خاص بآفاق البيئة والتنمية
يعد النشاط البشري العامل الأساسي في ارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية. هذا ما أكدته لأول مرة، وباحتمالية مرتفعة جدا، "اللجنة بين الحكومية الخاصة بتغير المناخ" (IPCC) التي فازت بجائزة نوبل عام 2007 وتضم في عضويتها مئات العلماء؛ وذلك في مسودة تقريرها (التابع للأمم المتحدة) حول المناخ، والذي سينشر قريبا.
ويحذر الباحثون من أن سطح البحر سيرتفع أكثر من متر واحد في نهاية القرن الحالي؛ إذا ما إذا استمرت انبعاثات غازات الدفيئة بالوتيرة غير المنضبطة القائمة حاليا. وكتبوا بأن الاحتمالية مرتفعة جدا بأن يكون العنصر البشري قد تسبب بأكثر من نصف مقدار الارتفاع في متوسط درجة حرارة سطح الأرض التي سجلت خلال السنوات 1951-2010. وقالوا: "ربما تسبب ذلك في ارتفاع درجة حرارة المحيطات وذوبان الجليد والثلج، وزيادة متوسط ارتفاع مستوى سطح البحر في العالم، وتغيير جذري في ملامح المناخ في النصف الثاني من القرن العشرين".
تسخين بطيء أم غليان سريع؟
اللجنة الأممية لا تجري الدراسات الخاصة بها، بل تعكف كل بضع سنوات على تقييم وتلخيص الأوراق والأبحاث العلمية التي صدرت في مجال تغير المناخ. وتعتبر خلاصة أعمالها بمثابة التقييم الأكثر شمولا للمخاطر الكامنة في تغير المناخ، وهي تؤثر في السياسات الحكومية في جميع أنحاء العالم. واستنادا إليها فإنها تستثمر مئات المليارات من الدولارات في تدابير تهدف إلى تقليل انبعاث غازات الدفيئة. ولا يعلق الباحثون أهمية كبيرة على التباطؤ الحاصل في سرعة الاحترار العالمي، والذي يتشبث به المشككون في نظرية تغير المناخ، ولكنهم يعزون الظاهرة إلى الظروف قصيرة الأجل. وتؤكد مسودة التقرير أن الأدلة القائمة على تغير المناخ في المستقبل راسخة بما لا يقل عما كانت سابقا، وهي تبرر المخاوف المتزايدة في العالم. وأشارت إلى أن الآثار المترتبة على الانبعاث المتسارع لغازات الدفيئة قد تكون صعبة للغاية.
ويعد ارتفاع مستوى سطح البحر أحد الأسباب الرئيسية للمخاوف الناجمة من تغير المناخ. تقييم التقرير الحالي بشأن هذه المسألة أكثر تشددا بكثير من تقييم التقرير السابق الذي نشر عام 2007، والذي امتنع عن ذكر مدى الزيادة في مستوى سطح البحر خلال القرن الحالي.
ويعرض التقرير الجديد بعض الاحتمالات المتصلة بهذه المسألة. الاحتمال الأكثر تفاؤلا، بحسب التقرير، يفترض أن حكومات العالم سوف تتمكن من التحكم في الانبعاثات أكثر بكثير مما كان عليه الحال حتى الآن؛ ما سيساعد على الحد من الاحترار العالمي. وفي مثل هذه الظروف، وفقا للتقرير، من المتوقع أن يرتفع سطح البحر حتى 25 سنتيمتراً بحلول نهاية القرن الحالي. ويعد هذا الرقم أعلى قليلا من الارتفاع في القرن العشرين والذي وصل إلى عشرين سنتيمتراً، وكان يمكن مواجهته، رغم ما تسبب به من تآكل خطير للسواحل في العالم (تضرر الشواطئ والكثبان الرملية من أمواج البحر).
والاحتمال الأسوأ المذكور في التقرير هو أن تتواصل الانبعاثات الغازية في الزيادة بوتيرة متسارعة. وعندئذ، قد يرتفع مستوى سطح البحر بمقدار 52 سنتيمتراً على الأقل حتى عام 2100، بل وقد يصل إلى ارتفاع نحو متر واحد، ويشدد العلماء على أن جميع البيانات التي أثيرت بشأن ارتفاع سطح البحر تشكل تحديا للبشرية؛ إذ أن ارتفاع مستوى سطح البحر بمقدار متر واحد قد يهدد العديد من المدن الكبيرة بما في ذلك نيويورك، لندن، شنغهاي، البندقية، سيدني، ميامي ونيو أورليانز؛ ما يشكل تهديدا جديا لمئات الملايين من الناس الذين يعيشون قرب مستوى سطح البحر.
استحالة التنبؤ بالتغيرات المحلية
ومرة أخرى، يشير التقرير إلى الصعوبة الأساسية التي تواجه علماء المناخ منذ عقود: إذ بالرغم من إمكانية التنبؤ بمتوسط مستويات درجات الحرارة العالمية (بدرجة معقولة من اليقين)،إلا أنه من المستحيل صياغة فرضيات موثوقة حول التغيرات التي ستحدث في المستوى المحلي؛ ما يحبط قدرة الحكومات على تخطيط خطواتها المستقبلية.
وفي قضية أخرى، تراجع معدو التقرير بعض الشيء عن الموقف الذي اتخذوه عام 2007، والذي قالوا بموجبه إن زيادةً بمقدار مرتين في مستوى ثاني أكسيد الكربون (غاز الدفيئة الرئيسي المنبعث إلى الغلاف الجوي) سيؤدي إلى أن تسخن الأرض بأكثر من درجتين مئويتين؛ ووفقا لمسودة التقرير الجديد فإن الزيادة في درجة الحرارة قد تكون 1.8 درجة مئوية؛ على غرار الاعتقاد الذي كان سائدا في الفترة 2009-1979. ومع ذلك، لم يرد في الوثيقة بأن هناك احتمال كبير أن يكون معدل الزيادة متدن إلى هذا الحد؛ فالكثير من خبراء المناخ يعتقدون بأن احتمالية هذا الأمر ضئيلة جدا، كما أن الأدلة التي نشرت حتى الآن أشارت إلى زيادة قدرها أكثر من 2.8 درجة مئوية إذا ما تضاعف مستوى ثاني أكسيد الكربون.
ومنذ الثورة الصناعية، ارتفع مستوى ثاني أكسيد الكربون بمقدار 41٪؛ وإذا ما استمر الاتجاه الحالي فقد يتضاعف مستوى الكربون في غضون بضعة عقود. بعض الخبراء يرى بأن ارتفاع درجة الحرارة سيكون أكبر في المناطق القارية، وربما ستتجاوز 5.6 درجة مئوية عند القطبين. وسيؤدي هذا الارتفاع إلى ذوبان واسع النطاق من الجليد الأرضي، وموجات حرارية متطرفة؛ ما سيضرب الظروف اللازمة للزراعة وسيتسبب في انقراض العديد من أنواع الحيوانات والنباتات.
التقرير الحالي لهذا العام يعتبر الوثيقة الخامسة التي تنشرها اللجنة الأممية منذ تأسيسها عام 1988. وتميز كل تقرير جديد نشرته اللجنة بأنه أكثر حزما من سلفه من حيث تأكيده على أن درجة حرارة الأرض آخذة في الارتفاع؛ ومن شبه المؤكد أن البشر هم السبب في ذلك. وتضمن التقرير السابق أدلة قاطعة حول ظاهرة الاحترار العالمي، ولكنه لم يلق المسؤولية المطلقة على بني البشر، بل لاحظ وجود يقين بنسبة 90% بأن النشاط البشري هو سبب ذلك. التقرير الجديد الذي تسربت بعض محتوياته مؤخرا إلى الإعلام، أكد الأمر بحزم أكبر؛ فأشار إلى احتمال لا يقل عن 95٪ بأن البشر هم السبب الرئيسي لهذه الظاهرة.
بعد فوزها بجائزة نوبل، أصبحت اللجنة الأممية هدفا لانتقادات المشككين بتغير المناخ؛ إذ وجد الأخيرون بعض الأخطاء الطفيفة في تقرير عام 2007 تحديدا. لذا، اتبعت اللجنة هذه المرة أساليب بحثية صارمة، لتجنب مثل هذه الأخطاء. بعض المشككين بتغير المناخ يتحدون فكرة أن حرارة الكرة الأرضية آخذة في الارتفاع؛ بعض المشككين الآخرين يعترفون بأن الظاهرة موجودة ولكنهم ينفون مسؤولية الإنسان عنها. وهناك فريق مشكك ثالث يعترف بأن الإنسان مسؤول جزئيا عن ظاهرة الاحترار العالمي، ولكنه يعتقد بأن الظاهرة محدودة ويمكن السيطرة على آثارها.