أريحا- عمّان: مشاهد خضراء وتضاريس ملوّنة...
خاص بآفاق البيئة والتنمية
التنقل بين ضفتي نهر الأردن ليس باليسير، فبالرغم من المسافة القصيرة، والتضاريس المتطابقة إلا أن الحدود لها رأي مغاير.
اليوم هو التاسع عشر من أيار، وهو بلغة المناخ النصف الثاني من الربيع، الأجواء صيفية معتدلة على مشارف مدينة القمر، وحتى على جنبات البحر الميت، بخلاف موجات حر متطرفة ومتلاحقة ضربت بقسوة ربيعنا القصير هذا العام.
تسأل جارك المؤقت، وأستاذ الجغرافيا المتقاعد أبو هاني: هل هذا هو ربيع فلسطين الذي نشتاق إليه، ودرسنا عنه في مناهجنا؟ وهل عشتم في شبابكم وصباكم حالات مشابهة لما نشهده اليوم: حر، فاعتدال، فطقس ملتهب يفوق المعدل بأكثر من 10 درجات، ثم مطر...؟
الأغوار من الجهة الأردنية
زحف أصفر
يأتي الرد: كل شيء يتغير من حولنا، الأجواء الحالية غريبة عجيبة ومزاجية، وليس الطقس وحده الذي يتراجع ويتصحر، الصحراء تزحف لكل شيء في حياتنا، والأهم عمرنا وصحتنا وحتى شعر الرأس إما أن يغزوه الشيب أو يهدده الصلع.
تختار حافلة عامة بسبعة عشر راكبًا لغير سبب، فهي تلتزم بوقت المغادرة المحدد بمن حضر، ويُشعل سائقها جهاز التكييف دون ذرائع إن استدعى الأمر ذلك، بخلاف ما يفعله كثيرون من سائقي الحافلات الصغيرة.
يسيطر النعاس على الغالبية من رفاق الطريق، والقلة المتبقية في يقظتها تختار إرسال مكالمات من هواتفها المتحركة، تخبرهم بالمكان الذي بلغناه، وتعدهم بهدية من "السوق الحرة" هي في الغالب غير صديقة للصحة: سجائر ومعسّل.
تبدو الجبال التي تسبق أريحا مزينة بقبعات بيض شكلتها سحب أيار الجميلة، ويبدو حضور الغيم بعد موجة حر عنيفة في وقته، وكأنها لوحة. توثق بعينك وبعدستك مشاهد الهبوط نحو قعر الأرض بالرغم من الزجاح محكم الإغلاق، وعلى حواف الطريق ينشط فلاحون في جمع بقايا محصول الخيار الربيعي، وتبدو مساحات أخرى فارغة بانتظار موسم جديد. المشترك بين المزارعين أنهم يحرسون الأرض ويعانون غالباً تحت الشمس، فيما تشهد الأسعار تذبذباً يميل عادة إلى الانخفاض الحاد.
نترك النصارية والجفلتك وبينهما حاجز "الحمرا"، وتلتصق بذاكرتك أشجار السدر والطيور الفرحة بزينة السماء البيضاء، وبالتدريج نقترب من شارع رقم (90) الذي يجمع بين بيسان وأريحا، وعلى طرفيه حقول ومستوطنات زراعية للنخيل والعنب والخضروات، وطيور بلا قيود.
تبدو مشارف أريحا هادئة، ولولا اليافطات العبرية التي تشير لمعالم الطريق والأجسام الاستيطانية الطارئة على أرضنا لتخيل المار أنه في بلاد حرة، وبخاصة مع قلة المركبات المارة من الشارع، على غير العادة.
قمر ونفايات!
|
كمؤشرات على فرادة أريحا ومناخها الجاف، يكفي أن تشاهد أشجار السدر والقصف، وأشواكاً من عائلة مناخ التداخل السوداني، وتتخيل أن تربة المدينة قد سرقت الشمس لونها، فتحولت إلى أصفر يعجز عن الاحتماء من الأشعة الحارقة معظم أيام السنة.
|
تُسابق أريحا التاريخ، ويحق لها أن تتفاخر بالقمر الذي اختطفت اسمه، ولولا نفايات عشوائية وبقايا أنقاض ملقاة قرب مدخلها الرئيس، ودخان لحرق متبقيات محاصيل وبلاستيك في مزرعة مجاورة لسار كل شيء بهدوء.
قبل أريحا، يمتد شريان نبع العوجا من تل علوي يهبط قرب أشجار سدر، ويمنح بعض الأعشاب خضرة، وتتزين متاجر العوجا بتحف وفخار، لكن الكتابة العبرية التي تغزو لافتات بعض المتاجر بشكل اختياري تقطع التأمل بالطبيعة وتنقل السائر إلى شأن آخر، حول العلاقة بالمحتل واستعمال لغته طواعية.
تتذكر قبل الوصل إلى قلب أريحا شجرة الجميز ذائعة الصيت، وتعود إلى ذاكرتك المدرسية القديمة بأن المدينة الحارة هي الأشهر في موزها، فتفتش عن أشجار الموز دون أن ترى غير حيازات قليلة تدخّل النخيل الباسق لقلب معادلتها، أما الخشية الدائمة في كل حل وترحال من المدينة وإليها فهو ذبابة أريحا (اللشمانيا) التي تترك وجعاً مستدامًا في جلد ضحيتها.
كمؤشرات على فرادة أريحا ومناخها الجاف، يكفي أن تشاهد أشجار السدر والقصف، وأشواكاً من عائلة مناخ التداخل السوداني، وتتخيل أن تربة المدينة قد سرقت الشمس لونها، فتحولت إلى أصفر يعجز عن الاحتماء من الأشعة الحارقة معظم أيام السنة.
الغور الفلسطيني
ذل وكرامة
|
نغادر جسر اللنبي ( ومعبر الكرامة كما نسميه نحن بخلاف الكرامة التي نخسرها فيه)، ونشاهد الحرص المزعوم لسلطات الاحتلال على البيئة، عبر نشر قائمة المنتجات والسلع المحظور إدخالها في طريق الإياب: الخضروات والفاكهة، والمواد الزراعية، والفسائل، والحيوانات، والطيور، وفي أسفل الإعلان تلويح بالغرامة. نمر بمراحل إذلال وتفتيش وعرقلة، ثم نخرج قاصدين وجهتنا التالية.
|
نتخلى عن الحافلة، ونهبط إلى الاستراحة، ليتنافس علينا عمال الأمتعة، كل واحد يريد أن تختاره هو، والإكرامية حسب تقديرك. لا يحبذ هؤلاء أي مسافر يخدم نفسه بنفسه، أو المُتنقل دون أمتعة. ندفع ضريبة المغادرة، ونشتري تذاكر الحافلة والأمتعة، الغريب أن كل معابر حدود الدنيا لا تمنح لشركة تجارية بعينها كما هنا، فالشركة ذات اللون الخمري تحصل على حق حصري لتشغيل حافلاتها منذ أمد وإلى إشعار آخر. كمثال على الاحتكار، يكفي أن تدفع (23 شيقلاً) لمسافة (ثلاثة كيلو مترات تقريبًا). حديث الساعة هنا، إلغاء محطة عبدو، واستلام الحقائب مباشرة في الجسر الأردني، والانخفاض في درجات الحرارة، وعدم وجود اكتظاظ في حركة المغادرين.
نغادر جسر اللنبي ( ومعبر الكرامة كما نسميه نحن بخلاف الكرامة التي نخسرها فيه)، ونشاهد الحرص المزعوم لسلطات الاحتلال على البيئة، عبر نشر قائمة المنتجات والسلع المحظور إدخالها في طريق الإياب: الخضروات والفاكهة، والمواد الزراعية، والفسائل، والحيوانات، والطيور، وفي أسفل الإعلان تلويح بالغرامة. نمر بمراحل إذلال وتفتيش وعرقلة، ثم نخرج قاصدين وجهتنا التالية.
بعض الحقول وسط مدينة عمان لا تزال تقاوم الزحف الاسمنتي
تاريخ من ماء
|
واستنادًا لمواقع جغرافية أردنية ولمشروع البحر الميت الإلكتروني، فحتى خمسينيات القرن الماضي، "كان التدفق السنوي للنهر 1320 مليون مترًا مكعبًا. أما اليوم لا يصل سوى 50 مليون متر مكعب من المياه العالية الملوحة والفاسدة النوعية إلى البحر الميت كمياه سطحية؛ نتيجة تحويل إسرائيل الأحادي الجانب لمياه نهر الأردن إلى النقب ومشاريع التحويل الأخرى. كل هذا وسط تقلص مستوى البحر الميت، جراء الانخفاض المستمر للمياه الواردة من نهر الأردن، وزيادة استخدام مصادر أخرى مثل الينابيع الطبيعية، التي تغذي مياهه. وكدليل على هذا التدهور، تقلصت مساحة سطح البحر الميت بنحو 30% تقريباً في العشرين سنة الماضية، ما يعادل انخفاض منسوب المياه متراً واحداً في السنة."
|
نجتاز نهر الأردن، ونستذكر ما يعلق بذاكرتنا حوله، فهو كما قيل عنه "به الكثير من التاريخ والقليل من الماء". الصور السريعة التي تسكنك فوق الجسر الإسمنتي، المتغير من الخشب إلى المعدن... النزوح سنة النكسة، والعجوز منحية الظهر ومنكسرة الإرادة بعد ضياع ما تبقى من وطنها.
ووفق الجغرافيا والتاريخ، عرف النهر منذ القدم باسم نهر الأردن، ومعنى الأردن المياه سريعة التدفق وفق اللغة اليونانية القديمة. فيما شهدت حوافه منازلات كمعركة اليرموك بين الروم والمسلمين، والكرامة عام 1968، ولا زال وجهة للباحثين عن مغطس السيد المسيح.
تنمو باستحياء حشاش وشجيرات على ضفاف النهر، وتبان الأسلاك الشائكة وحقول الألغام، فيما تحاط الجبال البعيدة شرقاً وغرًبا بغور رملي، وتنشط مشروعات اقتصادية ومرافق سياحية متواضعة بجوار مراكز ونقاط أمنية للجيش الأردني.
والنهر يمتد على مسافة 360 كيلو مترًا، ويرفده الحاصباني من لبنان، والدان الآتي من شمال فلسطين، وبانياس القادم من سوريا، وتصب فيه روافد: اليرموك، والزرقاء، ووادي كفرنجة، ويفصل النهر بين فلسطين الأردن ويصب في البحر الميت.
واستنادًا لمواقع جغرافية أردنية ولمشروع البحر الميت الإلكتروني، فحتى خمسينيات القرن الماضي، "كان التدفق السنوي للنهر 1320 مليون مترًا مكعبًا. أما اليوم لا يصل سوى 50 مليون متر مكعب من المياه العالية الملوحة والفاسدة النوعية إلى البحر الميت كمياه سطحية؛ نتيجة تحويل إسرائيل الأحادي الجانب لمياه نهر الأردن إلى النقب ومشاريع التحويل الأخرى. كل هذا وسط تقلص مستوى البحر الميت، جراء الانخفاض المستمر للمياه الواردة من نهر الأردن، وزيادة استخدام مصادر أخرى مثل الينابيع الطبيعية، التي تغذي مياهه. وكدليل على هذا التدهور، تقلصت مساحة سطح البحر الميت بنحو 30% تقريباً في العشرين سنة الماضية، ما يعادل انخفاض منسوب المياه متراً واحداً في السنة."
شريان وجفاف
بالعين المجردة يبدو شريان نهر الأردن مصابًا بالجفاف، شحيحًا في تدفقه بفعل نهب الاحتلال له، وتجفيف منابعه، قاتمًا في لونه، تسطو عليه الشمس كل حين، لتفقده المزيد من قليله، وبإزاحة العين إلى ضفتيه يجد الناظر أنهما كالرئتين لجسم واحد، وقلب مشطور توحده الحشائش والشجيرات ولون التراب والتضاريس.
بعيدًا عن جسر الملك حسين، ينشط فلاحون في الشونة في جمع محاصيلهم، وينقل الغورويون البندورة والشمام والموز والبطيخ إلى قلب الأردن، واللافت أن أصحاب المركبات يتفاخرون باسمها (ديانا) ويسرفون في تزيينها وزركشتها، كما يفيد سائقنا.
لا حاجة في النصف الثاني من أيار لمكيف الهواء، فقد انتصف النهار وبالكاد وصلت الحرارة إلى 30 مئوية في جوف الشونة، ومع الصعود التدريجي للجبال نحو العاصمة، تبدأ نسائم الهواء بالجريان، أما البحر الميت والعقبة فتطيل يافطات زرقاء التعريف باتجاهاتها والمسافات الفاصلة عنها، يقول السائق أحمد عبادي: الأردن يشبه البيت تماماً، ففي جهته الغربية الهواء، وفي الطابق الأرضي الغور الحار، أما المخزن والقبو فهو البحر الميت، ولك أن تتنقل حسب ظروف العام بين أركان منزلك، وإن ضاقت بك الدنيا أخرج إلى السطح الذي يشبه نسيم عجلون العليل.
عمان
حال العاصمة
|
تشبه عمان رام الله والخليل في غير وجه: الجبال مزينة بالمباني المرتفعة، فيما لا تزال بعض الحقول وسط العاصمة تقاوم الزحف الأسمنتي، فيغرسها أصحابها بمحاصيل بلدية كالفقوس والشمام، ومع كل سنة إضافية يهدد المد العمراني المزيد من البقاع الخضراء الصغيرة.كمثال، تشاهد قبل ثلاث سنوات وسط أكثر حي من أحياء عمان عمال يحصدون القمح ويستغنون عن قشوره عبر درّاسة ( آلة تفصل الحب عن القشور)، وهذا العام تشاهد حقول الفقوس ليس ببعيدٍ عن الجبيهة، وعند حواف تلاع العلي وفي الطريق من العاصمة نحو جسر الملك حسين، أما مرج الحمام فقد تفشى في أركان كثيرة منه الاسمنت، تماماً كما يحدث في مرج ابن عامر في الضفة الغربية للنهر.
|
لك مع عمّان ألف حكاية، فهي العاصمة التي تجعلك تشعر وكأنك في بيتك، لا إحساس بالغربة، والعلاقة الروحية مع فلسطين تطغى على كل حديث. قديمًا، كان والدي يقول "عمان مقامة فوق سبعة جبال" أما اليوم فتبدل حال العاصمة، ونشأت قبل عقود أحياء جديدة، وأفل عصر عمان القديمة، لصالح أحياء غربية راقية، فيما تشهد المدينة نهضة عمرانية لافتة.
وتتذكر كيف كنا تنتظر ثلج صويلح، وفوضى شارع الجامعة الذي يدب فيه الروح، ونطرب على عزف أصوات الباعة في البلدة القديمة، وتدفق السيارات باتجاه جبل عمان والحسين والقصور، والزحام في العبدلي، وأم السماق، وخلدا.
تشبه عمان رام الله والخليل في غير وجه: الجبال مزينة بالمباني المرتفعة، فيما لا تزال بعض الحقول وسط العاصمة تقاوم الزحف الأسمنتي، فيغرسها أصحابها بمحاصيل بلدية كالفقوس والشمام، ومع كل سنة إضافية يهدد المد العمراني المزيد من البقاع الخضراء الصغيرة.
كمثال، تشاهد قبل ثلاث سنوات وسط أكثر حي من أحياء عمان عمال يحصدون القمح ويستغنون عن قشوره عبر درّاسة ( آلة تفصل الحب عن القشور)، وهذا العام تشاهد حقول الفقوس ليس ببعيدٍ عن الجبيهة، وعند حواف تلاع العلي وفي الطريق من العاصمة نحو جسر الملك حسين، أما مرج الحمام فقد تفشى في أركان كثيرة منه الاسمنت، تماماً كما يحدث في مرج ابن عامر في الضفة الغربية للنهر.
إجراءات خضراء
يتحدث العمّانيون عن أمين عام عاصمتهم السياسي عقل بلتاجي، الذي عيّن في أيلول 2013، وشرع في حملات لتنظيف عمان وتجميلها. يقول علي غانم، الذي يعمل مديراً عامًا لشركة تجارية، إن الأمين العام الجديد يهتم بالبيئة كثيرًا، حتى تحولت عمان إلى عاصمة جميلة وخضراء، وهذا ينطبق على كل الأحياء، وليس فقط الراقية منها.
انقلبت أجواء عمان في الثاني والعشرين من أيار، فغطت الغيوم أفق العاصمة، وبدأت سحب ممطرة بإفراغ حمولتها على أجزاء من عمان والأردن عمومًا، كحال فلسطين. تحاور البائع الشاب في سوق وسط حي أبو نصير، شمال العاصمة، فيقول مجدي: الأجواء جميلة، وتذكرنا بأوروبا، ونعيش تقلبات حادة نعجز أحيانًا عن فهمها، فالطقس مثل البورصة ينخفض ويرتفع بسرعة كبيرة، وهذا يسبب لنا التعب والأمراض.
تنشط آليات "أمانة العاصمة" في حي طبربور لإزالة أكشاك عشوائية قرب مبنى الجوازات، فيما يعبّر سائقون مراجعون للمبنى عن تأييدهم للخطوة، ويتمنون أن تبقى المدينة مرتبة وجميلة، وأن يحافظ الزائرون والمقيمون على نظافتها.
نغادر عمان، ونقرأ حديثًا عن مرتفع جوي وشيك، يبدد غيوم أيار اللطيفة، ونتمنى أن تتصدر البيئة اهتمامات السياسيين والعاديين، فهي قضية الحياة برمتها.
aabdkh@yahoo.com