التكنولوجيا الخضراء والاقتصاد الدائري في ألمانيا... نظرة من الداخل والدروس المستفادة
|
يقول المشهد العام في ألمانيا بأن الأخيرة تبنت سياسة ترتكز على استعمال التكنولوجيا الخضراء وبالتالي منع نشوء التلوث من المصدر. كما أن الحكومة الألمانية تعمل على التحول نحو نموذج "الاقتصاد الدائري". وقصة النجاح الأكبر لألمانيا في استعمال التكنولوجيا الخضراء تتجسد في مجال الطاقات المتجددة؛ فبواسطة الاستخدام الواسع لطواحين الهواء والخلايا الشمسية، توفر ألمانيا حاليا نحو ثلث قدرتها لإنتاج الكهرباء. ولدى مقارنتنا ألمانيا بوضعنا الفلسطيني في هذا السياق، فلا بد أن نأخذ في الاعتبار الاختلافات الكبيرة في المساحات، والسمات الاقتصادية وعامل الاحتلال الصهيوني ونهبه لمعظم الأراضي والموارد الطبيعية والمياه. لكن، رغم ذلك، فإن الفجوة الهائلة غير المبررة بين الحالتين الألمانية والفلسطينية تبرز تحديدا في مجال الطاقات المتجددة. فبالرغم من الإمكانات الكبيرة الكامنة في استغلال الطاقة الشمسية في بلادنا والبعد الاقتصادي-السياسي الذي يتضمنه هذا الاستغلال من حيث التحرر من التبعية للاحتلال في الطاقة، إلا أن الكهرباء الفلسطينية المنتجة حاليا من الطاقات المتجددة هامشية جدا.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
 |
| الخلايا الشمسية لتوليد الكهرباء تنتشر في ولاية ساكسونيا السفلى بألمانيا |
حالفني الحظ، خلال رحلتي العائلية الأخيرة إلى ألمانيا، بأن أزور مدينة "لايبزيغ" (Leipzig) الواقعة في ولاية ساكسونيا شرق ألمانيا والتي يبلغ عدد سكانها نحو نصف مليون نسمة. على سطح مبنى مرتفع تابع لمعهد "هلمهولتس" في نفس المدينة، والمختص بالأبحاث البيئية، نرى بوضوح مصنعًا ضخما لشركة "بي. إم دبليو" (B.M.W.) حيث يتم إنتاج سيارات كهربائية لا ينبعث منها تلوث أثناء حركتها. بمحاذاة المصنع تعمل طواحين الهواء التي تنتج طاقة نظيفة. معهد الأبحاث ذاته يساهم أيضا في المجهود البيئي؛ فجدران المبنى الممتدة من السطح وحتى الطابق الأرضي مغطاة بألواح الخلايا الشمسية التي تنتج الكهرباء من الطاقة الشمسية.
ترمز هذه البنية التحتية البيئية المثيرة للإعجاب إلى المكانة المرموقة التي تحتلها ألمانيا في طليعة الدول المتقدمة التي أعلنت التزامها بالنمو الاقتصادي الذي لا يأتي على حساب البيئة، وبخاصة من خلال استخدام التكنولوجيا الخضراء. لكن، رغم ذلك، فإن الواقع أكثر تعقيدا، إذ أن ألمانيا تواصل استهلاك موارد بيئية كثيرة كي تحافظ على اقتصادها والمستوى المرتفع لاستهلاك مواطنيها.
يقول المشهد العام في ألمانيا بأن الأخيرة تبنت سياسة ترتكز على استعمال التكنولوجيا الخضراء وبالتالي منع نشوء التلوث من المصدر؛ ما يعتبر تحولا من السياسة السابقة القائمة على معالجة التلوث الناتج عن منشآتها ومصانعها ومركباتها. الحكومة الألمانية تعمل على التحول نحو نموذج "الاقتصاد الدائري" (circular economy) الذي يتميز بعدم خروج الموارد التي تم استهلاكها من دائرة الاستعمال. فبدلا من أن تتحول تلك الموارد إلى ملوثات للبيئة، يعاد استعمالها كمواد خام، أو تستخدم، من بين أمور أخرى، لإنتاج الطاقة. كما أن تصميم المنتجات آخذ في التغير؛ إذ يفترض به أن يكون أكثر توفيرا (للطاقة) وأن يطيل عمر المنتج. وفي المحصلة، من خلال هذا التوجه، توفر الصناعة كميات المواد الخام والطاقة والمياه المستخدمة، بالإضافة لتقليص التكلفة في وسائل معالجة التلوث.
ومن المعروف أن ألمانيا تحترم مهندسيها الذين يمتازون بابتكار حلول للعديد من المشاكل الفنية والتقنية. اللافت أن التشريع والسياسة يساهمان في التحرك الألماني بهذا الاتجاه البيئي الجديد. فعلى سبيل المثال، منذ نحو عشر سنوات، يمنع دفن النفايات المختلطة التي لم يتم فرزها لأغراض الفصل. وقد أجبر هذا المنع الجهات العاملة في مجال التخلص من النفايات، بأن تطور طرقا جديدة لتدوير النفايات أو استغلالها لإنتاج الطاقة. وقد شكل القرار الحكومي الألماني بإغلاق المفاعلات النووية المنتجة للكهرباء، محفزا لتطوير منشآت بديلة لإنتاج الكهرباء من طاقة الرياح والشمس.

الزراعات الإيكولوجية في منطقة مدينة أوزنبروخ في ولاية ساكسونيا السفلى بألمانيا
الاقتصاد الدائري في ألمانيا
في إحدى محطاتها الكبيرة لمعالجة مياه الصرف الصحي في مدينة برلين، استفادت شركة المياه والصرف الصحي بالمدينة من التكنولوجيا الخضراء لإنتاج السماد. المنشأة المتطورة في المحطة تستخرج الفسفور المتراكم في حمأة المياه العادمة (الحمأة عبارة عن النفايات الصلبة الناجمة عن معالجة مياه المجاري)، ومن ثم تتم معالجته وتحويله إلى سماد زراعي. متبقيات الحمأة تنقل إلى منشأة أخرى خاصة حيث يتم حرقها لإنتاج الكهرباء. كما أن الغاز الطبيعي الناتج خلال عملية معالجة الحمأة، يستخدم لإنتاج نصف كمية الكهرباء التي تستهلكها محطة تنقية مياه الصرف الصحي. وهنا لا بد من التنويه إلى أن الألمان إجمالا، لا يحبذون استعمال الحمأة المعالجة كسماد زراعي، وذلك بسبب وجود احتمال كبير بأن تحوي الحمأة المعالجة متبقيات جراثيم الأمراض وبيوض الديدان المعوية الضارة. وتبين الأدبيات بعض حالات التسمم الناتجة من استعمال الحمأة المعالجة. وفي جميع الأحوال، يمنع في الزراعات البيئية والعضوية استخدام الحمأة لأغراض التسميد.
وفي ناحية أخرى من مدينة برلين، وتحديدا بمحاذاة حي سكني، توجد منشأة لمعالجة النفايات التابعة لمجموعة "ألبا" التي تعتبر من أكبر شركات التدوير في العالم. يقول العاملون في المنشأة بأنهم ينتجون "فحما أخضر" من النفايات المختلطة التي لا تنقل للتدوير. تمر النفايات عمليات فرز ومعالجة، إلى أن تتحول في النهاية إلى حبيبات تحل مكان الفحم وبالتالي تقلل انبعاث الملوثات وغازات الدفيئة. المقصود هنا التكنولوجيا المعروفة بـ RDF أي الوقود الذي مصدره النفايات. التدابير الخاصة المتبعة لتحييد الروائح الكريهة سمحت بإقامة المنشأة في مكان غير بعيد عن المساكن في المنطقة.

المبنى التاريخي لبلدية مدينة هامبورغ في ألمانيا
تعمل في منطقة "لايبزيغ" مجموعات من العلماء (من معهد "هلمهولتس") في مجال بحثي يعرف بـ"تحرير المعادن" (Mineral Liberation). ليس المقصود هنا تنظيما سياسيا لتحرير المعادن، كما يمكن أن يفهم من الإسم، بل عملية استخراج المعادن من أكوام مواد المحاجر التي استخرجت في الماضي ولم تستخدم. لقد طور العلماء سلسلة من التقنيات التي تحدد المعادن النادرة ومرتفعة الثمن في داخل مواد المحاجر. فعلى سبيل المثال، يستحيل تطوير شاشات للهواتف النقالة من دون هذه المعادن.
قصة النجاح الأكبر لألمانيا في استعمال التكنولوجيا الخضراء تتجسد في مجال الطاقات المتجددة؛ فبواسطة الاستخدام الواسع لطواحين الهواء والخلايا الشمسية، توفر ألمانيا حاليا نحو ثلث قدرتها لإنتاج الكهرباء، وذلك من خلال استخدام أحدث التكنولوجيات لضمان أفضل استغلال لمصادر الطاقة وشبكها الفعال بشبكة النقل الكهربائي الوطنية.
الحكومة الألمانية التي تفتخر بهذه الإنجازات، نشرت مؤخرا -في إطار سلسلة الأدلة السياحية التي تصدرها دار النشر التاريخية "بدكر"- نشرت كتابا مخصصا للمسارات السياحية في مواقع الطاقات المتجددة في جميع أنحاء ألمانيا. ففي مدينة برلين أبحرت وأسرتي في نهر "شبريه" الذي يخترق وسط المدينة التاريخي، في قارب يتحرك بواسطة الخلايا الشمسية. الجدير بالتنويه أن في ألمانيا توجد حاليا قريتان تتزودان من المصادر المتجددة بجميع احتياجاتهما من الطاقة، الأمر الذي يعزز بالطبع اقتصاديات المناطق الريفية.
وهنا لا بد من التذكير بالدمار الهائل الذي أصاب مدينة برلين خلال "الحرب العالمية الثانية"؛ إذ دمر القصف العسكري لدول الحلفاء نحو 70% من المدينة الجميلة والضخمة، فنتج عن هذا الدمار حوالي 75 مليون متر مكعب من الركام. وتكرر هذا المشهد من الدمار في مدن ألمانية كبيرة أخرى مثل هامبورغ؛ بل إن مدينة درسدن دمرت بالكامل، فأعيد بناؤها بعد الحرب حجرا حجرا خلال فترة قصيرة. إذن، نهضت ألمانيا، إثر الحرب، من تحت الركام وأعادت بناء ما دمر خلال فترة قياسية (وإلى حد ما أيضا بفضل خطة مارشال الضخمة)، وانطلقت في إعادة بناء مبانيها التراثية والتاريخية وكنائسها وكاتدرائياتها الجميلة، إضافة لاقتصادها الذي يعد حاليا الأقوى في الاتحاد الأوروبي، والرابع عالميا (من حيث إجمالي الناتج المحلي).

المركز التجاري الضخم في مدينة برلين والمعروف بـ KADEWE
ومن المثير حقا معرفة أن الزراعة في ألمانيا تمثل نحو 1% فقط من إجمالي الناتج المحلي، ويعمل فيها نحو 2.5% فقط من السكان؛ وفي المقابل، تحتل الصناعة نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي، كما أن حوالي 30% من قوة العمل تعمل أيضا في الصناعة. رغم ذلك، فإن الإنتاج الزراعي المحلي يغطي نحو 90% من الاحتياجات الغذائية في ألمانيا، بل إن الأخيرة تعتبر ثالث أكبر دول الاتحاد الأوروبي إنتاجا للسلع الزراعية (بعد إيطاليا وفرنسا). كما أن الزراعات البيئية والعضوية في ألمانيا قطعت شوطا مميزا في السنوات الأخيرة؛ إذ توجد نحو 25 ألف حيازة زراعية عضوية (نحو 9% من إجمالي الحيازات) تزرع نحو 11 مليون دونم (حوالي 7% من إجمالي الأراضي المزروعة). بل إن مساحات كبيرة إضافية أخرى غير مسجلة رسميا تزرع فيها المحاصيل وتربى الحيوانات وفقا لأنماط الزراعة العضوية والبيئية، لكن دون رقابة ومتابعة رسمية من قبل المؤسسات الرسمية وغير الرسمية المختصة.
والمثير أن ثلث مساحة ألمانيا مغطاة بالغابات، بل إن مساحة الغابات تتجاوز 40% في بعض الولايات الألمانية، وذلك رغم المستوى المتقدم جدا للصناعة، ورغم الازدحام السكاني، إذ تعتبر ألمانيا الأكبر من الناحية السكانية في دول الاتحاد الأوروبي (نحو 82 مليون نسمة).

طواحين الرياح تنتشر في مختلف الأنحاء بين المدن الألمانية
معضلة أنماط الاستهلاك
من منظور نقدي موضوعي، يمكننا إثارة تساؤلات حول مدى نجاح نموذج النمو الذي تروج له الحكومة الألمانية. فمؤخرا، نشرت مؤسسة "فريدريخ إيبرت"- التي تعمل في مجال السياسات الاقتصادية والسياسية- نشرت تقريرا يحلل إنجازات الاقتصاد الدائري في ألمانيا. ويشير التقرير إلى أن ثلث النفايات المعاد تدويرها فقط تتحول إلى مادة خام ثانوية في قطاع الصناعة. أما النفايات المتبقية فتتحول، في نهاية المطاف، إلى نفايات عادية مرة أخرى. كما تبين بأن 1% فقط من النفايات الإلكترونية (التي مصدرها الأدوات الكهربائية المختلفة) يعاد استعمالها. لكن في المقابل، طور الألمان منشآت لحرق النفايات طاقتها الاستيعابية كبيرة جدا، ما جعلهم يستوردون نفايات من بلدان أخرى.
واللافت أن استهلاك اللحوم للفرد في ألمانيا لا يزال مرتفعا جدا، ويقدر بنحو 88 كغم للفرد سنويا بالمتوسط. وللتدليل على الحجم المرتفع جدا لاستهلاك اللحوم، نذكر هنا المركز التجاري الضخم (المول) في مدينة برلين والمعروف ب"ـKADEWE"، إذ يختص الطابق السادس الرحب جدا باللحوم والأجبان، ويتضمن نحو ألفي نوع مختلف من اللحوم وألف نوع مختلف من الأجبان! إذن، التكنولوجيا الخضراء يمكنها اجتراح حلول للكثير من المشاكل وليس جميعها، إلا أن الاستهلاك الضخم للحوم ليس مشكلة تكنولوجية، بل مشكلة نمط حياة.
من ناحية أخرى، اتضح بأنه على الرغم من التقليص الحاصل في استخدام المواد الخام محليًا، إلا أن استيراد المواد من الخارج لا يزال مرتفعا. فعلى سبيل المثال، نصيب الفرد في ألمانيا من استهلاك المعادن المستوردة حوالي 1.5 طن سنويا. وكما الحال في سائر أنحاء العالم، يواصل الألمان شراء سلع إلكترونية عمرها الافتراضي أقصر من ذي قبل. ووفقا لبيانات الحكومة الألمانية طرأت زيادة طفيفة في السنوات الأخيرة على استعمال المعادن في الصناعة؛ إذ يتم استيراد جزء كبيرٍ منها بسعر مرتفع، وهذا هو أحد الأسباب التي تجعل جهود البحث والتطوير في ألمانيا تستهدف إنتاج مواد مثل المعادن الثمينة من فائض مخلفات المعادن المحلية.
لكن، يجب أن نتنبه أيضا إلى أن ألمانيا في السنوات الأخيرة شهدت تحسنا ملموسا في عمليات معالجة الموارد المائية؛ إذ هبط استهلاك المياه للفرد، خلال العقود الثلاثة الأخيرة، بنسبة 16%. العوامل الرئيسية لذلك تكمن في إدخال وسائل لترشيد استهلاك المياه في المنازل ورفع أسعارها. ومع ذلك، أصبح من الواضح بأن إنقاذ الأنهار والبحيرات هو أكثر تعقيدا. لقد طرأ على نصف تلك التجمعات المائية تغيرات لا رجعة فيها (يتعذر إلغاؤها) بسبب الصرف الصحي والسدود.

كاتدرائية برلين
اللافت أيضا أن ألمانيا نجحت خلال العقد الأخير في الحفاظ على مقدار نمو إجمالي الناتج المحلي (GDP) بمعدل متوسط مقداره أكثر من 1% سنويا. وفي المقابل خفضت التأثير البيئي لهذا النمو؛ إذ انخفضت انبعاثات غازات الدفيئة بمقدار 27%، كما انخفض استخدام المواد الخام في الصناعة بمقدار 13%. الصناعة الألمانية زادت قدرتها التنافسية لأنها أصبحت تستثمر أقل في شراء المواد الخام التي تستغلها بطريقة موفرة أكثر أو تعيد تدويرها. ويبلغ حاليا حجم الأعمال السنوي لصناعة التكنولوجيا الخضراء بنحو 300 مليار يورو
وفي الإجمال، تمكنت السياسة الحكومية الألمانية من تسجيل العديد من الإنجازات البيئية، وبالطبع بإمكانها تحقيق المزيد. ومن السهولة بمكان القول دائما بأن تغيير العادات الاستهلاكية هي الضمانة الأهم لترسيخ أنماط سلوك بيئية. لكن، وكما اتضح في ألمانيا تحديدا، فإن إستراتيجية إقناع الناس بتغيير عاداتها لم تنجح؛ إذ أن السياسة الحكومية المركزية الشاملة هي التي يمكن أن تحدث التغيير الحقيقي. والأهم من ذلك، أن العادات الاستهلاكية مرتبطة ارتباطا وثيقا بأساليب وعلاقات الإنتاج؛ إذ أن التنمية الاقتصادية في ألمانيا، كما الحال في سائر المجتمعات الرأسمالية الغربية، ترتكز على اقتصاد السوق وما يعنيه من مراكمة أكبر قدر ممكن من الانتاج وبالتالي أعلى مستوى ممكن من رأس المال والأرباح، وما يترتب على ذلك من محفزات للنزعات الاستهلاكية والفردانية تحول الإنسان من كائن اجتماعي إلى كائن اقتصادي يركض خلف مصالحه المادية الفردية وإشباع رغباته الاستهلاكية.

معهد هلمهولتس الألماني المختص بالأبحاث البيئية
هل تجوز المقارنة بين النموذج الألماني والحالة الفلسطينية؟
ينظر العديد من الناس إلى دولة ألمانيا باعتبارها النموذج الصحيح لسياسة الحفاظ على البيئة وإدارة الموارد الطبيعية. ولدى مقارنتنا ألمانيا بوضعنا الفلسطيني في هذا السياق، فلا بد أن نأخذ في الاعتبار الاختلافات الكبيرة في المساحات، والسمات الاقتصادية والمعطيات المادية المتوافرة، مثل المناخ وكميات المياه. والأهم من ذلك عامل الاحتلال الصهيوني ونهبه لمعظم الأراضي والموارد الطبيعية والمياه.
لكن، رغم ذلك، فإن الفجوة الهائلة (ربما غير المبررة) بين الحالتين الألمانية والفلسطينية تبرز تحديدا في مجال الطاقات المتجددة. فبالرغم من الإمكانات الكبيرة الكامنة في استغلال الطاقة الشمسية في بلادنا التي تسطع فيها أشعة الشمس معظم أيام السنة، والبعد الاقتصادي-السياسي الوطني الذي يتضمنه هذا الاستغلال من حيث التحرر من تبعيتنا للاحتلال في الطاقة، إلا أن الكهرباء المنتجة حاليا من الطاقات المتجددة في الضفة الغربية وقطاع غزة هامشية جدا (لا تتجاوز 1% من إجمالي الاستهلاك)، علما أن قدرتنا الإنتاجية الكامنة للكهرباء من المصادر المتجددة عظيمة، وذلك بالمقارنة مع عشرات بالمائة من الكهرباء التي تنتجها ألمانيا من مصادر الشمس والرياح، آخذين في الاعتبار أن أشعة الشمس في ألمانيا لا تكون ساطعة معظم أيام السنة. صحيح أن محدودية المساحات تعيق إقامة منشآت كبيرة لإنتاج الطاقة من المصادر المتجددة، إلا أن العديد من الخلايا الشمسية يمكن تثبيتها على أسطح المباني وجدرانها.
وفي مجال التدوير يمكننا أيضا تعلم الكثير من الخبرات الألمانية، وبخاصة في ما يتعلق بتشريع القوانين الخاصة بتدوير النفايات، مثل التغليف، الإطارات المطاطية، عبوات المشروبات والنفايات الإلكترونية، وفرض رسوم على الأكياس البلاستيكية. وأيضا إقامة منشآت لتوليد الوقود والطاقة من النفايات. وحتى إشعار آخر، سنبقى نرسل معظم نفاياتنا إلى مكبات الطمر، بدلا من تدويرها أو إنتاج الطاقة منها.