بدلاً من المبيدات الكيميائية التي تقتل التربة والبشر على حد سواء، ومن المهم أيضًا أني لم أعد قلقًا من مصاريف مكافحة الأمراض النباتية".

مرض اللفحة المتأخرة في البطاطا
كيف ينجح؟
يعمل فطر "التريكوديرما" على كشف العائل بفضل جهاز الاستشعار القوي الذي يستشعر أي فطر ممرض، فيبدأ بالنمو اتجاهه ثم يفرز كميات كبيرة من الإنزيمات الخارجية المُحللة للكيتين (يشبه إلى حدٍ ما القصف المدفعي التمهيدي قبل البدء بالمعركة الحقيقية).
ويلتف التريكوديرما حول العائل ويتشكل ما يعرف بـ "الأبريسوريا" وهي عبارة عن أدوات التصاق وضغط، إذ تثبت التريكوديرما على سطح العائل وعند نقاط التثبيت هذه؛ يبدأ بإفراز كميات كبيرة من الإنزيمات المحللة والسموم الفطرية وبسبب الضغط المحبوس ضمن الأبريسوريا الناجم عن الجليسيرول تحدث ثقوب على الجدار الخلوي للعائل، وعن طريقه يدخل التريكوديرما جوف الفطر العائل ليكمل التطفل والذي ينجم عنه قتله، وبذلك ينتهي سبب المرض.