خاص بآفاق البيئة والتنمية
يمضي كانون ثاني دون مطر، وهذا يعني أن أكثر من أربعين يوماً جافا مر من موسم الشتاء (منذ اعتدال 22 كانون الأول)، فيما تشير التوقعات الجوية إلى استمرار انحباس المطر حتى أوائل شباط. بل إن مصادر الأرصاد المحلية والعربية تقول بأن كانون ثاني الحالي يعتبر الأكثر جفافا في تاريخ السجلات المناخية (في فلسطين وسائر بلاد الشام) منذ العام 1855 وحتى 2014.
والغريب والمثير للدهشة، أن كثيرين يظنون أن العاصفة الثلجية الشهيرة (أليكسا)، التي ضربت فلسطين والمنطقة، قد وقعت في الشتاء، مع أنها كانت في الحادي عشر من كانون أول( قبل عشرة أيام من الاعتدال الشتوي)، والأغرب من الإجابات التي جمعتها(آفاق البيئة والتنمية) في يوم الـ 11 من كانون الثاني( المشمس) لعيّنةٍ من 30 مواطناً ومواطنة حول سؤال وحيد: كيف تشعرون بالطقس اليوم؟، أن 22 أجابوا بأن الجو مثالي للرحلات وغسل الملابس وتنظيف السجاد، وبخاصة لوجود عطلة السبت. ولم يشعر هؤلاء بالشتاء الجاف، وأربعينية الشتاء المتعطشة للمطر. كما لم ينتبهوا للأرض العطشى، ونباتاتها الغائبة أو الخجولة!
 |
| أرض فلسطينة عطشى في أواخر كانون ثاني |
صورة مقلقة
وحين تشرح لهؤلاء الصورة المقلقلة للشتاء الحالي، والتوزيع غير الجيد للأمطار، وانحباسها، ومحليتها ( سقوطها في منطقة وعدم هطولها في منطقة أخرى لا تبتعد كثيراً عن الأولى مسافات قصيرة)، يقولون إن الشتاء الحالي جيد ووفير، وبخاصة بأن الثلوج هطلت في نابلس والخليل والقدس وبيت لحم والخليل ورام الله.
ومع أن الكثير من مواقع الطقس وتنبؤاتها، كانت قد تناقلت إشاعات قبل الشتاء، مفادها، أن موسم المطر الحالي سيكون الأبرد منذ قرن( وفق دوائر الأرصاد الروسية والألمانية!)، إلا أن الشتاء الحالي بدأ بدخول مرحلة حرجة (العام الماضي للمقارنة فقط، شهدت بدايات كانون الثاني، عاصفة مطرية، أدت إلى تشكل فيضانات كبيرة، وغرقت الكثير من المنازل، وجرفت العديد من الطرقات، فيما قضى ثلاثة مواطنين غرقا بفعل السيول).
سجل مطري
برصد مواسم المطر في منطقة مثل جنين على مدار 82 سنة، نجد التذبذب الواضح في الهطول من سنة لأخرى، وبشكل واضح ولافت. فمثلا، كان الشتاء عام 1927 بالميلميترات 598، وبعد عام واحد تراجع إلى 429، وفي سنة 1929 بلغت الكمية 788، ولكن في عام 1932 تراوح المعدل 329 ميليمتراً. أما عام 1945 فكان 717 مليمتراَ، وعام 1947 انخفض إلى 253 ميليمترا فقط. بينما ارتفع عام 1950 إلى 722 ليتراجع بعد عام واحد إلى 215 ميليمتيراً، وفي عام 1960 كان الشتاء 261 ميليمتيراً، ليزيد عام 1961 بنحو 425 ميليمتيراً. فيما كانت الهطولات عام 1979 بمعدل 289 ميليمتيراً زادت عام 1980 إلى 700 ميليمتيراً، وعام 1991 هطلت الأمطار بنحو 400 ميليمتيراً، لترتفع برقم قياسي عام 1992 إلى 1037 ميليمتيراً، أما عام 1998 فكان المجموع التراكمي للأمطار 535 ميليمتيراً، وبعد عام واحد قلت النسبة إلى 256 ميليمتراً.
ترقّب
في حقول مرج ابن عامر المهددة بالزحف الإسمنتي وسهل عرابة، يطغى اللون الأحمر على الأراضي الزراعية، فيما تكافح بعض حقول القمح للبقاء بعد أكثر من شهر بسبب انحباس المطر.
يقول المزارع زيدان الحاج يوسف: دفعتنا الحالة الجوية الغريبة إلى ري محصول اللفت في الثلث الأول من كانون الثاني، ولا ندري ما الذي يحمله المستقبل لنا هذا الموسم، ولا قدر الله واستمر الحال على ما هو عليه، سيكون الموسم الزراعي مهدداً، ولن نجد الماء لريه.
ويلاحظ الفلاحون تغير لون القمح الذي زُرع مبكرا؛ بسبب تأخر المطر، وانتشار فئران الحقول، فيما اختفت كما يؤكد المزارع "علاء خلف" مظاهر نمو النباتات المعهودة كالخبيزة والخردل والخرفيش وغيرها، هذا العام.
ويخشى المزارعون من سنة قاسية، إذا انتهت أربعينية الشتاء، التي تصل خط النهاية في 31 كانون الثاني، أو استمر حال خمسينية الشتاء، على هذا النحو، فإن صيف 2014 سيكون ساخناً جداً.
وتستذكر الثمانينية فاطمة الشيخ، مواصفات سنة المحل( بعضهم يطلق عليها القحط، أو الرمادة، الجدب)، التي عاشتها في طفولتها( قد يكون حديثها عن عام 1947، حيث لم يتجاوز المطر حاجز 253 ميليمتراً): في تلك السنة، لم يحصد الناس القمح، ولم نأكل من أعشاب الأرض إلا الأصيبعة( وهي نبات يمتد على الأرض، ويعطي ثماراً تشبه الأصابع، بداخلها بعض الكرات الصغيرة)، وبعض اللوز الأخضر، وفي ذلك العام عطش الناس كثيراً، ولم تعط المزروعات الصيفية محصولاً.
أرض فلسطينية عطشى
تهويل
يقول يوسف عبد العزيز: تخلق نشرات الأحوال الجوية حالة رعب وهلع، وتظهر إذا ما اقتربت من بلادنا منخفضات جوية عادية، أن الأمر يدور حول كارثة كبرى، لن تترك شيئا إلا ودمرته. والأغرب أن البعض يتمنى أن لا تمطر الدنيا، وأن لا تضربنا أحوال تتدنى فيها درجات الحرارة.
ووفق عبد العزيز، فإنه فتح حواراً مع شاب عشريني، عن سبب كرهه للمطر والشتاء، فقال له: نريد الشمس والصيف دائماً، فالأجواء أجمل. وحينما سأله عن الطريقة التي يمكن خلالها الحصول على الماء للشرب، في تلك الحالة، أجابه: نشتري المياه المعدنية من الأسواق!
يضيف: تتحمل وسائل الإعلام المسؤولية في طريقة حديثها عن المنخفضات الجوية، فلا أظن أن طريقة عرضها تناسب الحديث عن نعمة وعنصر من أساسيات حياتنا. ولو قارنا كيفية تقديم نشرات أخبار في دول العالم ببلادنا، سنجد الفرق، ولن نجد صناعة للهلع.
 |
 |
| أرض مشققة وجافة في أواخر كانون ثاني |
حقول عطشى في جنين |
 |
 |
| عطش في كانون ثاني 2014 |
نباتات ثصارع على وجودها في كانون ثاني |