خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
الدكتور يحيى عابد هو أستاذ علم الوبائيات في جامعة القدس أبو ديس، إذ يعمل فيها منذ عام 1997، وعلى مدار مسيرته المهنية شارك في كافة البرامج الوطنية، وإعداد البروتوكولات الوطنية، واللجان الوطنية ومنها لجنة الوبائيات المشتركة في رام الله واللجنة الاستشارية في مدينة غزة، والتي كان معظم أعضائها من خبراء علم الأوبئة. يقول عابد، عندما بدأنا في مرحلة التطعيم خرج علينا بعضٌ ليشكّك في التطعيم، واليوم في قطاع غزة تصل نسبة الأشخاص الذين تلّقوا اللقاح 7.4% فقط من عدد السكان، وذلك بسبب الشائعات التي تنتشر بين سكان القطاع والتي تبذل وزارة الصحة قصارى جهدها لمحاربتها.
|
بدايةً د. يحيى، دعنا نتحدث عن التحديات التي واجهتكم في التصدي لجائحة كورونا؟
التحديات كبيرة، والسؤال الذي لطالما أرّقنا "ترى هل لدينا من الإمكانيات التي ستعيننا على مواجهة هذه الجائحة في غزة؟"؛ لا سيما أننا نعاني من شُحّ أدوات التشخيص التي مثلّت مشكلة أساسية في معرفة الأعداد الحقيقية للمصابين، كذلك عدم وجود أماكن مخصصة لاستقبال حالات من هذا القبيل، إضافة لعدم حصول الطاقم الطبي بغزة على تدريبات كافية للتعامل مع مثل هذه الحالات، وعدم توافر الأدوية بشكلٍ كافي نتيجة الحصار القائم، كل ما سبق لم يكن على مستوى الجهوزية والوفرة المطلوبة.
الأسرَّة في أقسام العناية المكثفة كانت محدودة وكذلك كميات الأكسجين اللازمة للتنفس الصناعي كانت شبه معدومة في غزة، وهذا أخطر تحدي، لذلك حتى يومنا هذا ما زلنا نتابع بشكل يومي ومكثف مدى توفر الأكسجين في مستشفيات غزة.
كل هذه التحديات وغيرها كانت بطبيعة الحال تنذر بكارثة صحية على وشك الانفجار.

الدكتور يحيى عابد أستاذ علم الوبائيات
ما حجم التعاون بين اللجنتين في كل من غزة ورام الله المُشكلتين لمواجهة كورونا؟
من موقعي هذا وكوني أنا ود. مجدي ظهير مدير الطب الوقائي في قطاع غزة، أعضاء في كلتا اللجنتين، أؤكد أن هناك تعاون وتنسيق كبير! حتى أن الاتصالات والاجتماعات لم تنقطع بين اللجنتين، إذ تشتركان في إستراتيجية واحدة ويتغير مسار عملهما بناءً على موجات الوباء والمستجدات اليومية في الميدان.
وزارة الصحة في بداية الجائحة، كانت تؤكد جهوزيتها رغم عدم توفر أي مقومات.. كيف تفسر ذلك؟
الحالات التي سُجلت في قطاع غزة في أول سبعة شهور، كانت "مستوردة" وقليلة وبالتالي لم يكن تشكّل ضغطًا، ووفقاً لذلك أبدينا استعدادنا لاحتواء الأمر، كنا في البداية نرسل العينات للضفة الغربية من أجل الفحص، وكان الاحتلال يؤخر وصول النتائج، مما استدعى ضرورة توفير جهاز فحص في غزة.
ومن جهة أخرى درّبنا طاقماً من الموارد البشرية قبل أن تفد إلينا أياً من الحالات المصابة، وبما يناسب استقبال أعداد محدودة كما كان الحال في الموجات السابقة، وفي المقابل لم نجد في البداية حتى الملابس المخصصة للطواقم الطبية ولم تتوفر الكمامات بالعدد اللازم، إلى درجة أننا لم نكن نعلم أن مصانع الكمامات التي ستتعاقد معها وزارة الصحة هي أصلًا موجودة بغزة.
حين ارتفع عدد الإصابات في غزة.. هل كانت لديكم خطة واضحة؟
عندما بدأ المنحنى بالتصاعد تدريجيًا، وضعت وزارة الصحة نظامًا للتعامل مع كثافة الحالات، ودار الحديث في أروقة اللجنة بأنه حسب التقديرات قد نسجل 2500 حالة في اليوم الواحد، وعندئذ استنفرنا طواقمنا، وأصبح لدينا قسم خاص بمصابي كورونا في كل مستشفى، وحتى بعد انخفاض عدد الإصابات، ما زالت هذه الأقسام قائمة.
ما أبرز الجهود التي سجلتموها في هذا الجانب؟
تميز قطاع غزة بإنشاء وحدات عزل على حدوده لعزل المصابين والوافدين للقطاع لمدة 21 يومًا، وكانت هناك مرونة في التحويل من وحدات العزل التي أنشئت إلى العزل المنزلي لمدة زمنية إضافية.
وبفضل الله استمرينا في تقديم الخدمات إلى يومنا هذا، وكما نعلم، الكثير من الأنظمة الصحية في الدول الكبرى انهارت، إلا أن الطواقم الطبية في غزة ما زالت صامدة وتتعامل بكل عزم وإصرار.
ما مدى وعي المواطنين والالتزام بالإرشادات الصحية التي قدّمتها وزارة الصحة؟
كنا نأمل أن يكون مستوى وعي المواطن أعلى من الوضع الراهن.
لقد أزعجنا انتشار الشائعات المُغرضة التي ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في ترويجها، لا سيما تلك المنشورات التي يدّعي أصحابها أنهم أطباء أو مرضى، مؤكدين أنه لا صحة لوجود كورونا في غزة أو أنها ليست خطرة، مما خلق حالة من عدم الثقة وأدى إلى حالةٍ من التراخي في الالتزام بإجراءات الوقاية بما فيها ارتداء الكمامات.
إضافة إلى ذلك، عندما بدأنا في مرحلة التطعيم خرج علينا بعضٌ مشككًا في التطعيم، ومن المؤسف أن تصل نسبة الأشخاص الذين تلّقوا اللقاح فقط 7.4% من عدد السكان فقط، وذلك بسبب الشائعات التي تنتشر بين سكان القطاع، بالرغم من محاولة وزارة الصحة جاهدة لمحاربتها.

د. يحيى عابد
ما الآلية المتبعة لرصد أعداد الإصابات التي تصل إلى مستشفيات القطاع؟
مستشفيات قطاع غزة كافة؛ ترسل إحصائية يومية للوزارة بعدد الأسرّة المتاحة، وعدد الأطباء المتواجدين، وعدد الأشخاص الذين اُشتبه في إصابتهم. وفي كل يوم نقارن الأعداد الحالية بالأعداد السابقة.
على سبيل المثال أصبح معدل انشغال غرف العناية المركزة 6% والأسرّة العادية 15% ، في حين وصلنا في مرحلة سابقة إلى انشغال الأسرّة بمعدل 90%.
كيف تقيّم أداء الطواقم الطبية مع الظروف الاستثنائية التي تمر بها غزة؟
بينما كانت جبهة "كوفيد- 19" مفتوحة، فُتحت علينا جبهة حرب عسكرية شرسة على غزة، ومع وصول عدد كبير من الإصابات والشهداء عاشت الطواقم الطبية حالة استنفار غير مسبوق لتصمد أمام جبهتين، وتقوم بواجبها المهني والإنساني على كل الصعد.
وأود التأكيد أنه مهما كان حجم المساعدات التي وصلتنا، فإن أداء الطواقم الطبية في حالة كهذه يفوق الممتاز، في حين بقيت لجنة الوبائيات تعمل على مدار الساعة.
وعمومًا كان الوضع الصحي على مدار سنوات خلت، قاسياً بسبب الحصار، إلا أن الطواقم الطبية أبلت بلاءً حسناً في التصدي للجائحة والتعامل مع الحرب الإسرائيلية على حد سواء.
برأيك هل غزة بحاجة لمتخصصين في علم الأوبئة بعدد أكبر؟
أعتقد أن عدد المختصين بعلم الأوبئة الموجود حالياً في غزة كافي للتزويد بالخدمة وليس لتطويرها؛ فسابقاً كان لدينا مختص واحد في غزة بعلم الأوبئة، والآن أصبح في كل محافظة يوجد قسم أوبئة، وفي فترة الجائحة لعبوا دوراً بارزًا في التصدي لها بأخذ العينات ومتابعة المرضى.
وأرى أنه ينبغي الارتقاء بعمل هذه الأقسام حتى نطّور الخدمة بشكل يخفف المخاطر قبل وقوعها، وليحدث التطوير لا بد من توفير الإمكانيات.
أخيرًا، خطتكم لزيادة أعداد الأشخاص الذين يتلقون اللقاح؟
كانت مشكلتنا في البداية عدم توفر اللقاحات، وبعد الإعلان عن توفرها بدأنا التحرك من أجل الحصول عليها، وحمدًا لله أصبحت بين أيادينا، وكانت المفاجآة أن نسبة الذين تلقوا اللقاح لا تتجاوز 7.4% ، وبالتالي نسير الآن في ثلاث اتجاهات لتوعية الناس بضرورة التطعيم، وبدأنا بتطعيم موظفي وزارة التربية والتعليم، وزارة الصحة، ووزارة الداخلية.
وسنضع شرطًا أمام إعادة التعليم الوجاهي، بأن يتلّقى الطلاب اللقاح، واتخذنا مؤخرًا قرارًا بمنع ركوب أي موظف في حافلات نقل الموظفين لم يتلّقاه، في محاولة لزيادة النسبة.