جذورها في التراث والأدب راسخة ... شقائــــق النعمـــان "دم الحب" الذي به يَحمرّ وجه البراري
خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
يخلط الناسُ أحيانًا بين كلٍ من أزهار شقائقِ النعمان و"الخشخاش" الحمراءِ؛ إذ تعد الأخيرة من أزهارِ الربيع في بلادِنا وتعرف علميّاً باسم الشُقار الإكليلي كما يطلق عليها اسم الحنون أو الدحنون. الاسمُ العلمي لشقائقِ النعمان Anemone coronaria وهي من أزهارِ الشتاء التي يبدأ تفتحُها في شهرِ يناير/ كانونِ الثاني، وتستمرُ لمطلع فصلِ الربيع في شهرِ مارس/ آذار، ويغلبُ عليها اللونُ الأحمر، ويمكن أنْ تتواجد بعدةِ ألوانٍ من بينها البنفسجي والأبيض، وتتميزْ أزهارُ شقائقِ النعمان أنّها تتفتحُ مع بدايةِ الصباح وتغلقُ بتلاتِها بدايةِ المساء، وتكونُ سبلاتُها بعيدة عن كأسِ الزهرة على حاملِ الزهرة ". ترتبط الكثير من مكوّنات الطبيعة في فلسطين وعلى رأسها النباتات بالموروثِ الثقافي والشعبي على الصعيد الاجتماعي والسياسي، ولم يأتِ عبثاً الربط بين لونِ دماءِ الشهداء وحمرةِ شقائقِ النعمان القانية، مما أوجد لهذه الزهرة مكانةً عظيمة في القلوب من ناحية الشكلِ واللونِ والعلاج.
|
 |
| شقائق النعمان بالوانها الأربعة في غابات قرية مسلية قضاء جنين- خالد أبو علي |
لو أن شقائق النعمان قَنعت بالبَتلات الحمراء لكفاها، لكن ألوانها طموحة، تتدرج بدءاً بالأحمر الناري ومروراً بالبنفسجي والزهري والأبيض والقرمزي والقرنفلي وليس انتهاءً بالأرجواني؛ وقد تتحد ألوان الطيف في هذه الزهرة البرية.
تلك السجادة الفاتنة لا يمكن أن نراها وحيدة، لذلك أُطلق عليها اسم جمعٍ " شقائق النعمان".
تحل ببركتّها على الحقول، وتشدُ الأبصارَ عن الدروب، وحين نراها يتدفق بداخلنا إحساسِ محيّر، ربما هو استشعار لقيمة الرمز في الأساطير.
تمتد لمسافات شاسعة على شكلِ إضماماتٍ متجمعة في أجماتٍ كبيرة وخاصة في الأرضِ البور التي ارتوت بالمطر.
وجهُ البراري يتورد بحضورها ويصبح جاهزاً للغزل، وحين تفترش السهول بها سرعان ما نتذكر أبيات "شاعر الجرح الفلسطيني" محمود درويش:
نزَف الحبيبُ شقائقَ النُّعْمان
أَرضُ الأرجوان تلألأتْ بجروحِهِ،
أُولى أَغانيها: دَمُ الحُبُّ الذي سفكته آلهةٌ،
وآخرُها دَمٌ...
يا شعبَ كَنْعَانَ احتفلْ
بربيع أَرضك، واشتعلْ
كزهورها، يا شعب كنعان المُجَرَّدَ من
سلاحك، واكتملْ!
 |
 |
| زهرة الخشخاش الحمراء في جبال قرية بيت قاد قضاء جنين- خالد أبو علي |
شقائق النعمان بلونها الأحمر في سهول مدينة جنين- خالد أبو علي |
شقائق النعمان وزهرة الخشخاش
يقول الخبيرِ البيئي خالد حمودة لـمراسل "آفاق البيئة": "يرى علماءُ النبات أنّ زهرةَ شقائق النعمان نبتةٌ بدائيةٌ في عائلةِ الشقاريات لعدةِ أسبابٍ أبرزها أن أزهارها تظهر بأربعةِ ألوانٍ وهذه صفة وراثية لـلجينِ الحاملِ للونِ أوراقِ التُوَيج، كما أنّها لا تحافظُ على عددٍ ثابتٍ لأوراقِ التُويج أو البتلات، فقد نجد عدداً يتراوح بين 5-7 أوراق أو تزيد؛ إضافةً إلى أنّه لا يوجدُ لها أوراقُ كأس".

توثيق شقائق النعمان في غابات قرية مسلية قضاء جنين - خالد أبو علي
ويختلط الأمر على بعض الناس أحياناً، فلا يستطيعون التمييز بين أزهار شقائقِ النعمان و"الخشخاش الحمراء"ِ إذ تُعد الأخيرة من أزهارِ الربيع في بلادِنا وتعرف علميّاً باسم الشُقار الإكليلي، كما يطلق عليها اسم الحنون أو الدحنون.
ويوضح وجه الاختلاف؛ الباحث البيئي أحمد العمري قائلاً "الاسمُ العلمي لشقائقِ النعمان Anemone coronaria وتنتمي لفصيلةِ الحوذانية Ranunculaceae وهي من أزهارِ الشتاء التي يبدأ تفتحُها في شهرِ يناير/ كانونِ الثاني، وتستمرُ حتى قدوم فصلِ الربيع في شهرِ مارس/ آذار، ويغلبُ عليها اللون الأحمر، ويمكن أنْ تتواجد بعدةِ ألوانٍ من بينها البنفسجي والأبيض، وتتميزْ أزهارُ شقائقِ النعمان أنّها تتفتحُ مع بدايةِ الصباح وتغلقُ بتلاتِها مع بدايةِ المساء، وتكونُ سبلاتها بعيدة عن كأسِ الزهرة على حاملِ الزهرة ".
ويضيفُ العمري: "يوجد أيضًا عدةُ أصنافٍ في فلسطين من العائلةِ الحوذانية، ومنها زهرةُ البرقوق (الشقيق) Ranunculus asiaticus، بلونيها الأحمرِ والأصفر، وهي من أزهارِ الربيع؛ إذ تتفتح أزهارُها في أواخر فبراير/ شباط وحتى مطلع مايو/ آيار، ويمكن تميّز الأزهار بوجودِ السبلاتِ أسفل الزهرة في منطقة الكأس".
أما زهرةُ الخشخاش متل Papaver carmeli، يقول عنها "تنمو عدة أصنافٍ منها في فلسطين، وفي غالبيتِها زهورٌ حمراء تنتشرُ في كامل فلسطين وتنتمي للعائلةِ الخشخاشية Papaveraceae وتعد من أزهارِ الربيع، فيبدأ تفتحُ أزهارِها في نهايةِ شهر فبراير/ شباط في بعضِ المناطق، ويستمرُ حتى نهايةِ شهر مايو/ آيار، وتسقطُ سبلاتُ أزهارِها بعد تفتحِها مباشرة".
في "خمسينيةِ الشتاء" التي تمر بنا هذه الأيام، شاهدنا شقائقَ النعمان تزين أطرافَ الطرق والحقول وتتفتح بين أشجار الزيتون بألوانِها المبهرة والمتدرجة في ظهورِ لافت، ولحسن الحظ أنها سنة خير انهمرت فيها السماء على أرضِنا بالمطرِ الغزير.
تَواصلنا مع لارا وماندي سرداح، وهما توأم فلسطيني من قطاعِ غزة كان لهما بصمة في توثيقِ الحياةِ البرية والتنوعِ الحيوي في قطاعِ غزة، عبر نقل الجمال للمتابعين على مواقعِ التواصلِ الاجتماعي داخل غزة وخارجها.
وفي حديث معهما قالتا: "إيذاناً بدخول فصل الربيع نلاحظ أن دروبَنا تصير مشرقة عندما نرى شقائق النعمان ينعش الحقول، حتى الآمال تغدو ملونة بالحبِ والجمال".
ويضيفُ التوأمُ الذوّاق: " في قطاع غزة نرى اللون الأحمر فقط لهذه الزهور، ويا للأسف بدأت تتناقصُ أعدادُها تدريجيًا نتيجةَ التوسّعِ العمراني والعابثين في الطبيعة ".
وتخبرانا أن شرق وادي غزة وعلى وجه التحديد في حي الزيتون، يتزين يشقائق النعمان؛ بالإضافة إلى منطقتي القرارة وخزاعة في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة.
 |
 |
| شقائق النعمان بلونها البنفسجي في جبال قرية مسلية قضاء جنين - خالد أبو علي |
شقائق النعمان بلونيها الأحمر والأبيض في جبال عين قينيا قضاء رام الله- خالد أبو علي |
حضورها في الأدب
شقائقُ النعمان "مكانتها محفوظة" في الأدبِ العربي، بل أنها نالت أيضاً حظًا وافرًا في الحديث عنها لدى الأدبِ العالمي، وتحتفي بها الكثير من الأشعارِ والقصصِ والحكايا الشعبية في بلاد الشام؛ وفي الحضارة العربية سُجلّت نباتاً له جذوره التاريخية والثقافية في معظم مناطقِ سوريا ولبنان وفلسطين والأردن وباديةِ الشام.
تلك الزهرة البرية لها مدلولاتٌ كثيرة ورموز غنية تغنّى بها الرواةُ في قصصِهم والشعراء في قصائدهم؛ والأمثلة كثيرة لو تمعنّا في التراثِ العربي وقصصِه الشعبية.
الشاعر إيليا أبو ماضي تغزّل بها قائلًا: "
لمّا رأيت الوردَ في خدّيك وشقائقَ النعمان في شفتيك
وعلى جبينك مثل قطراتِ النّدى
والنرجس الوسنان في عينيك
ونشقت من فوديك ندّا عاطرا".
ويقول الشاعر إسحق شيلمون: "تغارُ شقائقُ النعمان من روعةِ جمالك حين تلامسُ ريحَ الربيعِ ندى شفتيكِ".
 |
 |
| شقائق النعمان بلونها الأبيض في غابات قرية مسلية قضاء جنين- خالد أبو علي |
شقائق النعمان بلونها الزهري في غابات قرية مسلية قضاء جنين- خالد أبو علي |
"قلبي مزّهِر مِثل الشقايق"
من المثير للاهتمام أن مكوّنات الطبيعة في فلسطين وعلى رأسها النباتات ترتبط بالموروثِ الثقافي الشعبي على الصعيد الاجتماعي والسياسي، ولم يأتِ عبثاً الربط بين لونِ دماءِ الشهداء وحمرةِ شقائقِ النعمان القانية، ما أوجد لهذه الزهرة مكانةً عظيمة في القلوب من ناحية الشكلِ واللون والعلاج.
سألنا د. رولا جاد الله الأستاذ المساعد في الجامعة العربية الأميركية عما ترمز إليه شقائقُ النعمان، فقالت: "في أشعار الغزلِ والجمال والحب، ترمزُ إلى الشوقِ وانتظارِ المحبوب، وفي تراثِنا الشعبي نجد الحنّون وشقائق النعمان حاضرين في الوصفِ والتشبيه، فيقال: "وجهه أحمرُ مثل الحنون". ومن ذلك ما في الدلعونا الشعبية من أبياتٍ تصف المحبوبَ والشوقَ له "قلبي مزهر مثل الشقايق".
وقولهم "على دَلعونا وشو هالصبية والخد لَحمر حنّونة برية".. وفي مقام آخر "أتمنى من الله تصيري جارتنا ويطلع الحنون في البساتينا".
عن سبب التسمية
قيل إن زهرةَ شقائق النعمان ارتبطت بأسطورةِ أدونيس، وتموز في البابلية، وعشتار عند البابليين، وعند اليونان أفروديت، وعند الرومان فينوس، ارتباطاً وثيقاً؛ لأنها نبتت من دمِه وأخذت لونَها منه.
وعن القصصَ التاريخية والأساطير حول هذه الزهرة الرقيقة، قالت د. فيفيان حنّا الشويري أستاذة الآثارِ واللغاتِ القديمة في الجامعةِ اللبنانية: "تحكي الأسطورة أن قصةَ حبٍ نشأت بين أدونيس وعشتار التي أخذت تسدي النصائحَ له بألا يأمنَ الحيواناتِ التي تعترضه، وخصوصاً التي زودتّها الطبيعةُ بقوةٍ خارقة، لكنَّ شجاعةَ أدونيس ما كانت لتوقفُها تحذيراتُ حبيبته؛ إذ رأى خنزيراً برّياً فطعنه برمحه، إلا أنه نزع الرمحَ الدامي، وركضَ خلف أدونيس الذي فرّ مذعوراً باحثاً عن ملجأ إلى أن ظفِر به الخنزير، فعضّه في فخذه عضّةً دوّت معها صيحاتُ أدونيس في الأجواء، فوصلت أنّاته إلى عشتار التي عادت إليه مسرعة، ثم رأته مضرّجاً بدمائِه، وراحت تلومُ الأقدار، قائلة: سوف يبقى أدونيس ذكرى حزنٍ بالغِ للأبد، وسوف يذكّر كلّ عامٍ مشهدُ موتك بما كان فيه من نواحي عليك، ولتنبثقن زهرةٌ من دمائِك.
وبحسب رواية د. الشويري، فإن رحيقَ زهرةٍ جميلة صُبّت على دمه، ولم يكد يمس دمَه حتى أخذ يغلي ويفور وتصاعدت منه فقاعاتٌ صافية، وبعد ساعاتٍ ظهرت زهرةٌ بلونِ الدم، هي شقائقِ النعمان، لكنّها رقيقة واهية الساق تعصفُ بها الرياحُ ولا تدوم متعتها إلا مدةً محدودة.
ومن هذه الأسطورة نستدل على معنى التسمية، والكلام لأستاذة الآثار؛ فأصلُ كلمةِ النعمان هي "النحمان"؛ وتعني القائم من الموت، والإبدالُ من الحاءِ إلى العين شائعٌ في اللغة العربية، وفي السريانية "نحم" بمعنى "بُعث حيًّا".
ومن الواضح تضارب الأحاديث بشأن أسبابُ تسميتِها بـ"شقائقِ النعمان"، إلا أن هناك إجماع بأن اسمها له علاقة بــ "النعمان بن المنذر"، ويحكى أنه أثناءَ حروبِه ضدّ "كسرى" في معاركِ الروم والفرس، نمت زهرة على بقعةِ الأرض التي قُتل فيها "النعمان بن المنذر" بعد مرور الفيلِ -بأمرٍ من "كسرى"- على جسدِه، ومنهم من تحدّث عن ظهورِها بعد معاركَ ضارية لـ "النعمان بن المنذر" من شدة سفكِ الدماء بتلك المعارك، وقال آخرون بأنّ "النعمان بن المنذر" أطلق عليها الاسمَ نسبةً له، عندما شاهدَها في الحقولِ المطلّة على شرفةِ قصرِه، وأمر بزراعتِها ومنع قطافِها .
وأيًا كانت الروايات، تبقى شقيقةُ النعمان الزهرة الساحرة محطَ الأنظارِ في كلِّ مكان.