خاص بآفاق البيئة والتنمية
قد نتخيّل أحياناً أن إعادة التدوير مسألة مُعقدة جداً، وتتطلب بناء المصانع والإستثمارات الضخمة، إلا ان المتعمق في دراسة الإدارة البيئية سيكتشف أن الأمر ليس كذلك، فالحل السحري كما يعتقد الكثير من العُلماء موجود في ثلاثة 3R، كما يقولون، Reduce, Reuse, و Recycle. فلو قُمنا بتغيير عاداتنا الإستهلاكية لتغيرت الاحوال بشكل مُذهل، وهذا كُله يتلخص في تقليل إستهلاكنا وإعادة إستخدام الأشياء القديمة، وهذا لا يحتاج لا مصانع ولا هندسة، أما لو أردنا الإرتقاء بنفاياتنا، فهُناك سُبل متاحة وسهلة جداً من خلال إجراء تعديلات "بسيطة" على النفايات تُدرج كـ Recycle وبكلمات أدق، Upcycling
فماذا يعني هذا؟ في هذا التقرير سنطلع على هذا المصطلح بشكل أعمق، وكذلك بعض النماذج المميزة التي تم تطبيقها في فلسطين، نعم نعم في فلسطين، وذلك في سبيل الإرتقاء بالنفايات التي كانت ستهوي إلى المزابل، إلا انها أصبحت سلعاً لتزيين البيوت والحدائق ومفخرة لصانعيها !
Upcycling
ليست عبارة recycling إلا مستودعاً لعالم هائل من الأفكار المُذهلة التي يتم بحثها اليوم في الجامعات والمؤسسات العلمية التي تُعني بمجال إدارة النفايات Waste Management، وكي نستطيع إستيعاب مدى تبّحر العُلماء في هذا العالم، فيكفينا ان نذكر انه في دولة مثل المانيا، هناك العديد من المجلات المتخصصة في إعادة التدوير recycling فقط، مجلة RECYCLING magazine مثلاً، عُمرها حوالي 70 عاماً ويُمكنك أن تجد فيها كل ما يخطر ببالك حول إعادة التدوير، ولعل مجلة مثل EU-Recycling فهي متخصصة اكثر في أسواق "الريسايكلينغ" على مستوى الإتحاد الأوروبي، هذا غير مجلات أخرى متخصصة مثلاً في إعادة تدوير مواد البناء فقط، والأهم من كُل هذا أن مجلات إعادة التدوير هي عالم صغير في عالم مجلات أكثر شمولية مُتخصصة في إدارة النفايات أو البيئة بشكل عام.
في ظل هكذا إهتمام، وإلتفاف حول موضوع إعادة التدوير، فقد إضطر العُلماء والباحثين للتميز بين مُصطلحين أساسيين وهما Downcycling وUpcycling. فعندما نتحدث عن Downcycling فإننا نتحدث عن مواد قديمة او نفايات تم إعادة تدويرها لصناعة مُنتج أقل قيمة وجودة وهذا لا يُنظر إليه بإستحسان غالباً، وأكبر مثالٍ على ذلك هو إعادة تدوير الورق، فإن الورق كمادة مكونة من الأنسجة تخسر من " رشاقتها " في كُل عملية إعادة تدوير، وذلك بسبب خسارة الانسجة شيئاً من طولها وبالتالي فإن جودة الورق المعاد تصنيعه تُصبح اسوأ مع عملية إعادة التدوير التقليدية. وبحسب عُلماء إدارة النفايات فإن الورق لا يمكن إعادة تدويره اكثر من 7 مرات.
الامر لا ينحصر هنالك فقط، فلو أخذنا صناعة الأحذية مثلاً وحاولنا ان نقوم بإستغلال المواد البلاستيكية من الأحذية المستعملة، وقمنا بصهرها معاً لنصنع منها حذاءً جديداً، فإن المادة البلاستيكية الجديدة غالباً ما تكون أقل قيمة، لأن المواد البلاستيكية نفسها لها اصناف وأنواع شتى وفرزها صعب جداً، وبالتالي فإن اي خليط من مواد مختلفة ومتباينة قد يقودنا إلى صناعة حذاء او مادة جديدة سيئة، جودتها أقل وقد لا يرغب بها احد وتبقى عبئاً على الأسواق والبيئة.
أما Upcycling فهو مُصطلح اكثر إستقطاباً للعامة، ولو جرّبت ان تكتب كلمة Upcycling في جوجل لوجدت آلاف الصور المُدهشة امامك، دُون أن يدري الكثيرون عن حقيقة هذا المجال وعن الفرق بينه وبين عملية إعادة التدوير التقليدية. في Upcycling فإننا نتحدث عن إعادة إستخدام الأشياء ولكن بشكل أرقى مما كانت عليه من قبل، او بكلمة أخرى تحويل مواد ذات قيمة مُنخفضة low-value materials إلى مُنتجات ذات قيمة جيدة high-value products، وبالتالي نحن لا نتحدث عن مُجرد عملية "ريسايكلنغ" إنما تحسين حقيقي وملحوظ لمواد كانت ستُرمى في النفايات بعد أن فقدت وظيفتها، لنقوم بتحويلها بخطوات غير معقدة إلى مُنتجات أرقى نحن بحاجة إليها فعلاً.
طلاب المدرسة الشاملة في قرية كفر برا حولوا منطقة مهملة في قريتهم إلى حديقة جميلة تم فيها إعادة تدوير العديد من النفايات القابلة للتدوير
"آبـسايكلينغ" .. حول العالم !
في موقع
weupcycle.com وتحت عنوان ( 30 يوم 30 غرض ) يقوم الموقع بشكل يومي بنشر صور لمُنتج تمت صناعته من مواد كانت ستُطمر في مكبّات النفايات والمزابل. المدهش في الموضوع والمنتجات عموماً هو مدى الإتقان في العمل الذي يُنسيك احياناً ان الحديث يدور عن " نفايات " و "زبالة" كما نسميها في بلادنا. في هكذا موقع يُمكنك أن تكتشف عظمة جدّاتنا فالكثير من افكار جداتنا كإستخدام الواحدة منهن لقنينة بلاستيكية في صناعة الزيتون أو علبة المربى كعلبة لتخزين السُكر او الملح او رُبما لحفظ ادوات الخياطة مثلاً. ولكن ماذا عن بنطال جينس قديم؟ هذا الأخير يُمكن إستخدامه في صناعة محفظة او حقيبة صغيرة فاخرة، وكذلك يُمكن إستخدام الجيوب الخلفية بعد قصها وتعليقها على الحائط كمكان لحفظ الرسائل او المفاتيح مثلاً.
وبلا شك فالإبداع لا ينتهي عند هكذا حد، المنصات الخشبية البالية وحدها يُمكن ان يُصنع منها طقم كنبات رائع للحديقة، ويُمكن ايضاً ان يصنع منها سرير بديع، وغيرها من الافكار المنتشرة بشكل هائل في الشبكة العنكبوتية والتي يمكنها ان توفر الكثير من المال !
في هذا الرابط، عشرات الأفكار لإعادة إستخدام المنصات الخشبية البالية :
من منصات بالية إلى جدار فاخر !
في مدينة اللد في فلسطين المحتلة، وفي حديقة بيت السيّدة منى عرفات تحديداً، ورغم بساطة الحديقة إلا انك لو تأملت الجدار الخشبي لوجدت أنه يجسد حكاية من حكايات الإبداع المنزلي الفلسطيني في مجال الـ Upcycling، فذات يوم قررت السيدة منى أنها بحاجة إلى جدار لمنزلها، ففكرت في المنصات الخشبية البالية Pallets "المشاتيح"، وقامت بالعملية بنفسها، بدلاً من أن تتوجه لأي حداد او نجار ليصنع لحديقتها الجدار والذي سيكلفها المبالغ الباهظة عادة.
في البداية قامت بشراء مقص خشبي اوتوماتيكي ( جكسون ) وذلك من أجل صنع " شبلونة " على شكل نصف دائري لتُعطي شكلاً مميزاً للمنصات الخشبية، ثم قامت بطلائه بطلاء اولي زيتي كي يضمن جودة وشكلاً أفضل عند طلي الخشب بالدهان الأخير.
لم يكن العمل سهلاً فقد إستغرق بضعة أسابيع، إلا انه كان ممتعاً، كما أخبرتنا السيدة منى، علماً بأن البداية لم تكن سهلة ابداً، فقد قوبلت بالاستهتار تارة والنقد تارة اخرى أثناء العمل من المحيطين، إلا ان كُل ذلك تلاشى حين بدا الجدار في حُلته الاخيرة وهو ما زال يُزين الحديقة. ولم تكتفِ السيدة منى عند هذا الحد، فقد قامت بالعديد من اعمال إعادة التدوير، وأخيراً قامت بإستغلال إطارات سيارات قديمة في تزيين حديقتها وقد صنعت من إحدى الإطارات تُحفة فنية على شكل إوزة، كما صنعت من إطار آخر قديم ( كوّارة ) للورد على شكل فنجان، بعد أن طلته بألوان بهية مع رسومات تجذب الأنظار، ومن الجدير بالذكر، أن التحدي الأكبر الذي يجعل من هذه التجربة، فكرة مميزة، هو الإتقان في العمل ومُحاولة إيجاد منتوج بجودة عالية، وليس مُجرد إعادة إستخدام لأشياء قديمة بالية.
عمل طلاب مدرسة كفر برا لتطوير الحديقة الجميلة لا يزال جاريا
حديقة "الرسكلة"
لم تكن فكرة إنشاء حديقة من النفايات إلا واحدة من بين مجموعة مميزة من الأفكار التي قام طلاب المدرسة الشاملة في قرية كُفر برا في الداخل الفلسطيني بعرضها، وذلك في مسابقة بيئية في المدرسة اُجريت بالتعاون مع رابطة مداد للطلاب الاكاديميين في القرية، إلا ان فكرة حديقة " الرسكلة " كانت هي الأكثر جاذبية للجنة التحكيم وفازت بالمرتبة الأولى، وذلك لتميّزها بالبساطة وقابلية التطبيق بسهولة، فقد إقترح الطلاب ان يستلموا منطقة مُهملة في القرية ليقوموا بتحويلها إلى حديقة، وفعلاً فبعد الفوز في المسابقة، اجتمع الطلاب برئيس المجلس المحلي من أجل الشروع في تطبيق الأفكار وإخراجها إلى حيّز التنفيذ بدلاً من أن تبقى حبراً على ورق.
في المسابقة، قام الطلاب بعرض نماذج لكيفية إستغلال الأحذية كـ ( كوّارة ) لزراعة الأزهار والورود بعد تلوينها، وكذلك إستخدام القناني البلاستيكية لنفس الغرض وذلك بخطوات بسيطة جداً من خلال قصّها من الأعلى وتزيينها. وكذلك مُحاولة لصناعة أجراس من قناني الشُرب المصنوعة من معادن غير قابلة للصدأ.
على أرض الواقع، قام الطلاب فور إستلامهم قطعة الأرض من المجلس المحلي، بتنظيفها وإستخدام الحجارة " الزائدة " لتعبيد ممر يقطع الحديقة من اولها لآخرها بعد تلوين الحجارة بشكل جذّاب. كما تم إستخدام العديد من العجلات البالية التي كانت ستستقر في المزابل لتزرع فيها الورود وكذلك الأمر بالنسبة للأحذية والقناني. هذا غير الكتابات والرسوم التي قام الطُلاب برسمها على الجدار بأنفسهم، والتي ستشهد على أعمالهم المميزة على مدى الزمان.
من الجدير بالذكر أن العمل لا زال جارياً في هذه الحديقة البديعة وان الحديقة مُغلقة بجدار وقفل وهناك نُسخة منه مع الطُلاب، كوسيلة لمنحهم الثقة كمسؤولين عن الحديقة وشُركاء في إعدادها، كما أنه من المفترض من الطلاب المُشاركة بالصيانة الدورية للحديقة والتي من شأنها رسم أفق جديد للطلاب في كيفية النظر للنفايات على انها مواد خام مُهملة.
أخيراً فإن هكذا حديقة هي ثمرة للتعاون الحقيقي فيما بين الطلاب وإدارة المدرسة وإدارة المجلس ورابطة الأكاديميين في القرية وبعض أهل الخير في القرية الذين قرروا أن ينزلوا إلى ساحة العمل مع الطلاب ليكونوا عوناً لهم في مشروعهم هذا، وفي الأيام القادمة يستعد الطلاب للقيام بحفل إفتتاحي للحديقة، يستعرضون فيه الوضع قبل الشروع بالعمل ثم كيفما أصبح. بكلمات أخرى، كيف يُمكن للأفكار البسيطة والتعاون أن يجعل من الأرض الجدباء، ارضاً خضراء يانعة تسر الناظرين وتُلهم المتفكرين.

عجلة سيارة قديمة تتحول إلى إوزة بديعة