الأزمات البيئية في غزة.. تركة ثقيلة ملقاة على عاتق الحكومة
|
السنوات العشر الماضية شكلت عبئًا بشريًا ضاغطًا على الموارد البيئية الشحيحة والمتهالكة أصلا في قطاع غزة، مع وصول عدد السكان إلى مليوني و100 ألف نسمة بما معدله 5500 مواطن يقيمون في الكيلو متر المربع الواحد، وهو ما جعل قطاع غزة من ضمن المناطق الأكثر ازدحاما في العالم. القطاع البيئي في قطاع غزة يعد من أبرز القطاعات تضررًا جراء الحصار والاعتداءات الإسرائيلية المتتالية. 95% من المياه غير صالحة للشرب، و50 مليون متر مكعب سنويًا هي طاقة الخزان الجوفي بينما حاجة السكان تقدّر بـ 250 مليونًا. 150 ألف متر مكعب (150 مليون لتر) من المياه غير المعالجة تضخ يوميًا للبيئة (البر والبحر) بسبب توقف المضخات ومحطات التحلية جراء أزمة الكهرباء. خلال عشر سنوات من عمر الحصار الإسرائيلي والانقسام السياسي الفلسطيني، ثم تجميد العديد من المشاريع النوعية التي كانت كفيلة بالنهوض بواقع القطاعات البيئية في غزة. الآمال حاليا معلقة على تمكين الحكومة الفلسطينية من بسط سيطرتها على قطاع غزة؛ ما قد يدفع الممول الخارجي لإعادة تنفيذ المشاريع المعطلة.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
 |
| العطش في غزة |
تسلمت الحكومة الفلسطينية قطاع غزة في الأول من شهر نوفمبر الحالي، ويعول عليها المواطنون الفلسطينيون بإيجاد حلول لمشكلات عالقة منذ عشر سنوات كقضايا الأمن والموظفين والصحة والتعليم، يضاف إليها من وجهة نظر خبراء في شؤون البيئة الأزمات البيئية التي تراكمت وباتت تهدد سلامة وصحة المواطنين.
ووفق الخبراء البيئيين فإن الجوانب البيئية في غزة شهدت خلال العقد الماضي تدميرًا ممنهجًا من قبل إسرائيل بفعل الحروب المتكررة، كما أن الخلافات السياسية بين غزة ورام الله أدت إلى تعطيل مشاريع ممولة من الخارج مما ساهم في تنغيص الواقع البيئي، ودفع الأمم المتحدة إلى التحذير من أن القطاع لن يصلح للسكن خلال سنوات.
أقرت رئيسة سلطة جودة البيئة المهندسة عدالة الأتيرة، بأن الأوضاع في قطاع غزة خلال الفترة الأخيرة والتي تزامنت مع تقليص السلطة الفلسطينية لنفقاتها في القطاع، قد شهدت تدهورًا، لكنها تنبه في الوقت ذاته إلى أن السلطة "لم تترك غزة".
وفي تقرير شامل يرصد واقع القطاعات المختلفة في غزة، بعد عشر سنوات من الحصار الإسرائيلي، ذكرت اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار، أن القطاع البيئي يعد من أبرز القطاعات تضررًا جراء الحصار والاعتداءات الإسرائيلية المتتالية.
وأضاف التقرير أن استهداف هذا القطاع شكل خطورة باتت تمس كل مواطن بشكل مباشر.
وبين تقرير اللجنة الشعبية الذي صدر في الربع الأخير من شهر أكتوبر الماضي، أن 95% من المياه غير صالحة للشرب، مشيرًا إلى أن 50 مليون متر مكعب سنويًا طاقة الخزان الجوفي بينما حاجة السكان تقدّر بـ 250 مليونًا.
وأضاف التقرير أن 150 ألف متر مكعب من المياه غير المعالجة تضخ يوميًا للبيئة (البر والبحر) بسبب توقف المضخات ومحطات التحلية جراء أزمة الكهرباء، ونبه إلى أن عجز الطاقة الكهربائية أثّر بشكل كبير على عدم وصول المياه لمنازل المواطنين.
ومن هذا المنطلق يرى الخبراء البيئيون الذين تحدثت إليهم مجلة "آفاق البيئة والتنمية"، أن الاهتمامات يجب أن تنصب بشكل مكثف نحو فكفكة تلك الأزمات من خلال التواصل مع الجهات المانحة لتنفيذ مشاريع، وصولًا إلى إنهاء تلك الأزمات.

بحر غزة الملوث بالمياه العادمة
الأتيرة: "يجب بسط السيطرة السياسية للحكومة لعودة الدعم الدولي للقطاع"
وتابعت المهندسة الأتيرة أن السلطة الفلسطينية لديها خطط استراتيجية واضحة لم تتخلَ عن تنفيذها في القطاع الذي كانت تديره حركة حماس خلال السنوات العشر الماضية.
وأضافت أن معظم المشاريع الاستراتيجية الموجودة في غزة هي معظمها من تنفيذ السلطة كمكبات النفايات ومحطات تحلية المياه.
لكنها أكدت أن تمكين الحكومة من بسط سيطرتها على قطاع غزة سيدفع الممول الخارجي لإعادة تنفيذ المشاريع المعطلة.
ومن هذا المنطلق شددت على أن سلطة جودة البيئة بحاجة إلى تمكين طواقمها من أجل العمل الحقيقي والفعال على الأرض، حتى يتم لمس احتياجات القطاع عن كثب.
وتشير إلى أن الحكومة والقيادة الفلسطينية يهمها بالأساس صحة الإنسان وإصلاح ما حدث خلال السنوات الماضية.

تدفق مياه المجاري في بحر غزة
تعويض دمار بيئي استمر عشر سنوات
ويؤكد رئيس قسم الهندسة البيئية في الجامعة الإسلامية بغزة الدكتور محمد المغير أن الأجواء السياسية الجديدة في الأراضي الفلسطينية بعد اتفاق المصالحة بين حركتي فتح وحماس في القاهرة في الـ 12 من أكتوبر الماضي، يجب أن تتركز حول تعويض ما فقده قطاع غزة خلال السنوات العشر الماضية.
وأشار المغير إلى أنه لمدة عشر سنوات من عمر الحصار الإسرائيلي والانقسام السياسي الفلسطيني، ثم تجميد العديد من المشاريع النوعية التي كانت كفيلة بالنهوض بواقع القطاعات البيئية في غزة.
وشدد على أن قطاعي البيئة والمياه شكلًا جزءًا كبيرًا من تدهور الوضع البيئي في غزة، إذ أن مشكلة المياه تركزت في تلوث الخزان الجوفي وعدم إمكانية توصيل المياه ذات النوعية المناسبة للشرب للمواطنين.
وبالنسبة لحل هذا الملف، فيتطلب من الحكومة حلولًا عاجلة لإنهاء مشكلة أزمة الكهرباء والتي ساهمت في تأجيل أو تعطيل مشاريع ممولة من الخارج بحاجة إلى طاقة كهربائية، ومن ذلك مثلًا مشروع لتحلية مياه البحر.
كذلك نبه المغير إلى أن هناك مشاريع لها علاقة بالصرف الصحي وهي تهدد مياه البحر وتجعله ملوثًا إلى أقصى حد، كذلك أيضًا ثلوث الخزان الجوفي، المصدر الوحيد لسكان القطاع من المياه.
ولذلك يؤكد المغير أن حل مشكلة الطاقة يتجاوز إنهاء مشكلات الإنارة في بيوت المواطنين إلى حل مشكلات تلوث المياه وتدمير البيئة، وهي تلك التي عجزت الجهات الحاكمة في غزة خلال الفترة الماضية عن إيجاد حلول لها لأسباب مختلفة.
وكان قد أعلن القائم بأعمال سلطة الطاقة "ظافر ملحم" أن سلطة الطاقة أنجزت خطة عاجلة لتحسين إمدادات الكهرباء في قطاع غزة، وهي جاهزة للتنفيذ "حال تمكنت حكومة الوفاق الوطني من القيام بمهامها في غزة دون عوائق".
وبالعودة إلى تقرير اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار، أشار ملحم إلى أنه وخلال سنوات الحصار الإسرائيلي، فإن التعداد السكاني ازداد ليصل نصف مليون مواطن دون أن يرافق هذه الزيادة أي تطورٍ في الخدمات كافة، بل تضررت الخدمات باختلافها لتعقد الأمور، وطالت آثار الحصار كل السكان في المجالات المختلفة.
ويكشف التقرير عن وضع كارثي في غزة، ويستدل من ذلك أيضاً التحذيرات التي أطلقتها الأمم المتحدة مؤخرًا بأن عام 2020 ستصبح الحياة في غزة مستحيلة في حال استمر الوضع القائم.

مكبات نفايات بمحاذاة المنازل في غزة
عملية تطوير شاملة لإنقاذ الكوارث البيئية
ويصف الخبير في الشأن البيئي الدكتور أحمد حلس الوضع البيئي في القطاع بأنه "تعيس ومتهالك ومدمر بشكل كامل".
وينبه حلس إلى أن السنوات العشر الماضية شكلت عبئًا بشريًا ضاغطًا على الموارد البيئية الشحيحة والمتهالكة أصلا في غزة، مع وصول عدد السكان إلى مليوني و100 ألف نسمة بما معدله 5500 مواطن يقيمون في الكيلو متر المربع الواحد، وهو ما جعل قطاع غزة من ضمن المناطق الأكثر ازدحاما في العالم.
وبسبب ذلك ينبه حلس إلى عدم قدرة البيئة على استيعاب صدمات هذا العدد الكبير من المواطنين، ولذلك فإن الحكومة ملزمة بالقيام بعملية تطوير شاملة تواكب هذا النمو السكاني المطرد.
وذكر حلس أن غياب خطط التطوير الاستراتيجي على مستويات واسعة بعيدة المدى لمعالجة وتطوير وتحسين الأمور البيئية كانت مفقودة من قبل الجهات الحاكمة في غزة خلال الفترة الماضية.
وتابع حلس أن قطاع غزة وصل لمستويات خطيرة من حيث شح المياه وندرتها وتلوثها، فضلًا عن زيادة تلوث الأراضي الزراعية والتربة الخصبة وتملّح الخزان الجوفي بسبب دخول مياه البحر المتوسط إليها، كذلك القاء كميات كبيرة من المياه غير المعالجة على الشاطئ ما أدى إلى تدمير البيئة البحرية وتدهورها.
وتطرق إلى محطات معالجة المياه العادمة الخمس الموجودة في غزة، والتي لم يكتمل بناء نصفها أو تطويرها، بينما النصف الثاني يحتاج إلى إعادة بناء من جديد.
وذكر كذلك أن 30% من قطاع غزة غير موصول بشبكات الصرف الصحي أصلاً، ويستخدم المواطنون بديلًا عنها الحفر الامتصاصية التي تحوي مواد سامة تصل في النهاية إلى الخزان الجوفي "المصدر الوحيد" للمياه في غزة.
وذكر كذلك أن أكثر من 97% من مياه الخزان الجوفي غير صالحة للشرب، بل وحسب تقارير عديدة أنها غير صالحة للاستخدام الآدمي بسبب الملوحة العالية فيها، وارتفاع نسبة النترات بشكل يخالف مواصفات منظمة الصحة العالمية.
كذلك يقع على عاتق الحكومة، وفق حلس، التنبه لمشكلة انتشار محطات تحلية المياه التي تبيع المياه للمواطنين، حيث أن 70% منها غير مرخصة وتفتقر لشروط الصحة والسلامة، فضلًا عن انتشار المسابح (400 مسبح)، والتي أجريت عليها دراسات وأثبتت أن معظمها تعاني مشكلات في المعالجة والفلترة.
كذلك عرج إلى منع إسرائيل إدخال قطع الغيار اللازمة لتطوير الأداء البيئي والمائي، فضلًا عن شن حروب عنيفة مدروسة بشكل ملحوظ لتدمير البنية التحتية للقطاع.
ونبه حلس إلى منع إسرائيل أكثر من 3500 "مادة" للوصول إلى غزة وكلها لتطوير المياه والبيئة بسبب مخاوف "الاستخدام المزدوج" (مصطلح يطلق على المواد التي يمكن أن تدخل في الصناعات العسكرية)، يضاف إلى ذلك الخلاف السياسي بين غزة ورام الله وهو ما تسبب تعطيل مئات المشاريع التطويرية التي أدت إلى عزوف المستثمرين عن ضخ الأموال.
وأفصح عن مساهمة بعض المؤتمرات الدولية التي نظمّت لدعم القطاع في توفير 10 - 15 % من التبرعات المالية لتطوير المناحي البيئة والمائية في غزة، لكن الانقسام السياسي الفلسطيني والحصار الإسرائيلي حالا دون وصولها.

مكبات نفايات وسط مدينة غزة
مناخ سياسي ملائم
ولذلك مطلوب من الحكومة، وفق حلّس، تنفيذ مشاريع كبرى واستراتيجية عبر مؤتمرات دولية لجلب التمويل إذ أن غزة بحاجة ماسة إلى أموال المانحين.
وأمام هذا الواقع البيئي الذي يلقي بظلاله السلبية والخطيرة على الواقع الصحي، لفتَ حلّس إلى وجود أكثر من 14 ألف حالة سرطان في القطاع.
ونبه إلى ضرورة توفير مناخ سياسي ملائم حتى يتم إعادة تنفيذ المشاريع في غزة والتي تتطلب ملايين الدولارات.
وذكر أن الجهات الحاكمة في غزة خلال السنوات الماضية افتقرت إلى العدد الكافي من الموظفين للقيام بخدمات الجمهور والرقابة، فضلًا عن عدم تمتعها بالخبرات الكافية بسبب استنكاف الخبراء (بعد استنكاف موظفي السلطة الفلسطينية وعدم إرسال الجدد إلى الخارج للاستفادة من تجارب الدول الأخرى.
وأمام هذا الواقع على الحكومة أن تقوم باستنهاض كل الطاقات واسترجاع كل الموظفين المستنكفين ودمجهم مع الحاليين وتعيين جدد.
ونبه إلى أن الأمن البيئي والغذائي أهم من الأمن الصحي، وختم قائلًا: "إن لم تكن هناك بيئة صحية سليمة فإن الأمراض ستأكلنا. علينا أن نوفر بيئة سليمة لنا وللأجيال القادمة".