خاص بآفاق البيئة والتنمية
إشارات الاحتلال على المواقع المستهدفة في وادي قانا
تبدأ التقليعة الجديدة للاحتلال حين يصل المزارعان مقبل عوّاد وعبد العزيز عقل من بلدة دير استيا إلى حقليهما في وادي قانا، فيجدان بجوار السلاسل الحجرية إخطاراً تركه ما يسمى "الضابط لشؤون حماية الطبيعة والحدائق الوطنية"، وعنوانه " قواعد التصرف في المحمية الطبيعية (يهودا والسامرة) 5733-1972 و5734-1974".
يشمل أمر الإخلاء بيانات بترجمة ركيكة تخبر مالك السلاسل بالتالي:" بموجب صلاحياتي كمفتش لسلطة حماية الطبيعة والحدائق الوطنية في منطقة يهودا والسامرة، فإني آمرك بالخروج من المحمية الطبيعية، التي تمكث فيها بصورة غير قانونية، بالإضافة لذلك، يلزمك هذا الأمر الإخلاء بصورة فورية، سويًا مع كل غرض دخل معك إلى المحمية الطبيعية بدون تصريح من قبل السلطات، وإعادة المنطقة لسابق عهدها. وصف العائق...، عليك تنفيذ هذا الأمر، وإذا لم تنفذه كما هو مذكور أعلاه، فإنك معرض للاعتقال أو للمحاكمة ولعقوبة سجن و أو غرامة بأقسى أحكام القانون."

أطفال فلسطينيون يحاولون التمتع بينابيعهم في وادي قانا
سابقة
يلتقط رئيس وأعضاء المجلس البلدي لدير استيا الإخطار، ويفتحان نقاشًا حوله. يتصاعد من غرفة داخل البلدية دخان السجائر، ومعها مواقف عديدة من "السابقة" كما وصفها الرئيس سعيد زيدان. فيما قال العضو نظمي سلمان، إن المزارعين وجدا الأوامر وقد تجمعت عليها قطرات الندى، وبالكاد تمكنا من قراءة محتواها.
تأتي لائحة التعليقات على هذا النحو: "إنها دولة تخشى من سلاسل حجرية"، " في المرات القادمة سيوزعون أوامر إخلاء ضد دخول الطيور للمنطقة." "لا نستغرب من أي شيء يقدمون عليه، فقد رشوا في السابق أشجار الزيتون بمواد كيماوية حرقت أجزاءً منها وشوهتها؛ بحجة القضاء على نبتة سامة في الوادي".
فيما يقف الصحافي عبد القادر عقل في حقل خاله مقبل عواد، وعلى يُمنه الحجارة المهددة، ويقول: أنذورنا بهدم 70 متراً من السلاسل الحجرية، بدعوى أنها تخرب البيئة. وهي حجارة موجودة منذ عشرات السنين، وكل ما تفعله حماية التربة من الانجراف، وهذا لن يشكل في يوم من الأيام تهديدًا للبيئة.
وأضاف: "ندرك أن الهدف الأساسي هو المضايقة علينا، فلم يكتفوا باقتلاع الأشجار في الوادي، ولا تلويث الينابيع بمجاري المستوطنات، فكل تلك حجج واهية".
وقال عقل: "كانت سنة 2014 الأسوأ على مزارعي الوادي، فقد ذهبت قرابة ألفي شجرة ضحية لعمليات اقتلاع، طالت نحو 300 دونم".
وتميز السلاسل الحقول الوعرة والمنحدرات، فهي هندسة لا يستطيع أي أحد إتقانها، كما يقول مزارعو الوادي، وتحمي الأشجار والتربة، وترسم الحدود بين الجيران، وتبعد الأغنام من الرعي الجائر.

الاحتلال يستخدم ذريعة المحميات الطبيعية لاجتثاث المزارعين الفلسطينيين من أراضيهم الزراعية
مفارقات
في أرضٍ مجاورة يقف الشاب قيس عقل في أرض جده، وهي الثانية التي تتلقى سلاسلها إخطاراً، والمفارقة أن مضخات الإسمنت تعمل بكامل طاقتها في الجبل المقابل لتشييد وحدات استيطانية. يقول: "المضحك والمبكي ملاحقتهم للحجارة بدعوى حماية البيئة، واقتلاعهم للأشجار لإقامة المستوطنات."
ولا يبالي قيس بالإخطار، ويعتبره إجراءً لثني المزارعين عن الاستمرار في زراعة أرضهم، واستمراراً في نهب الوادي. لكنه يقول:" إنها مطاردة ساخنة للحجارة."
ويبتعد الوادي عن دير استيا 2 كيلو متراً، وبدأ الاستيطان بالتهامه عام 1978، فبدأت مستعمرة "كرني شمرون" تبتلع أراضي البلدة ومحيطها، ثم تفشت لتصبح القائمة ممتدة من عمانوئيل، ويا كير، ونوفيم، وجنات شمرون، ومعالي شمرون، ورفافا)، وبؤر "ألوني شيلو" و"إل متان" و"حفات يئير".

الاحتلال يستهدف بالتدمير سلاسل حجرية أنشأها الفلاحون الفلسطينيون منذ قرون لحماية أراضيهم الزراعية في وادي قانا
مطاردة
ويفاد زيدان أن حجة المحمية الطبيعية بدأت عام 1983، لتسيطر على أجزاء كبيرة من الوادي الممتد على 12 ألف دونم. فيما تغذيه 12 عيناً منها: واد المعاصر، والبنات، والتنور، والجناين والجوزة، والفوار، والبطة، أصبحت معظمها ملوثة بمجاري المستوطنات.
يقول: "حين يرى الاحتلال المتنزهين بأعداد كبيرة يفقدون صوابهم، وبعدها بوقت قصير تبدأ الإخطارات، وتنفذ ملاحقة الأشجار، ومضايقة المزارعين، واليوم يطاردون الحجارة".
ويحيط وادي قانا إضافة إلى دير استيا جينصافوط، وكفر لاقف، وسنيريا، وكفر ثلث، وقراوة بني حسان، وإماتين.
ويجلس الفتى بدر عمر منصور في جوف الوادي في يوم عطلته، ويفيد بوجه الأسمر: "هنا كل شيء ممنوع، فقبل فترة كسروا حمامات النساء، ويطاردوننا إذا ما قطفنا الميرمية، ويفرضون علينا غرامات باهظة، ولوثوا المياه بمجاريهم، ولم نعد نستطيع تناول نعناع الوادي، فكل شيء مُعرض للسموم".
يعود مزارع وزوجته من قطاف حمضيات بالوادي، فيما يلهو ثلاثة فتية في عين قريبة ويلهون بمراقبة أسماك صغيرة داخل النبع، يقول أحدهم: "يمكن بكرة يخالفونا لأننا نصطاد الحيتان، أو لأننا نلمس الماء في المحمية الطبيعية."

الاحتلال يطارد السلاسل الحجرية في وادي قانا
تهويد
في الجهة المقابلة ينتشر مستوطنون في الوادي على دراجات نارية، يقول نظمي سلمان إن الاحتلال يحضر إلى الوادي المستوطنين من مستعمرة "كريات شمونة" ويبدأ بتعليمهم أسماء النباتات والأزهار في المنطقة، ويتصرف وكأن الوادي ملكه الخاص. يُلخّص" هذا هو التهويد على أصوله".
فيما يحرص السائق أحمد إبراهيم على اصطحاب أسرته كل جمعة إلى الوادي والمناطق المحيطة به، ويبدي خوفه من ممارسات خاطئة للمزارعين تتمثل في رش المبيدات الكيماوية وحرق الأعشاب.
ويعدد إبراهيم أسماء الأشجار والنباتات في وادي قانا، فهنا: البطم، والغار، واللبيد، والبلوط، والسريس، والقيقب، والصنوبر، والحميض، والزعمطوط، والميرمية، والنعناع، والزعتر الفارسي، والزعمطوط، والنرجس، والفطر، والسلك، والعوينة، والعليق، وغيرها.
يختزل الحال بوجهٍ حزين: "إنها الجنة التي قد يأتي اليوم الذي نمنع من دخولها، بحجة أن آثار أقدامنا تخرب المحمية الطبيعية، المباحة للمستوطنات ومجاريها."