خاص بآفاق البيئة والتنمية
 |
| الأطفال الفلسطينيون يعانون العطش والأطفال الإسرائيليون يتمتعون بتخمة غير محدودة من المياه |
أعلن مؤخرا تقريرٌ صادر عن مؤسسة "الخدمات الهيدرولوجية" الإسرائيلية بأن "النقص الخطير في المياه بإسرائيل قد تقلص خلال السنوات الأربع الأخيرة بنسبة 90%. ومع ذلك لا يزال نقص المياه يتجاوز 400 مليون متر مكعب للوصول إلى مناسيب المياه المطلوبة، دون التسبب بأضرار للخزانات الجوفية". وأضاف التقرير بأن "العوامل الأساسية التي أدت إلى تحسين الميزان المائي تتمثل في كمية المتساقطات الكبيرة نسبيا التي هطلت في السنتين الأخيرتين، وبخاصة الزيادة الكبيرة في استعمال المياه المحلاة التي قللت من ضخ المياه من المصادر الطبيعية" (جريدة "هآرتس" 26/11/2013). وقد غطى التقرير فترة السنة المائية المنصرمة (تشرين أول 2012-تشرين أول 2013). وبحسب التقرير، بلغ في نهاية العام المائي الماضي حجم المياه الكلي في منظومة المياه بالأحواض الفلسطينية الرئيسية (طبريا، الحوض الجبلي الغربي وحوض الساحل) 1.09 مليار متر مكعب فوق الخطوط الحمراء؛ علما أن هبوط المياه إلى ما دون هذه الخطوط قد يؤدي إلى الإضرار بجودة المياه.
التقرير الإسرائيلي السابق خفف إلى حد كبير من التهويل الإسرائيلي الذي شاع خلال العقود الأخيرة، بخصوص شح المياه المزعوم. إذ طالما حاولت أوساط إسرائيلية رسمية تسويق الزعم القائل بأن فلسطين (التاريخية) تعاني من الجفاف المائي، لتبرير مواصلة هيمنتها المطلقة على المياه الفلسطينية، وحجبها بالتالي عن الفلسطينيين الذين يعانون أحيانا من العطش الحقيقي، كما في قطاع غزة ومنطقة الخليل في فصل الصيف على سبيل المثال؛ ناهيك أن أكثر من 90% من المياه "العذبة" في غزة ملوثة وغير صالحة للشرب.
الوقائع الهيدرولوجية على الأرض، وعمليات النهب الإسرائيلي الضخم للموارد المائية الفلسطينية والعربية، تكذب المزاعم الإسرائيلية حول الجفاف المائي. فالمعدل السنوي طويل الأمد (عشر سنوات) لهطول الأمطار في منطقة القدس على سبيل المثال لا الحصر، قريب جدا من معدل الأمطار في العواصم الأوروبية؛ إذ أن كمية الأمطار في القدس أعلى من برلين، وكمية الأمطار في رام الله أكثر من باريس! (مسرشمد، كلمنس. أزمة المياه في فلسطين، 2011).
والحقيقة أن حوض المياه الجوفية الجبلي الغربي الذي يمتد على طول الضفة الغربية والجليل يعتبر الحوض المائي الأكبر والأغنى والأكثر جودة في فلسطين ويتمتع بتغذية عالية، وتنهب إسرائيل جل مياهه. وبالرغم من النهب الإسرائيلي الضخم لمياه هذا الحوض، فقد تبين وفقا للأرقام الإسرائيلية حتى نهاية السنة الهيدرولوجية المنصرمة، بأن 60 مليون متر مكعب فقط تنقص الحوض الأخير كي يستقر عند المنسوب النموذجي الموصى به.
وقد تحدد مسار الجدار العنصري على طول الحوض الغربي والآبار الإسرائيلية التي تمتص مياهه، تحديدا. وضمت إسرائيل المستعمرات الواقعة فوق مناطق هذا الحوض الغنية بالمياه إلى غرب الجدار؛ علما أن هذه المناطق تحديدا تحوي أضخم احتياطي من المياه يمكن أن تعتمد عليه أي "دولة فلسطينية مستقبلية". وبالتالي، فإن سلخ هذه المناطق لصالح إسرائيل، يعني منع الفلسطينيين من تطوير مصادرهم المائية في الحوض الغربي، وبالتالي فإن مثل هذه "الدولة" ستكون دون مخزون استراتيجي من المياه.
إذن، يرتكز الجدار بالأساس إلى ضم أراضٍ واقعة في الحوض الغربي، مما يعني سيطرة الاحتلال سيطرة مطلقة على مصادر المياه في هذا الحوض، ومنع أي تأثير فلسطيني عليه. وليس الادعاء الإسرائيلي الأمني لإنشاء الجدار سوى ستار مضلل لإخفاء حقيقة الأهداف الجيوسياسية - الإستراتيجية الحقيقية المتمثلة أساسا في تخليد السيطرة على الموارد الطبيعية والمائية ونهبها.
كما يتم نهب المياه من جبال الضفة الغربية وربطها بنفس الخطوط. وتضخ مياه طبرية أيضا على هذه الخطوط الرئيسية. ومع ذلك، يدعي الاحتلال الإسرائيلي بأنه لا توجد أحواض مائية يمكن أن "يمنحها" للفلسطينيين.
 |
| مستعمرو الأغوار يتمتعون بوفرة غير محدودة من المياه الفلسطينة المنهوبة |
مغالطات شائعة
تتمتع الضفة الغربية تحديدا، بكميات كبيرة من المياه الجوفية، والقليل من المياه السطحية مثل الأنهار والبحيرات؛ بمعنى أن معدل الجريان السطحي فيها منخفض، بينما معدل تغذية المياه الجوفية مرتفع. وفي الواقع، المقولة الشائعة بأن فلسطين بلد جاف مائياً عبارة عن مغالطة، وبخاصة لدى الحديث عن المناطق الجبلية مثل الجليل والضفة الغربية؛ إذ أن فلسطين تعد من بلدان المشرق العربي القليلة التي تحوي كميات مستدامة من مصادر المياه المتجددة (المصدر السابق).
علاوة على ذلك، تعد منطقة الأغوار غنية بالموارد المائية الطبيعية. والجدير بالتنويه، أن معظم الحفريات الإسرائيلية لآبار المياه في الضفة الغربية، أي نحو 69% منها، تتم في الأغوار الفلسطينية. المياه المستخرجة من تلك الآبار تنقل بالكامل إلى مستعمرات الأغوار.
وبحسب تقرير منظمة "بيتسيلم" الإسرائيلية لعام 2011، خصص الاحتلال لنحو عشرة آلاف مستعمر في مستعمرات الأغوار وشمال البحر الميت ما يقارب الـ 45 مليون متر مكعب من المياه، منها 43.7 مليون متر مكعب (97%) للزراعة. 70% من تلك المياه مصدرها حفريات شركة "مكوروت"، والباقي من مصادر المياه السطحية.
في المقابل، تفيد معطيات سلطة المياه الفلسطينية، بأن كمية المياه المتاحة لسكان الضفة الغربية (أي حوالي 2.7 مليون نسمة) تقدر بنحو 150 مليون متر مكعب لجميع الاستعمالات، أي للاستهلاك المنزلي والصناعي والزراعي. أي أن حوالي عشرة آلاف مستعمر يتمتعون بنحو ثلث كمية المياه المتاحة لنحو 2.7 مليون نسمة.
وحاليا تنهب إسرائيل نحو 80% (453 مليون متر مكعب سنويا) من المياه الجوفية في الضفة الغربية (معظمها من الحوض الغربي)، لتغطية أكثر من 25% من استعمالات المياه في إسرائيل، تاركة 20% فقط (118 مليون متر مكعب سنويا) لتلبية جميع الاحتياجات المائية الفلسطينية. وبالطبع، يحرم الفلسطينيون من حقهم في استخدام ثروتهم المائية المتمثلة في نهر الأردن والتي كانوا يستخدمونها جزئيا قبل حزيران عام 1967.
وحسب مصادر هيئة المياه الإسرائيلية، يستخدم، حاليا أكثر من 4 ملايين فلسطيني في الضفة وقطاع غزة نحو 328 مليون متر مكعب سنويا من مصادرهم المائية، وذلك لتلبية الاحتياجات المنزلية والصناعية والزراعية. وفي المقابل، يستخدم نحو 6 ملايين إسرائيلي أكثر من ملياري متر مكعب من المياه سنويا. ويبلغ استهلاك الفرد الفلسطيني للمياه 83 متراً مكعباً سنويا، مقابل نحو 400 متر مكعب للفرد الإسرائيلي (في إسرائيل). أي إن استهلاك الفرد للمياه في إسرائيل أعلى بنحو 4 – 5 مرات من استهلاك الفرد الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة. وحصة الفرد الفلسطيني لا تتجاوز ربع المعدل الموصى به من قبل منظمة الصحة العالمية.
ومن أبشع الوقائع الكولونيالية في فلسطين، رؤية نحو 600 ألف مستعمر إسرائيلي في الضفة الغربية يتمتعون بوفرة غزيرة وغير محدودة من المياه. وفي المتوسط، يستهلك المستعمر الفرد نحو 9 – 10 مرات ما يستهلكه الفرد الفلسطيني.
واللافت أن إسرائيل لا تمتلك كميات كبيرة من الموارد المائية في نطاق حدود الأرض المحتلة عام 1948، وإنما تعتمد على مصادر مائية خارج هذه الحدود، وتحديدا في الضفة الغربية وحوض نهر الأردن ولبنان وسوريا. ويقدر حجم المياه المنهوبة إسرائيليا من مصادر تقع خارج نطاق الأرض المحتلة عام 1948 بنحو 1103 مليون متر مكعب سنويا، منها حوالي 453 مليون متر مكعب من أحواض الضفة الغربية، والباقي، أي نحو 650 مليون متر مكعب، من حوض نهر الأردن. وتعادل هذه الكميات ما يقارب 57% من مجمل الاستهلاك الإسرائيلي.
الوضع المائي الذي كان سائدا منذ ما قبل اتفاقيات أوسلو وحتى اليوم لم يتغير في الجوهر، بل وضعت تلك الاتفاقيات قيودا ضخمة على أية عملية تطوير لقطاع المياه الفلسطيني، وثبتّت وكرّست الهيمنة الإسرائيلية المطلقة على مصادر المياه في الضفة الغربية والتي كانت قائمة أصلا قبل الاتفاقيات. إذ أقرت تلك الاتفاقيات للاحتلال تحكمه الكامل بسقف المياه "المسموح" للفلسطينيين؛ فهو يرفض مطلقا ليس فقط "السماح" للفلسطينيين بحفر آبار مياه جديدة، بل يرفض أيضا "منح" تصاريح لترميم الآبار المتهالكة. أي أن إسرائيل تسيطر وتتحكم بشكل فعلي وكامل ومطلق بموارد المياه الفلسطينية واستخداماتها وإدارتها وتوزيعها.
خلاصة القول، تتعامل إسرائيل مع موارد المياه الفلسطينية باعتبارها مسألة أمنية استراتيجية وجودية من الدرجة الأولى. وهذا يؤكد ما قاله، في حينه، شمعون بيرس: "إن إسرائيل لن تسمح للفلسطينيين بالحصول على أية قطرة ماء إضافية من المصادر المائية التي تسيطر عليها إسرائيل حاليا".