خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
يُشفق المراقبون على وضع الناس المزري في قطاع غزة؛ لا سيما أن محاولات الصمود تَترنح أمام ما تجاوزَ وَصفه بــ "الإجهاد المائي الخطير"، بعد أن هلّت جائحة كوفيد -19 منذ عامٍ ونيف. المشهد برّمته يستنزف المواطن المطحون؛ الذي ما عاد له من طاقة أو جَلد لتحمل أوضاع معيشية بهذا القَدر من البؤس ومن بينها قطاع المياه، ما بين انقسام سياسي بين حكومتيّ "رام الله وغزة"، وحروب ضروس كان آخرها العدوان الإسرائيلي في مايو/ أيار الماضي، ملقياً ذلك كله بظلاله على البنى التحتية. ويبدو أن الجهات المختصة في قطاع غزة لا تملك نتائج حاسمة بشأن التغيرات التي طرأت على قطاع المياه بعد الجائحة، سلبًا وإيجابًا، إلا أن هناك بعض المؤشرات الملموسة التي يمكن البناء عليها. تلك المؤشرات، وبعد التقصي، يمكن حصرها - إن جاز لنا القول- في زيادة الكَلورة، وهذا يكاد يكون الخبر الجيد الوحيد! وأيضًا، هناك التزام أعلى بالشروط الصحية؛ لدى المحطات الصغيرة وموزعي المياه، فيما تكالبت أزمة الكهرباء مع الجائحة على قطاع المياه، ليبلغ السيل الزُبى، وثمة مشهد لا يتغير على صعيد الجهود الإغاثية، لتبقى غزة "كشخص يحتضر ويُقطر له بالماء في حلقه".
|
 |
| المؤسسات الإغاثية تتعاون من أجل كلورة المياه في قطاع غزة أثناء جائحة كورونا- المصدر: مصلحة مياه بلديات الساحل |
مرت 14 سنة على الحصار المُطبق؛ والوضع يزداد سوءاً في كافة مناحي الحياة، وعلى رأسها تدهور الوضع المائي بشكل متسارع، وتحديدًا في مياه الشرب والصرف الصحي.
ويُشفق المراقبون على حال الغزَّيين المزري؛ لا سيما أن محاولات الصمود تَترنح أمام ما تجاوزَ وَصفه بــ "الإجهاد المائي الخطير"، بعد أن هلّت جائحة كوفيد -19 منذ عامٍ ونيف.
المشهد برّمته يستنزف المواطن المطحون؛ الذي ما عاد له من طاقة أو جَلد لتحمل أوضاع معيشية بهذا القَدر من البؤس ومن بينها قطاع المياه، ما بين انقسام سياسي بين حكومتيّ "رام الله وغزة"، وحروب ضروس كان آخرها العدوان الإسرائيلي في مايو/ أيار الماضي، ملقياً ذلك كله بظلاله على البنى التحتية.
ويبدو أن الجهات المختصة في قطاع غزة لا تملك نتائج حاسمة بشأن التغيرات التي طرأت على قطاع المياه بعد الجائحة، سلبًا وإيجابًا، إلا أن هناك بعض المؤشرات الملموسة التي يمكن البناء عليها.
تلك المؤشرات، وبعد التقصي، يمكن حصرها - إن جاز لنا القول- في زيادة الكَلورة، وهذا يكاد يكون الخبر الجيد الوحيد!
وأيضًا، هناك التزام أعلى بالشروط الصحية؛ لدى المحطات الصغيرة وموزعي المياه، فيما تكالبت أزمة الكهرباء مع الجائحة على قطاع المياه، ليبلغ السيل الزُبى، وثمة مشهد لا يتغير على صعيد الجهود الإغاثية، لتبقى غزة "كشخص يحتضر ويُقطر له بالماء في حلقه".

تزويد العاملين في قطاع المياه والصرف الصحي التابعين لمصلحة المياه وبلديات قطاع غزة بمواد للتعقيم وأدوات الحماية الشخصية للوقاية من فيروس كورونا- المصدر: مصلحة مياه بلديات الساحل
مُعطيات مؤسفة
يقول الباحث المتخصص في مجال المياه د.محمود شتات في مقابلة مطولّة مع مجلة "آفاق البيئة والتنمية" إنه بحسب مواصفات منظمة الصحة العالمية وسلطة المياه الفلسطينية، 97% من مياه الشرب في الخزان الجوفي لا تصلح للشرب، بالإضافة إلى عجز مائي سنوي يتراوح بين 100- 120 مليون متر مكعب.
وبِحسبة مُبسطة، سحب قطاع غزة من الخزان الجوفي يعادل كمية تتراوح بين 190- 210 مليون متر مكعب سنويًا، مقسمة ما بين 90 مليون متر مكعب للاستخدام المنزلي، وما بين 90 -100 مليون متر مكعب للاستخدام الزراعي، بالإضافة إلى الاستخدامات التجارية.
علمًا أن ما يعود إلى الخزان الجوفي نتيجة ري الزراعة حوالي 30 مليون متر مكعب، ونحو 10- 15 مليون متر مكعب نتيجة امتداد الخزان الجوفي في الأراضي المحتلة، بالإضافة إلى 55- 60 مليون متر مكعب ناجمة عن الأمطار، لتكون حصيلة ما سبق 100 مليون متر مكعب تقريباً.
ولعل من أبرز الحقائق المؤرّقة، تلوث مياه الخزان الجوفي في قطاع غزة، بعنصري النيترات والكلوريد، إذ تشكّل نسبة مرتفعة لعنصر النيترات، وصلت في بعض مناطق الشمال منه إلى 800 ملجم/ لتر.
إزاء هذه المعطيات؛ يعرب د.محمود شتات، الحاصل على درجة الدكتوراة في تقنيات المياه والطاقة المستدامة من جامعة "نوتغهام"، عن أسفه العميق، قائلاً :"وفقاً لمواصفات منظمة الصحة العالمية لا يجب أن يتجاوز النيترات والكلوريد 45 ملجم/ لتر، مما يؤثر على الصحة العامة وخاصة على الأطفال الأصغر من 6 شهور".
ويضيف د.شتات أن المنطقة التي تشهد أكبر كثافة سكانية في العالم، تعاني كثير من آبارها التلوث البيولوجي، ما ينعكس سلباً على الخزان الجوفي.
علمًأ أن البلديات بالتعاون مع مصلحة مياه بلديات الساحل، تتولى مسؤولية تشغيل الآبار في قطاع غزة، وتعقيم المياه التي تصل إلى المنازل.

تزويد محطات تحلية مياه البحر الثلاث الممتدة على طول الشريط الساحلي لقطاع غزة بالمواد الكيميائية اللازمة لتحلية مياه البحر ويأتي ذلك في إطار مشروع الإصلاح والصيانة الطارئة المرتبط بمحاربة فيروس كورونا- المصدر: مصلحة مياه بلديات الساحل
التعقيم بالكلور أنسب
الصورة قاتمة لا شك، إلا أن الباحث الفلسطيني يضع يده على بقعة ضوء ترتبت على جائجة (كوفيد- 19)، وتتمثل في زيادة نسبة الكَلورة، لتكون من أهم الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الجهات المعنية منذ بدء انتشار فيروس كورونا في القطاع.
وتجدر الإشارة إلى أن مشروع "الكلورة" مستمرٌ من عام 1998 وتخلّله فترات انقطاع نتيجة انقطاع الدعم.
وقد زودّت "أوتشا"- صندوق الأمم المتحدة للطوارىء- من خلال مؤسسة هيومن أبيل البريطانية، مرافق المياه كافة؛ بمادة هيبوكلوريت الصوديوم اللازمة للتعقيم على مدار العام الماضي بدءًا من مارس/ آذار 2020 حتى يناير/ كانون الثاني 2021، فيما تواصل مؤسسات دولية أخرى القيام بالأمر.
يُخبرنا الباحث المتخصص في الطاقة المتجددة وتحلية المياه، والذي سبق له الحصول على جائرة أفضل بحث في "الطاقة المستدامة والبيئة" على مستوى المملكة المتحدة، عن نسبة زيادة الكلورة بعد الجائحة، قائلًا إن "مصلحة مياه بلديات الساحل، قامت إجمالًا بزيادة نسبة التعقيم بالكلور إلى 1 ملجم / لتر، حتى تضمن سلامة المياه، وقتل الفيروسات، إضافة إلى زيادة الكلورة في مرافق المياه والصرف الصحي والمشغلين في ما يزيد عن 400 مرفقًا من بينهم 284 بئرًا و أكثر من 55 محطة ضخ صرف صحي، ونحو 60-70 محطة تحلية مياه تتبع لمصلحة مياه بلديات الساحل".
تواصلنا مع مصلحة مياه بلديات الساحل، إذ قال م. معتز أبو القمبز، رئيس دائرة تصميم المشاريع، إن نصيب الفرد ناهز في عام 2019 ، 79 لترًا في اليوم الواحد، أما في عام 2020 وبعد تفشي الجائحة، فإن المصلحة بذلت قصارى جهدها لتوفير كميات مياه تلبي احتياجات السكان في ظل الظروف الصعبة بزيادة ساعات الضخ وصيانة مرافق ومصادر المياه لضمان ضخ مياه تلبي الاحتياج العام للسكان، ليصل نصيب الفرد إلى 82 لترًا باليوم.
وأضاف أبو القمبز: "حرصت مصلحة مياه الساحل، وبدعم الشركاء على توفير كميات الكلور اللازمة للتعقيم، من أجل ضمان ضخ مياه آمنة للسكان خالية من أي ملوثات؛ إذ وصلت نسبة التعقيم الي 98 %".
هذا؛ وزودت المصلحة مؤخرًا في إطار مشروع الدعم الطارئ لمحطات تحلية المياه العامة في قطاع غزة لتقليل المخاطر الصحية المرتبطة بــ (كوفيد 19)، الممول من الحكومة الألمانية، جميع بلديات قطاع غزة بأجهزة خاصة بفحص جودة المياه والتعقيم والكَلورة لمحطات تحلية المياه، وأجهزة PH وأجهزة لفحص T.DS وهي أجهزة لفحص "الفوتوميتر" (Photometer) مع تدريب طواقم البلديات على استخدام تلك الأجهزة داخل مختبر فحص المياه يتبع لها.
د.شتات الذي عمل سابقًا مديرًا لمشروع غزة المركزي للصرف الصحي لدى المصلحة، يواصل حديثه: "باشرت العديد من المؤسسات الدولية تزويد المرافق بمادة الكلور، ومن بينها "المجلس النرويجي للاجئين"، و"التعاون الألماني"، ناهيك عن إمداد محطات التحلية بالمواد الكيميائية اللازمة للتحلية، وتزويد جميع المنشآت وتشمل الصرف الصحي ومياه الآبار، بــ "حقيبة السلامة".
وللباحث رأي علمي في تعقيم المياه بمادة الكلور تحديداً، قائلًا: "عالمياً يجري التعقيم بأنظمة حديثة ومتطورة، مثل الأشعة فوق البنفسجية، وإضافة مادة الأوزون، وأرى بأن قطاع غزة كان الأنسب له مادة الكلور أكثر من أي طريقة أخرى، لكونها تناسب المناطق الزراعية ومناطق الطوارئ عامة، لأن مادة الكلور تستمر في الماء، وإذا ما وجدت في الشبكة تلوث ميكروبي سرعان ما تقتله، ما يضمن سلامة سلسلة المياه من المصدر الى المستهلك، بدءاً من الخزان الجوفي، ومروراً بمحطة التحلية وشبكة المياه، وانتهاءً بخزان المستفيد، فيما الأشعة فوق البنفسجية مثلاً تقتل البكتيريا بشكل آني.

د.محمود شتات
الالتزام بالتعليمات في تحسن
د.محمود شتات، سبق وأن شغل منصب مدير برامج المياه والصرف الصحي في منظمة "أوكسفام" الدولية، ما يجعله مطلعاً عن كثب على المجريات في هذا الصدد، وتبعًا لوصفه فإن النتائج كانت مفجعة لدراسة أجرتها "سلطة المياه الفلسطينية" بالتعاون مع مؤسسات دولية، في عامي 2015 و 2019 استهدفت فيها محطات التحلية في القطاعين الخاص والعام، وتبين حينها أن 68% من سلسلة المياه كانت ملوثة بيولوجيًا، وإن كانت نسبة الأملاح فيها قليلة، مما يشكل خطراً على الصحة العامة لا سيما على كبار السن والأطفال، وقد يؤدي ذلك إلى أمراض مثل التيفوئيد والكوليرا.
وبالرجوع إلى كتاب أصدره الاتحاد الأوروبي بعنوان “Water Security” إذ شارك شتات بكتابة أحد فصوله، والذي تناول جزئية بعنوان: أزمة المياه والبعد السياسي في قطاع غزة- دراسة حالة- وكان من بين المعلومات القيمة التي اطلعنا عليها: تُوفر مياه الشرب في غزة من خلال 282 محطة تحلية مياه صغيرة ومتوسطة وخيرية وخاصة، موزعة على قطاع غزة على النحو الآتي: 48 محطة تحلية مياه عامة صغيرة ومتوسطة الملوحة بمعدل (50 م 3 / يوم إلى 1000 م 3 / يوم).
وهناك 3 محطات رئيسية لتحلية مياه البحر تضخ (35000 م 3 / يوم)، والبقية تشمل محطات تحلية مياه صغيرة خاصة، بالإضافة إلى 3 وصلات لإمداد مياه الشرب من شركة المياه الإسرائيلية "مكوروت" بمتوسط إجمالي يبلغ 10 مليون متر مكعب سنوياً.
ومحطات التحلية تلك، لا تعمل بكامل طاقتها بسبب نقص إمدادات الطاقة في قطاع غزة.
علاوة على ذلك، يساهم المخطط التنظيمي الحكومي الضعيف في تلوث المياه المحلاة لأن الأطر والممارسات القانونية لتنظيم بائعي المياه من القطاع الخاص وإمدادات المياه الخاصة بهم غير مفعلة والمراقبة عليها تفتقد إلى الصرامة في جميع أنحاء سلسلة إمدادات المياه.
فيما أظهرت دراسة أجرتها سلطة المياه الفلسطينية في عام 2015 أن 43٪ من محطات تحلية المياه تفتقر إلى خطط التشغيل والصيانة المناسبة، ناهيك عن الافتقار إلى ممارسات جيدة لتنظيم إمدادات المياه بشكل فعال.
كما أقرت سلطة المياه في غزة، أنها لا تملك القدرة أو الموارد لإجراء المراقبة اللازمة على المياه التي يوفرها الموزعون في القطاع الخاص، ما يزيد من خطورة توصيل المياه الملوثة إلى المنازل.
علمًا أن أكثر من 90٪ من الأسر تشتري المياه من هؤلاء الباعة غير المرخص لهم، بمعدل متوسط يتراوح بين 7-10 دولارات أمريكية / متر مكعب، شهريًا.
توجهت "آفاق البيئة والتنمية" إلى خالد الطيبي مدير دائرة الصحة والبيئة في وزارة الصحة، لترى "ما آلت إليه الأحوال" بعد الجائحة.
وبدوره أفاد الطيبي أن أهم المرافق التي بات خضوعها للالتزام بالكلورة مفروغاً منه: الآبار البلدية وعددها 270 بئرًا، ومحطات التحلية العامة والخاصة وعددها 180 محطة.
ويوضح لنا الفرق "بالأرقام" في هذا الجانب بين عامي 2019 – 2020
|
نسبة الالتزام في محطات التحلية الخاصة
|
نسبة الالتزام في محطات التحلية العامة
|
نسبة الالتزام في الآبار البلدية
|
السنة
|
|
78 %
|
90 %
|
87 %
|
2019
|
|
93 %
|
97 %
|
90 %
|
2020
|
محاولًا التخفيف من حدة القلق الذي أبداه الباحث شتات تجاه موزعي المياه، بقوله: "بعد الجائحة زادت نسبة الفحوصات الدورية على مصادر المياه للمحطات الصغيرة لتحلية المياه، والسيارات الناقلة للمياه العذبة بمعدل 9 % ، فيما بلغت نسبة زيادة الالتزام بالتعليمات لهذه المحطات بمعدل 15 % وخصوصًا الكلورة".
وبحسب الطيبي، تتحقق دائرة الصحة والبيئة من توفر الشروط الصحية المعتمدة وبخاصة النظافة والتعقيم لهذه المحطات والسيارات الناقلة للمياه العذبة بين الأحياء الموبوءة، لحمايتها من التلوث أثناء النقل أو التوزيع، بما يسهم في الحد من الجائحة، فضلاً عن الالتزام بالتعليمات الخاصة بالوقاية من كورونا مثل ارتداء الكمامات والقفازات، وفي المقابل لا تتردد الدائرة في اتخاذ الإجراء العقابي بحق المحطات المخالفة عن طريق إغلاقها بعد الإخطار أولاً.
كما تعمل الجهات المعنية على توفير معدات وأدوات الحماية والوقاية الشخصية لكافة الكوادر الرقابية.

توزيع أجهزة خاصة بفحص جودة المياه والتعقيم والكلورة على محطات تحلية المياه- المصدر: مصلحة مياه بلديات الساحل
المشكلة القديمة المتجددة
أما سلطة المياه في قطاع غزة، والتي تعمل بأقل الإمكانيات والموظفين بسبب الانقسام الفلسطيني منذ عام 2007، فقد عملت قدر المستطاع مع عدد من الجهات المانحة والمؤسسات الدولية والمحلية لتوفير المواد الخاصة بالتعقيم والتطهير ومنها مادة الكلور لمرافق عديدة، بحسب حديث م. سعدي علي، مدير عام وحدة إدارة المشاريع.
ولتأمين سلامة مرافق المياه والصرف الصحي، كثفّت سلطة المياه العمل من أجل تأمين كميات متزايدة من الوقود في ظل مشكلة الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي؛ المتفاقمة منذ سنوات طويلة، بسبب لتلبية احتياجات السكان المتزايدة للمياه.
ويقول م.علي إن سلطة المياه، ضاعفت جهدها في التنسيق لتوفير المواد والمعدات وقطع الغيار اللازمة لضمان استمرارية أعمال الصيانة، في ظل القيود المشددة التي يفرضها الاحتلال.
وللوقوف على التحديات التي تواجه الفرِق العاملة في قطاع المياه في ظل الجائحة، فقد لخصها لنا م. أنور الجندي مدير عام المياه والصرف الصحي في بلدية غزة، في عدة نقاط:
- عدم توفر كهرباء دائمة للآبار الرئيسية.
- شح السولار لتشغيل الآبار.
- أيام الإغلاق وحظر التجوال سببت اضطرابًا في العمل؛ وصعوبة وصول بعض العاملين إلى أماكن عملهم، لذا يتم العمل بالحد الأدني من الفرق الميدانية في أيام الإغلاق وأيام الجٌمع لضمان وصول المياه للمواطنين.
وناشد الجندي المؤسسات الدولية والجهات المانحة من أجل التدخل العاجل لتوفير مخزون كافٍ من الوقود للقيام بالحد الأدنى من الخدمات، بعد أن ألقت الجائحة ضغطًا هائلاً عليها، وجعلت الوضع المائي أصعب، تبعاً لقوله.
وفي هذا الصدد يتطرق شتات إلى مشكلة تشغيل المولدات في المنازل، إذ يعاني غالبية المواطنين من عبء توفير "السولار" نتيجة الأوضاع الاقتصادية المتردية، ويزيد بالقول: "نتيجة لما سبق، هناك مناطق في القطاع تصلها المياه مرة كل يومين أو حتى أربعة، ما يؤثر بالسلب على الصحة العامة لتضحي الفرصة أكبر أمام انتشار الأمراض، وتراجع النظافة".

صيانة وتأهيل عدد من مولدات الطاقة الكهربائية الخاصة بمرافق المياه والصرف الصحي بمختلف مناطق قطاع غزة لضمان عدم توقفها عن العمل نتيجة لاستمرار ازمة انقطاع التيار الكهربائي- المصدر: مصلحة مياه بلديات الساحل
لم تُدّلِ بالنتائج
وفي سياق آخر، شكّل "تلوث مياه الصرف الصحي بفيروس كورونا" هاجساً عند المتخصصين وأصبح مثار اهتمام دراسات أثبت بعضها صحة ذلك، وفي غزة نظرًا لعدم توفر الإمكانيات الكافية للتحقق من الأمر، أرسلت وزارة الصحة بتاريخ 11/ 4/ 2020 عينات مياه عادمة من 15 محطة ضخ مياه عادمة موزعة في القطاع إلى "إسرائيل" بوساطة منظمة الصحة العالمية.
يقول م. سعيد العكلوك رئيس قسم الصرف الصحي في وزارة الصحة: "امتنع الاحتلال عن الإدلاء بنتائج الفحوصات لمياه الصرف الصحي التي أرسلناها إليه".
النظافة الشخصية
سلوك السكان المتصل بإجراءات التعقيم أخذ منحى إيجابيًا، ففي دراسة موسومة بــ "العلاقة بين الخوف من فيروس كورونا والسلوك الوقائي لدى سكان قطاع غزة" نُشرت في شهر مايو/ آيار الفائت، في المجلة العلمية الأمريكية "مجلة العلوم النفسية والسلوكية" أجراها د.سامر أبو زر، خبير الصحة البيئية، وستة آخرين من المختصين، وعلى لسان د.أبو زر يخبرنا بنقطة هامة ورد فيها الآتي: "يُعد نقص المياه والكهرباء شائعًا في فلسطين قبل جائحة كورونا؛ وتستمر أزمة إمدادات المياه والطاقة الكهربائية بعدها، إذ لا تكفي لتلبية احتياجات الأسرة الفلسطينية في قطاع غزة.
ووفق نتائج الدراسة فإن 549 (96.3٪) من المشاركين في الدراسة أفادوا أن إمدادات المياه لم تكن متوفرة دائمًا في المنزل، ومع هذا، كان الاهتمام بالنظافة الشخصية وتنظيف المنزل أكثر من المعتاد قبل الإعلان عن الجائحة عام 2019.
فيما أكد 85% من المشاركين التزامهم بغسل الأيدي بالماء والصابون لمدة 20 ثانية في كل مرة".

مصلحة مياه بلديات الساحل تزود كافة آبار ومصادر المياه في قطاع غزة بمادة هيبو كلورايد الصوديوم بهدف كلورة وتعقيم مياه الشرب- المصدر: مصلحة مياه بلديات الساحل
لا علاقة لــ "كورونا"
ويذهب خبراء إلى أن ثمة جانب سلبي ترتبّ على الجائحة، ويتمثل في إيقاف مشروع "إعادة استخدام مياه الصرف الصحي في محطة رفح"، في منطقة المواصي، بغرض استخدامها في الزراعة، إذ أُوقف في بداية الجائحة، وكان قد حصل على تمويل ضخم من الاتحاد الأوربي بقيمة 2 مليون يورو، ولم يعمل سوى أربعة أشهر.
وبحسب رأيهم أن إغلاق المشروع الذي أشرفت عليه منظمة أوكسفام بالتعاون مع الإغاثة الزراعية وجمعية أصدقاء البيئة، جاء من باب الخوف من انتقال العدوى، ومن أجل ضمان تشغيلٍ آمن يخضع للمواصفات العالمية والفلسطينية ويتقيد بنظام مراقبة محكم ودقيق، لذا فضل القائمون على المشروع عدم المجازفة باتخاذ قرار الإيقاف.
علمًا أنه فيما لو استمر المشروع، كان سيحل مشكلة كبيرة لأزمة المياه في القطاع، إذ يُضخ نحو 120 ألف متر مكعب في اليوم من الصرف الصحي إلى البحر، ما بين معالج جزئياً أو غير معالج، وبدلاً من تلويث البحر، كانت محطة رفح ستعالج جزءاً من هذه الكمية لتستخدمها في الزراعة، وبالتالي يتم حماية الخزان الجوفي المُنهك، ناهيك عن حماية الحياة البحرية، وتوفير مواد عضوية للنباتات.
الجهة الرسمية المُخولّة بالتصريح وهي وزارة الصحة:.وللتعقيب على سبب إيقاف المحطة المذكورة، سألت "آفاق بيئية"
"عن ماذا أسفرت نتيجة التحاليل؟"
وكانت إجابة م. سعيد العكلوك رئيس قسم الصرف الصحي: "كان المشروع عبارة عن جزئين، الأول نفذه منظمة أوكسفام، والآخر نفذه "بكدار" وأغلقنا كليهما بسبب نوعية المياه العادمة المعالجة والمعاد استخدامها في أغراض الزراعة، إذ كانت نسبة الملوثات البيولوجية أعلى بكثير من الحد المسموح به وفق المواصفات والمقاييس الفلسطينية ومنظمة الصحة العالمية وخصوصا عند فحص E-Ccoli, Fecal coliform, and Total coliformومن موقعي؛ أؤكد أنه لا توجد علاقة بين قرار الإغلاق وجائحة كورونا؛ وإن تزامن ذلك معها".
توصيات
من أجل إدارة فعالة للمياه في قطاع غزة وإلى حين تخطي الجائحة بسلام، يُورد الباحث شتات عدداً من التوصيات لكل جهةٍ على حدة: "لا بد من مراقبة مشددة من قِبل مصلحة مياه بلديات الساحل، والبلديات على شبكات المياه ومياه الشرب التي تُوزع بما يضمن سلامتها، بفرض نظام تعقيم مستمر وفق المواصفات الدولية على جميع مرافق المياه وبخاصة الآبار ومحطات التحلية".
ويستفز شتات ما يراه من مشهدٍ متكرر يجمع بين التلوث واحتمال الإصابة بالعدوى عند سحب الخراطيم على الأرض لتعبئة المياه للمستهلك، مطالباً كلاً من سلطة المياه ووزارة الصحة، بتفعيل نظام المراقبة الصارمة على محطات تحلية المياه في القطاع الخاص والموزعين الذين قد يكونوا مصدراً ثانياً للعدوى، لضمان إنتاج مياه صالحة معقمة، وخلو خزانات المياه من أي تلوث بيولوجي.
كما يأمل، أن تشدد وزارة الزراعة المراقبة على جودة المياه المُنتجة من المحطات، في حال تنفيذ مشاريع إعادة استخدام الصرف الصحي، حتى لا تشكّل مصدر تلوث للمَزارع.
إنهاء الحصار
"الدعم الإغاثي غير متكامل، الوضع في غزة كشخص يحتضر ويُقطّر له بالماء في حلقه".. إنه أفضل تشبيه يجده شتات لجهود الجهات الداعمة التي تتجه أنظارها في في هذه الآونة نحو القطاع الصحي، ومع ذلك، إعادة صيانة مرافق المياه والصرف فيه لم تَحظَ سوى بدعم بسيط، تبعاً لقوله، مضيفاً: "المؤسسات الدولية والإغاثية عموماً لا تتحمل تكلفة التشغيل التي تعتمد بالدرجة الأولى على تجميع فواتير المياه من الناس، وكما هو معلوم 80% من سكان القطاع تحت خط الفقر، بمعدل بطالة 45% ، وكثير منهم لا يلتزمون بدفع الفواتير المستحقة، فيما توجد نسبة لا بأس بها من سكان المناطق المهمشة مثل المخيمات، يشربون من مياه "الحَنفيات" الملوثة. هم ببساطة لا يملكون ثمن الماء".
مؤكداً أن الحصار الخانق المُطبق على قطاع غزة أعاق العديد من المشاريع الحيوية في قطاع المياه، وحالَ دون تطوير محطات الصرف الصحي.
جدير بالذكر أن "الإيرادات المحلية للبلديات انخفضت بشكل ملحوظ، وتضاعفت النفقات نتيجة زيادة عدد ساعات التشغيل، وإعلان حالة الطوارئ"، بحسب مركز الميزان لحقوق الإنسان.
ويعقب م.العكلوك على مسألة شحّ الدعم بالقول: "بالفعل؛ المشاريع المرتبطة بمحطات التحلية والمعالجة لم يطرأ عليها أي تغيير، والتمويل الذي له صلة بالجائحة يتجه نحو النفايات الطبية ومحطات توليد الأكسجين وأماكن العزل ووسائل الحماية والتعقيم فقط".
"إذن ما الحل!"، يرى شتات أن الإجابة على سؤال بهذا التعقيد، وأياً كانت الظروف والتداعيات ليس فقط على صعيد المياه وعلاقتها بالجائحة، وإنما لحل مشاكل القطاع كافة، يقتضي رفع الحصار فوراً وحل المشكلة السياسية القائمة، وتزويد القطاع بالاحتياجات الأساسية.
ويُذّكر "إسرائيل" بهذا الحق، مردفاً بالقول: "يندرج تحت القانون الدولي لحقوق الانسان، بند توفير مياه آمنة صالحة للشرب. إنه حق مكفولٌ لأي جهة مُحتلة، وغزة وفقاً للقانون الدولي ما تزال تخضع للاحتلال، مما يُلزمه بتوفير احتياجاتها".
ويلوّح شتات بتحذير آخر، في خضّم أزمة مياه الصرف الصحي التي تصفها المنظمات البيئية بــ "القنبلة الموقوتة"، مؤكدًا أن سوء معالجتها، إلى جانب تدهور البنية التحتية والمرافق والخدمات، أدى إلى تصريف أكثر من 116 مليون لتر من مياه الصرف الصحي غير المعالجة أو المعالجة جزئيًا في البحر يوميًا، ما ينذر بمخاطر صحية وبيئية بالغة لسكان غزة وجيرانها.
إذ يمتد أثر ضخ مياه الصرف الصحي في بحر غزة إلى "إسرائيل"، تبعاً لشتات، موضحاً: "مدينة عسقلان المحتلة - تعُرف بـ أشكلون-، وتبعد أقل من 10 كيلومترات عن القطاع، انتقل إلى شواطئها التلوث البيولوجي، وحاول الاحتلال التغلب عليه بإضافة مادة الكلور بمعدل أعلى، إلا أن المخاطر تلاحق المصطافين الذين يسبحون في الحدود المحاذية للقطاع".