خاص بآفاق البيئة والتنمية
إن حقيقة تحمل الدول الصناعية الغربية المسؤولية الرئيسية في انبعاث الجزء الأكبر من الغازات الكربونية، وبالتالي تحملها المسؤولية الأساسية في الحد من هذه الانبعاثات – إن هذه الحقيقة لا تعني بأن الدول التي تعيش فيها شعوب فقيرة غير مطالبة بتقليص انبعاثاتها، بل إن الطبقات الاجتماعية المبذرة والمسرفة في استهلاكها، سواء في الدول الصناعية أم الفقيرة، هي التي يجب أن تدفع ثمن استهلاكها المخرب للمناخ.
ومن المثير، أن الأقلية الغنية في العالم لم تترك للأغلبية الفقيرة في الغلاف الجوي سوى حيز صغير وثمين؛ لدرجة أنه حتى لو توقفت بشكل فجائي وسحري انبعاثات الدول الصناعية؛ فإن التقليص الدراماتيكي في الانبعاثات والذي تقتضيه الأزمة المناخية، سوف يتطلب، مع ذلك، من الدول النامية، التحول إلى اقتصاديات لا كربونية (أي معتمدة على الطاقات المتجددة).
وبما أن للشعوب النامية حقا بديهيا في التنمية؛ فلا بد من إعطاء الأولوية التنموية العاجلة للمجتمعات الفقيرة وليس الغنية، وبالتالي إجراء عملية تقنين للحق في التنمية. ويمكن صياغة عملية التقنين من خلال ما يسميه بعض الخبراء "عتبة التنمية"؛ حيث لا يطلب من الأفراد الذين يقعون دون هذه العتبة تحمل عبء حل مشكلة المناخ. ويتم تعريف "عتبة التنمية" بحيث يعكس مستوى الرفاه الذي يفوق الحاجات الأساسية، ولكنه يبقى، في ذات الوقت، دون المستويات الحالية لاستهلاك الأغنياء. والمسألة الأساسية هنا، أن الناس الذين يقعون دون عتبة التنمية يتحملون القليل من المسؤولية عن مشكلة المناخ، وبالتالي يمتلكون إمكانية محدودة للاستثمار في حل هذه المشكلة. بل، تعد التنمية بالنسبة لهم أولوية من الدرجة الأولى.
ومن الناحية الأخرى، يعتبر الأفراد الذين يقعون فوق عتبة التنمية، بأنهم أنجزوا حقهم في التنمية؛ وتقع عليهم، بالتالي، مسؤولية توفير هذا الحق للآخرين. فهم لا يجب فقط أن يتحملوا تكاليف انبعاثاتهم غير المنضبطة التي يتسبب فيها استهلاكهم، بل يفترض بهم العمل على رفع أولئك المتواجدين دون عتبة التنمية إلى مستوى عتبة التنمية، ومن ثم إلى ما فوقها؛ وذلك من خلال إنتهاج مسار تنموي مستدام وقليل الانبعاثات. ولا يشكل هذا التوجه إفقاراً للفئة الواقعة فوق عتبة التنمية، بل إن الفئة الأخيرة تستطيع الالتزام بهذا النهج من خلال تقليص متواضع لاستهلاكها الكمالي.
ويقدر بعض الخبراء عتبة التنمية بـِ 9,000$ للفرد سنويا (أو 750$ شهريا). وبالرغم من أن هذا الرقم مطروح للنقاش، إلا أنه يعكس بشكل معقول المستوى الذي يتمكن عنده الفرد، وإلى حد كبير، من التغلب على العوز والفاقة؛ ليصبحعضوا في طبقة المستهلكين.
وفي عالمنا المعاصر، يمر الطريق المألوف للتحول من الفقر إلى الازدهار، عبر عملية تنموية تتضمن زيادة كبيرة في استهلاك الفرد لطاقة الوقود الأحفوري ولموارد أخرى غير متجددة. هذا الطريق تحديدا يجب أن يتوقف.
ومن الواضح، أن لا وجود لأي طريق نحو التنمية لا يحسن، إلى حد بعيد، قابلية الوصول إلى خدمات الطاقة. وهنا، تحديدا، تكمن المعضلة: لا يوجد للفقراء، بكل بساطة، "حيزٌ بيئيٌ" للتنمية عبر ذات الطريق التي سلكها الأغنياء.
إن اختفاء هذا الحيز البيئي ليس مستهجنا؛ إذ أن 15% من سكان العالم الذين يعيشون حاليا في نحو أربعين دولة دخلها مرتفع، يستخدمون نحو نصف طاقة العالم، وينتجون نحو نصف كمية ثاني أكسيد الكربون العالمية ويستهلكون نحو نصف السلع والخدمات العالمية.
الطبقات الاجتماعية المسرفة في استهلاكها تلعب دورا رئيسيا في تخريب المناخ
حق الشعوب الفقيرة في التنمية
السؤال الجوهري هو: ما هو النظام المناخي الذي يتيح انخفاضا سريعا في الانبعاثات، وفي ذات الوقت، يوفر لشعوب الجنوب ليس فقط فرصة مواصلة كفاحها ضد الفقر، بل أيضا تصعيد هذا الكفاح؟ في ظل نظام طوارئ عالمي لمكافحة التغير المناخي، ستفرض قيود صارمة على النشاط الاقتصادي المسبب لانبعاثات كربونية؛ وفي حال غياب الجهود الجدية الواضحة لتوجه تنموي قليل الانبعاثات، فستخنق الشعوب الفقيرة، بل ستحرم من حقها في التنمية.
لذا، وكي يكتب النجاح لأي نظام مناخي عالمي؛ يجب أن يتضمن الأخير بوضوح الحق في التنمية البشرية المستدامة. وبالرغم من الضغوط الهائلة الناجمة عن الأزمة المناخية؛ يجب الإعلان عن هذا الحق ومتابعة مدى التمتع به. والمقصود هنا تنمية بشرية؛ يمكننا تعريفها باعتبارها إشباعا للاحتياجات الأساسية؛ بحيث تحرر الناس من حالة عدم الاستقرار المعيشي وكابوس الفقر المدقع، وبالتالي تمنحهم فرصة الوصول إلى مستوى لائق من الأمن والرفاه. ويكمن التحدي في أن يتم ضمان الحق في هكذا تنمية؛ من خلال ربطها بتوجه طارئ لتسريع الوصول إلى اقتصاد عالمي متحرر، إلى حد بعيد، من الانبعاثات الكربونية. ولا بد من ابتكار طريقة تضمن هذا الخيار. وقد تتمثل هذه الطريقة في تحديد حصة ما من إجمالي الناتج العالمي؛ قد تتراوح بين 1 إلى 3%، بحيث تتيح عملية التحول إلى اقتصاد منخفض الانبعاثات. ولا تشكل هذه النسبة رأسمالا ضخما؛ إذ يمكن للعالم تحملها؛ وخاصة لو قورنت بالخيارات الأخرى.
وباشتراطنا التوجه التنموي السابق؛ يمكننا آنذاك التأكيد مجددا على الفرضية الأساسية القائلة بأن أي نظام مناخي فعال يجب أن يضمن الحق في تنمية بشرية مستدامة. وبخاصة، أن مفاوضي دول الجنوب يمتلكون المبررات الأخلاقية والسياسية القوية لموقفهم القائل بأن أولويتهم يجب أن تكون القضاء على الفقر وليس التخفيف من انبعاثات غازات الدفيئة. وسيواصل مفاوضو الجنوب التشديد على هذه المسألة، بالرغم من القرائن والأدلة القوية المتراكمة بأنه حتى التغيرات المناخية غير الكارثية ستؤدي هي أيضا إلى أضرار محلية كبيرة ستنسف الكثير من المكاسب التنموية التي أنجزتها المجتمعات الفقيرة.
إن نظام طوارئ عالمي كالذي طرحناه للتو؛ يتطلب تغييرات جذرية في الممارسات الزراعية واستخدامات الأراضي؛ والتي تولد نحو ثلث انبعاثات غازات الدفيئة في دول الجنوب.
استنادا إلى النقاش السابق يمكننا استنتاج ما يلي: لا تستطيع دول الشمال أن تحقق استقراراً في المناخ دون الالتزام الكامل من دول الجنوب؛ كما أن دول الجنوب لا تستطيع الوفاء بهذا الالتزام إذا ما هدد بنسف تنميتها. وهذا يعني أن الطريق الوحيد للتوصل إلى استقرار مناخي يمر عبر تحالف عالمي يحترم حق فقراء العالم في تنمية بشرية مستدامة. والمطلوب من الدول الغنية، ليس فقط إنجاز تقليص سريع وكبير في انبعاثاتها؛ بل أن تقدم كل ما يلزم لمساعدة المجتمعات الفقيرة كي تقفز نحو مستقبل متأقلم إلى حد كبير مع التغيرات المناخية ومنخفض الانبعاثات.
وفي عالم يعاني من تآكل بيئي، لا يعد الحق في التنمية مجرد الحق في النمو الاقتصادي بحد ذاته؛ بل الحق في مستوى بسيط ومحترم من الرفاه والحياة الكريمة؛ وهذا هو تحديدا تعريف عتبة التنمية. لذا؛ فالأفراد الذين يعيشون دون هذه العتبة يجب أن تعطى لهم أولوية التنمية؛ بحيث لا يتحملون أعباء مواجهة التغير المناخي؛ سواء في جانب التخفيف أم جانب التكيف. أما أولئك الذين فوق عتبة التنمية فيجب عليهم تحمل هذه الأعباء، بصرف النظر عن مكان سكنهم، سواء في الشمال أم الجنوب. وبرغم كل شيء؛ الأخيرون هم القادرون، تحديدا، على تحمل المسؤولية، باعتبارهم يتحملون حصة الأسد في الأزمة المناخية.
نظام ضرائبي عادل
استكمالا لـ الوجهة التنموية المنشودة؛ لا بد من إرساء نظام ضرائبي عادل، بحيث يفرض على الفقراء ضرائب أقل أو حتى، أحيانا، إعفائهم كليا من الرسوم الضرائبية؛ لأنه كلما كان الفرد أكثر فقرا، كلما أنفق جزءا أكبر من دخله على الاحتياجات الأساسية. وكلما كان الفرد أكثر غنى، كلما أنفق نسبة أعلى من دخله على الكماليات. لذا؛ إذا كان لا بد من جباية مبلغ ما من الدولارات؛ فالأولى والأكثر عدلا جبايته من الأفراد الذين سيفرض عليهم هذا النظام الضرائبي لتقليص استهلاكهم الكمالي؛ وليس من الأفراد الذين سيجبرهم مثل هذا النظام على تقليص استهلاك احتياجاتهم الأساسية. وبكلمات أخرى: لاستهلاك الفقراء أولوية أخلاقية أكبر من استهلاك الأغنياء.
وينسحب هذا الأمر على الدول؛ حيث إن الدول التي يقع إجمالي إنتاجها المحلي دون عتبة التنمية، فإنها، على الأرجح، تنفق على الأساسيات الضرورية مباشرة للمعيشة والتنمية، وليس على الكماليات.
انبعاثات النشاط المعيشي الأساسي وانبعاثات النشاط "الكمالي
ومن زاوية "الحق في التنمية"؛ قد تثار الأسئلة الحرجة التالية: هل جميع الانبعاثات متساوية؟ هل يجب علينا التعامل بالتساوي مع الانبعاثات الناتجة عن النشاط "المعيشي" الأساسي وتلك الناتجة عن النشاط "الكمالي"؟ هل التعامل مع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتج عن الطبخ والتدفئة، أو انبعاثات الميثان الناتج عن زراعة الأرز الذي يعتبر غذاءً أساسيا للعديد من شعوب الجنوب – هل التعامل مع هذه الانبعاثات يجب أن يكون بنفس طريقة التعامل مع ثاني أكسيد الكربون الناتج من الطائرات النفاثة أو الكلوروفلوروكربون (CFCs) الناتج من المكيفات؟ يحاجج البعض بأن التعامل مع هذه الأنماط المختلفة من الانبعاثات يجب ألا يكون متساويا؛ باعتبار أن الأنماط المختلفة من الانبعاثات ذات طبيعة مختلفة أساسا؛ بمعنى أن الانبعاثات الناتجة عن النشاطات المعيشية الحيوية لا تتضمن أي مسؤولية؛ بينما تتضمن الانبعاثات الناتجة عن النشاطات الكمالية مثل هذه المسؤولية. وتنبع أهمية الاعتراف بهذا التمييز من أنه جزء أساسي من أي إطار للمشاركة في تحمل المسؤوليات، بهدف حماية الحق في التنمية.
إن التمايزات الاقتصادية الكبيرة الموجودة داخل الشعب الواحد، تقتضي التعامل مع المسؤولية بحيث يتم الاعتراف بالحق في التنمية باعتباره حقا للأفراد وليس للدول. إذ حتى في الدول الفقيرة التي لديها مستويات إجمالية متدنية من الاستهلاك والانبعاثات للفرد؛ يوجد مواطنون ينتمون إلى طبقة المستهلكين مرتفعة الانبعاثات. ومثل هذه الانبعاثات يجب احتسابها ضمن مسؤولية الدولة والتزاماتها.
إذن، يفترض ألا تكون التزامات وطنية ناتجة عن نشاطات الأفراد الاقتصادية ذوي مستويات التنمية المتدنية، من حيث الثروة أو الانبعاثات. أما الأفراد الذين يتجاوزون عتبة التنمية ويصبحون جزءا من الطبقة الاستهلاكية؛ فيجب عندها أن تؤثر نشاطاتهم على التزامات دولتهم.
الانبعاثات تتناسب طرديا مع الاستهلاك
استنادا إلى ما ورد؛ يجب أن تبقى الفرضية التالية ماثلة أمامنا: الانبعاثات الناتجة في دولة ما تتناسب طرديا مع الاستهلاك الذي يتناسب بدوره طرديا مع الدخل. لكن؛ ليس بالضرورة أن تكون مسؤولية الدول الغنية أكبر، وفي الدول الأكثر فقرا صفرا. إذ يوجد أيضا اختلافات هامة بين الدول ذات الدخل المتساوي. فلبعض الدول الغنية انبعاثات أقل بكثير من الدول الغنية الأخرى. وهذا ما ينطبق، على سبيل المثال، على بريطانيا واليابان، من ناحية، والولايات المتحدة، من ناحية أخرى. كما أن لبعض الدول الفقيرة انبعاثات أعلى بكثير من الدول الأخرى (روسيا والمكسيك، مثلا).
والسؤال هو: كيف ستدفع الدول، عمليا، فواتير التزاماتها، أو كيف ستوجه دفعاتها باتجاه أهدافها؟ يمكن تصور بضع آليات لطرق الدفع؛ مثل رسوم مختلفة، ضرائب كربونية وضرائب تصاعدية على الدخل و / أو الاستهلاك.
وتعد الموازنات العسكرية مجالا جيدا للمقارنات. وعلى سبيل المثال؛ لا تقل موازنة الولايات المتحدة العسكرية عن 500 مليار دولار سنويا؛ أو ثلث الموازنة الفدرالية الأميركية الإجمالية. بينما تبلغ الموازنة العسكرية الرسمية لبريطانيا 51 مليار دولار سنويا. أما الصين فتقدر بـ 188 مليار دولار، والهند 114.