خاص بآفاق البيئة والتنمية
يرتبط اسم عكا الساحلية بقوة بالهزيمة التي مني بها المستعمر الفرنسي نابليون بونبارت عام 1799، هذا الانتصار الذي نسب لأسوارها المنيعة التي شهدت أيضاً على مقربة منها في سجن الانتداب البريطاني اعدام المناضلين الثلاثة ( حجازي، جمجوم، والزير) لكفاحهما ضد الاستعمار، حدثان جعلا للمدينة مكانة في الوجدان العربي والفلسطيني. وكالعديد من القرى والمدن الفلسطينية خضعت عكا التي احتلت عام 1948 لقوانين الاحتلال الفاشية الإقصائية وهجر الآلاف من سكانها، لكن ورغم كل محاولات التهويد الّا ان الأرض في عكا وتحديداً القديمة ما زالت عربية بنسبة كبيرة.
من امام البحر الثائر القاذف بأمواجه الى اسوار المدينة التي كان ميناءها محطة لجميع القوافل الكبيرة الآتية من الشمال، الشرق والجنوب، من هناك، بدأت جولة آفاق البيئة والتنمية مع الناشط المجتمعي ومدير عام جمعية الياطر لدعم السكان العرب "سامي هواري" الذي استهل حديثه بالتوضيح الى ان المدينة العتيقة التي نسير فيها حالياً ليست هي عكا البلدة، مشيراً الى أنها وجدت في منطقة "تل الفخار" على بعد 2 كم الى الشرق من المدينة القديمة او "تل نابليون" نسبة الى المدافع التي نصبها الأخير محاولاً تدمير الأسوار أملاً في النصر.
قبل النكبة بلغ عدد العكاويين استناداً الى هواري الذي يمثلّ عكا اعلامياً وتنظيمياً وينظم جولات تثقيفية بـ " 17 الف نسمة"، وقد كانت الناس تقطن داخل اسوار المدينة قبل أن يصدر قانون عثماني بداية القرن العشرين يسمح للسكان بالبناء خارج الأسوار، أي الضاحية الجديدة - التي تمتد الى الشمال والشمال الشرقي للأسوار.
اعتبرت المدينة تاريخياً ذات موقع اقتصادي وتجاري بفضل مينائها الذي يُعَدّ من أهم وأقدم موانئ فلسطين التاريخية لصيد الأسماك، كما احتوت على العديد من الآثار والمعالم والأماكن الأثرية القديمة من غالبية العصور التّاريخية. فهناك السّوق الأبيض وحمّام الباشا وخان العمدان والقلعة وأسوارها الحصينة والممرّ الألماني وجامع الجزّار وغيرها. وقد مرت على المدينة معظم الحضارات القديمة بدءاً بالكنعانيين والفرس والإغريق واليونانيين والرومان، العرب المسلمين، لاحقا الصليبين والعثمانيين والانتداب البريطاني وانتهاءً بالاحتلال الاسرائيلي.
 |
 |
| السجن البريطاني في عكا حيث أعدم المناضلون الثلاثة حجازي، جمجوم والزير |
الصيادون في عكا |
عكا التاريخ...
مرت "مجلة آفاق" من الجهة الجنوبية، حيث يقع خان الشونة، وفي اسفله يسمع صوت خرير مياه، يخبرنا هواري انها نبعة قوية تتدفق وتسير في انفاق لتصب في بحر عكا، تجولنا في جوف تلك الانفاق المقوسة لنعرف قصتها، فتبين ان عكا كانت عاصمة المملكة الصليبية والتي استطاعت ان تسقط المدينة عام 1104 وتحكمها مدة 200 سنة، بحيث اصبحت العاصمة الثانية للمملكة الصليبية وآخر معقل لها، في عام 1291 احتل المماليك سوريا وشمال فلسطين ومن ضمن ذلك عكا، فتم تصفية الاحتلال الصليبي وتم تدمير المدينة في زمنهم فبقيت عكا مدينة اشباح مدة 400 سنة حتى جاء الظاهر عمر وأعاد الحياة لها.
تم اكتشاف قاعات صليبية كاملة اسفل النفق، عرفت بفرسان الهيكل وهم فرقة عسكرية من الرهبان عملت على حراسة الحجاج الذين جاءوا من اوروبا. في الطرف الجنوبي من النفق تم بناء الحصن المركزي لفرقة الفرسان في عكا، أمتد النفق الذي تم نحت الجزء السفلي منه في الصخر الطبيعي وتم تشييد الجزء العلوي منه بحجارة منحوتة من حصن فرسان الهيكل حتى الميناء لمسافة 350 متراً، وقد تم استخدام النفق كممر استراتيجي تحت الارض من اجل الربط بين القلعة والميناء.
على بعد عشرات الامتار من النفق، يقع الجامع الجزار نسبة الى الحاكم البوسني المسلم الذي اشتهر بقسوته "احمد باشا، والذي حكم عكا عام 1776، عُرف بفضل صمود جيشه في وجه حصار نابليون للمدينة عام 1799، يقول هواري: "يحتوي الجامع على كتب دينية نادرة وقيمة تمت مصادرتها بعد النكبة وتحويل جزء كبير منها الى جامعة حيفا".
يُذكر أن عكا كانت قد استعادت مكانتها فتطورت وازدهرت خلال الفترة العثمانية التي حكمت البلاد من عام 1517 حتى عام 1918 وذلك في ايام الزعيمين الظاهر عمر و"الجزار".
 |
 |
| القفز من سور عكا إلى البحر |
الميناء التاريخي في عكا |
عكا والنكبة
في حرب 1948، ونقلاً عن أدبيات النكبة، فقد احتلتها المنظمات الصهيونية بعد عملية "بن عمي" حيث سيطرت فرقة من لواء كرميل على تل نابليون وقصفت المدينة بالمدافع. بعد احتلال عكا تم فرض الحكم العسكري عليها، غادرها قسم من المواطنين متوجها نحو لبنان وبقي فيها ما بين 15-16 الف مواطن، تم حصار عكا من الشرق وتواجد قوات الجيش الصهيوني عند بوابات الأسوار. أدى حصار السفن لها ونقص المواد الغذائية والذخيرة الى انهيار الروح المعنوية للمقاتلين العكاويين داخل الاسوار. بعد قتال استمر 22 ساعة، وفي الـ 18 من ايار سقطت عكا بيد الاحتلال.
من داخل تلك المدينة المتحفية بأبراجها وقبابها وسورها المنيع تحدث هواري بأنه وبعد ان هجر الاحتلال سكان عكا القديمة، واتجه للقرى الأخرى، فما كان من سكان تلك الأخيرة إلا وأن لجأوا إلى مدينة الاسوار فوجدوها خاوية بعد أن هُجّر سكانها، إلا من 10 عائلات أصلية فلسطينية، فسكنوها وفعلياً حموها (قانون حماية مستأجر بريطاني قديم اعتمدته اسرائيل) وشكلوا شوكة في حلق قانون املاك الغائبين (يتبع ما يسمى دائرة أراضي إسرائيل) الذي كشر عن انيابه فور سقوط المدينة بهدف تفريغ البيوت من أهلها.
"لجأ اهل عكا الى مخيمات سوريا ولبنان، اولاد عمي في برج البراجنة وعمتي وعائلتها في اليرموك وأقارب آخرين لي في مواقع أخرى". قال هواري الذي أسمى جمعيته بـ الياطر تيمناً برواية تحمل ذات الاسم لابن اللاذقية الروائي السوري "حنا مينا" وتعني المرساة.
لم يكن حال الأوقاف الإسلامية التي تشكل جزءاً كبيراً من أراضي ومباني المدينة بأفضل حال، إذ تم تحويلها - بعد مصادرتها - إلى القيّم على أملاك الغائبين و"سلطة التطوير" ومن ثم إلى شركة تطوير عكا القديمة، التي تستغلها أحسن استغلال وتجني من ورائها الأموال الطائلة، من دون أن يكون للمسلمين أية فائدة منها، اللهم إلا رسوم "الإيجار" البخسة. يقول هواري
 |
 |
| النفق الواقع أسفل خان الشونة حيث تتدفق مياه النبع وحيث القاعات الصليبية أيضا |
جامع الجزار في عكا |
سكان عكا القديمة
يتوزع السكان الفلسطينيون في عكا، وعددهم لا يتجاوز الـ15 ألف نسمة بين حيّ عكا القديمة (حوالي 5 آلاف نسمة)، وحيّ عكا الانتدابيّة - مركز المدينة (حي الرشاديّة)، والحيّ الشماليّ. وإذا كُنا نتناول واقع أهل عكا فإنّنا نتحدث عن بقعةٍ ضيّقة مكوّنة من سوقٍ قديم (عامر بالتجارة عموما)، وأزقة توصلك إلى بيوتٍ في قلبِ البلدة القديمة.
وقلب المدينة بمعظمه مقسّمٌ إلى عدة خانات أبرزها: خان الباشا، خان الشونة، خان الإفرنج، خان العمدان... وفي معظم هذه الخانات، تقيم عائلات في بيوت مستأجرة من شركة «عميدار» (الإسرائيلية) التي تتقاضى مبلغاً شهرياً من العكاويين، وهي بالمقابل، تفرض عليهم قراراتها، ومِن بينها قرار بألا يتم تصليح البيت أو ترميمه إلا بمعرفة الشركة وموافقتها. وهي التي تأتي وتُعاين، وفي الغالب ترفُض.
ولا يخفى على الكثيرين، وفق هواري، الواقع الاجتماعي والاقتصادي الضعيف في عكا كسائر القرى والمدن في الداخل، ما يساهم في انتشار الادمان على المخدرات والكحول بين الشباب، وتفكك النسيج الاجتماعي داخل الأسر، إضافة لضعف الجهاز التعليمي من حيث البنية والانجازات، فنسبة قليلة من الطلبة يتابعون تعليمهم العالي.
 |
 |
| عكا العتيقة |
عكا القديمة |
اعتراف اليونسكو يكشف الغطاء عن مطامع الاحتلال
جاء ادراج اليونسكو، يقول هواري، لعكا القديمة ضمن قائمة التراث العالمي عام 2001 لاحتوائها اثاراً صليبية وعثمانية، بمثابة فرصة ثمينة للاحتلال للاستثمار ماديا في عكا وتحويلها الى مدينة فندقية سياحية، فزادت مخططاته التهويدية شراسة تحت مظلة (بلدية عكا وما يسمى دائرة أراضي اسرائيل وشركة تطوير عكا) وابتداءً من تغيير أسماء الشوارع والحارات فيها، مروراً بإقرار الخارطة الهيكلية– بدون إشراك أو علم المواطنين العرب – وانتهاء بخصخصة المباني العامة والتاريخية وبيعها لمن يدفع أعلى الأثمان، فعلى سبيل المثال تم عرض 10 ابراج عسكرية تاريخية حول الاسوار للبيع ضمن مساعٍ تهويدية حققت من غاياتها حتى الآن ما نسبته 25% في عكا القديمة، والرقم آخذ في الازدياد ما دام العربي غير قادر على التملك فيها.
هواري الذي اشتهر في أوساط فلسطينيي 1948 لكونه قاضَى (شركة مقاولات تتعاون مع دائرة اراضي اسرائيل في عكا) وربح القضية لممارستهما العنصرية تجاهه بمنعه شراء بيت ضمن مشروع جرين بالاس عام 2013، يقول:" بعد اعتراف اليونسكو، ارتفعت اسعار البيوت بصورة خيالية، البيت البسيط صار ثمنه أكثر من مليون ونصف دولار، والساكن فيه لا يستطيع شراءه وبعد وفاة المقيم وفق قانون حماية المستأجر، فإن البيت يصبح ملكية للدولة...، العربي أصبح بين فكي كماشة اما البيع والتسليم للاحتلال، او ايجاد أي مستثمر عربي لشراء بيته ...وأين هم من قضية عكا!!"
 |
 |
| فتى فلسطيني من عكا يسبح في البحر بعد أن قفز إليه قفزة خطرة |
مدخل عكا العتيقة |
بيتي ليس للبيع
تيقظ اهالي عكا للمخططات الاسرائيلية بتهجيرهم من الاحياء الشهيرة في البلدة القديمة كخان العمدان والذي كان يستخدم للتجار والمشيد في القرن ال18 من خلال انتهاج مسار قضائيً يتم دراسته حاليًا بمُشاركة جمعية عدالة وبمساندة لجنة الوقف الإسلامي، لمواجهة بيع خان العمدان، "المؤجَر لدائرة أراضي إسرئيل لمدة 99 عامًا، وقد أبرمت اتفاقية ألزمت خلالها دائرة أراضي إسرائيل الوقف الإسلامي، عام 1974، بتوقيع العقد بالإيجار، مما يسمَح للطرف المستأجِر بالتصرف بالخان، كما لو أنه مالكه دون الرجوع إلى لجنة أمناء الوقف (المالك الأصلي)، وعليه قامت شركة تطوير عكا- وكيل دائرة أراضي إسرائيل - بإخلاء عشرات المنازل من ساكنيها، وعرض خان العمدان للبيع، لتحويله إلى فندق، كما أعدت خرائط هيكلية لبناء طابق ثالث بهدف زيادة الأرباح الاقتصادية، وإضافة إلى تحويل خان الشونة القريب إلى مجمّعٍ تجاري، وبيع الحمام الصغير (التابع للأوقاف)، لاستعماله كحمامٍ، وعدا عن اقتطاع عشرات العقارات والبيوت القريبة.
ويعلّق: "تهدّد المناقصة العكاويين بالإخلاء من منازلهم خلال 5 سنوات، وإلا فسيتم تغريم المُشتري (بمبلغ 10 مليون شيكل)، ألا يُشير ذلك إلى السعي للتهويد والتهجير وترانسفير مبرمج لسكان عكا القديمة؟
يقول هواري في تصريح منشور له في الإعلام المحلي: "منذ استلام الحمام الشعبي مِن قبل الشركة، تمّ إهمال المكان، وسرقة الزخارف والكنوز الموجودة هناك، ناهيك عن الإهمال المقصود والخراب الذي أصابَ خان العمدان، وتحويل خان الشونة إلى اصطبلٍ للحيوانات، ومكبٍ للنفايات وايذاء متعمّدٍ للبيئة، أليس ذلك إهمالٌ للآثار التاريخية، وهي ليست مجرد أملاك وعقارات، بل كنزٌ حاولوا تمزيقه وسعوا لاهترائه، ألا يستحقون العِقاب على ما اقترفت أياديهم، ولذلك سنرفع دعوى قضائية ضدهم؟!".
وتساءَل ابن عكا: "أيُ مسؤولٍ هذا عن مناقصة لا يُعلم عشرات العائلات ومئات الأفراد بأمر إخلائهم، والاتفاق معهم قبل إصدار المناقصة؟! وكيف تتنصل الجِهات المؤجِرة "شركة عميدار"، مِن المستأجِرين لديها، رغم وجود اتفاق بين الطرفيْن، (العكاويين وعميدار). ومَن ذا الذي سيمنع جريمة، لو جاءَ مقاولٌ (أزعر)، وقرر طرد السُكّان بين ليلةٍ وضحاها؟! وإن لم يأتوا إليهم بالقوة فإنهم سيأتون إليهم بالتحايُل ليخرجوهم من بيوتهم.
 |
 |
| مشهد البحر بين منازل عكا القديمة |
منازل عكا القديمة المهددة بالمصادرة |
استثمروا في عكا يا عرب
وشدّد هواري: "لا تتركوا أهل عكا لوحدهم، كما سائر المدن الفلسطينية التي لم تستطع الصمود في وجه عمليات التهجير التي دبرتها عشرات المؤسسات والوزارات والبلديات وشركات التطوير (التطيير)، وعميدار وعميؤور، وجمعيات يهودية، ووكالات يهودية، وجمعيات دينية ومتطرفة، بينما يكتفي البعضُ مِنا باللوم والتخوين، ولهؤلاء أقول: استثمروا في عكا، ولا تجعلوا أهل عكا لقمة سائغة للمحتل.".
يلفت هواري: "هناك 250 بيتاً مغلقاً في عكا القديمة ويمنع العرب من السكن فيه سواء من خلال استئجاره او شرائه، وهناك 160 امر اخلاء بحق عائلات عربية" في خان العمدان والشونة والحمام الشعبي (الصغير)، بالإضافة إلى 37 عائلة مهددة بالطرد في تلك المناطق".
"الناس تتعرض لإغراءات للبيع لأن ظروف الترميم قاسية جداً، فإذا انهدم سقف البيت لا يعطى تصريحاً ليتعمر بيت جديد، او هم ملزمون بدفع غرامات عالية ليعمروا بيوتهم بمواد باهظة الثمن، الناس صامدون ولكن إلى متى؟" يتساءل هواري بأسى مضيفاً بأن المؤسسة الصهيونية نجحت عام 1970 بإقناع 200 عائلة بالانتقال من مدينة عكا لقرية المغار، ولكن العديد منهم قرر العودة لعكا القديمة بعد أن حنّ للماضي، مؤكداً ان الهدف هو اخراج العرب الضعيفين من الناحية الاقتصادية والاجتماعية واستجلاب سكان اخرين قادرين على دفع أثمان باهظة مقابل البيوت والعقارات.
"أهل عكا مثل السمكة اذا خرجوا منها يموتون " يقول هواري في ختام الجولة، مؤكداً ان سكان الموانئ يجمعون بين اللين والصلابة ما يهبهم روح الصمود والمقاومة في وجه أصعب المخططات لإقصائهم عن أرضهم". ودعا هواري لإقامة صندوق عربي فلسطيني يعتمد على دعم مالي لإنقاذ ما يمكن انقاذه في مدن الداخل المهددة معالمها العربية بالطمس وسكانها الفلسطينيين بالاقتلاع: يافا وعكا واللد والرملة.
سامي هواري ابن مدينة عكا الذي ينظم جولات تثقيفية فيها
الثامن من آب،2105