خاص بآفاق البيئة والتنمية
تعد إسرائيل متخلفة في مجال استغلال الطاقات المتجددة، بالمقارنة مع الدول الصناعية المتقدمة؛ ففي الوقت الذي نصبت أمامها هدف إنتاج 5% من الكهرباء من الطاقة المتجددة حتى عام 2013؛ فإنها لا تزال تولد من الطاقات المتجددة أقل من 2% من الاستهلاك الإسرائيلي الحالي للكهرباء.
معظم الطاقة الإسرائيلية يتم إنتاجها من الفحم، علما أن استخدام الغاز الطبيعي آخذ في الازدياد. وبالرغم من كونها قوة نووية عالمية، لا تزال إسرائيل تولد معظم طاقتها الكهربائية بطرق بدائية قديمة وخطيرة وملوثة جدا للبيئة الفلسطينية، وتحديدا من الفحم الذي يحرق لتوليد الكهرباء.
لذا، وبمناسبة الاقتراب من مؤتمر المناخ العالمي الذي سيعقد في باريس خلال شهر ديسمبر القادم، قدمت مؤخرا وزارة البيئة في "إسرائيل" للحكومة الإسرائيلية مشروع قرار حدد ما سمي بالهدف "القومي" الإسرائيلي لتقليل انبعاث غازات الدفيئة. وتضمن المشروع زيادة كبيرة في مدى استعمال الطاقات المتجددة. كما يبحث الإسرائيليون حاليا مسألة إنتاج الكهرباء من الطاقة النووية.
مشروع القرار المذكور قدم للحكومة الإسرائيلية على ضوء أن عشية انعقاد المؤتمر المناخي العالمي، كان يفترض بدول العالم أن تقدم، حتى نهاية أيلول الماضي، أهدافها الوطنية لخفض انبعاث غازات الدفيئة. وبحسب المشروع فإن هدف "إسرائيل" هو الوصول في عام 2030 إلى انبعاث سنوي مقداره 78 مليون طن من غازات الدفيئة؛ قياسا بـ 72 مليون طن عام 2005. أي بزيادة 6 مليون طن تعتبرها "إسرائيل" زيادة "معتدلة" ناتجة عن التدخل الحكومي.
يتضمن المشروع الإسرائيلي وسائل لترشيد استهلاك الكهرباء وزيادة الكفاءة، بهدف خفض إنتاج الكهرباء بنسبة 18%، حتى عام 2030، قياسا بالإنتاج المتوقع دون تدخل. هذا إضافة إلى هدف الوصول إلى مستوى إنتاج كهربائي من الطاقات المتجددة (الشمس والرياح) بما لا يقل عن 15% من استهلاك الكهرباء عام 2025، وما لا يقل عن 22% من استهلاك الكهرباء عام 2030.
مشروع القرار الإسرائيلي يطلب من الحكومة بأن تكافئ المنشآت التجارية والصناعية التي تستثمر في مجال كفاءة الطاقة، وبأن توفر حوافز للمباني الخضراء الموفرة للطاقة. والهدف من ذلك هو تشييد نصف المباني الجديدة خلال العقدين القادمين وفقا لمعايير المباني الخضراء الموفرة للطاقة. حتى الآن لا يتجاوز عدد المباني التي بنيت في "إسرائيل" بهذه الطريقة بضع عشرات فقط.
من ناحيتهما، تدرس وزارتا الداخلية والبنى التحتية الإسرائيليتين سيناريوهات أخرى لتخطيط قطاع الطاقة؛ بما في ذلك الاستخدام الواسع للطاقة النووية، يصل حتى عام 2050 إلى أكثر من 20% من إجمالي إنتاج الكهرباء في "إسرائيل". وكما يبدو، ستقام منشآت توليد الكهرباء من الطاقة النووية في صحراء النقب. إلا أنه، كي تتمكن "إسرائيل" من استخدام الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء، يفترض أن توقع على المعاهدة الدولية لمنع انتشار السلاح النووي، والاتفاقات الخاصة بالاستخدامات غير العسكرية للطاقة النووية.
المخزون الذري العسكري والتعاون النووي الإسرائيلي-العربي "السلمي"
في سياق تسويق تقنياتها وخبراتها النووية، طرحت "إسرائيل" منذ عام 2010 توجهها لبناء محطة نووية بالتعاون مع بعض الأنظمة العربية تحت شعار أن "المجال النووي يمكن أن يكون قطاعا للتعاون الإقليمي بهدف التشجيع على السلام". وفي عام 2010 تحدث عوزي لانداو (وزير البنى التحتية في حينه) عن إمكانية "التعاون الإقليمي" مع الأردن لإنشاء مفاعل نووي مدني، بمساعدة التكنولوجيا والرقابة الفرنسيتين. إلا أن الأردن نفى التصريحات الإسرائيلية عن مشروع نووي مشترك، وقال بأن لا تعاون نوويا مع "إسرائيل" قبل "حل الصراع العربي- الإسرائيلي".
مزاعم "إسرائيل" حول تحركاتها النووية "السلمية" تكذبها حقيقة أنها لم توقع على معاهدة الحد من الانتشار النووي، وأعلنت أنها لن تنضم أيضا إلى "شرق أوسط منزوع السلاح النووي"؛ كما لم تعترف بحيازة ترسانة نووية، إلا أن خبراء أجانب يؤكدون بأن الدولة العبرية تمتلك مئات الرؤوس النووية والصواريخ بعيدة المدى.
مصادر عالمية متعددة كشفت بأن إسرائيل تعتبر حاليا قوة نووية عسكرية. وطالما لم توقع "إسرائيل" على المعاهدة الدولية لمنع انتشار السلاح النووي، فسيكون من الصعوبة بمكان على إسرائيل أن تقيم محطة طاقة نووية مدنية؛ ذلك أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لن تدعم "إسرائيل" في المجالين التكنولوجي والتمويلي، كما أن ضغوطا كبيرة قد تمارس على الشركات المنتجة للمفاعلات الذرية لئلا تزود إسرائيل بالمعدات اللازمة، قبل أن تبدي الأخيرة شفافية كاملة في كل ما يتعلق بقدراتها النووية.
المفاعل الذري الإسرائيلي في ديمونا بصحراء النقب
فن التضليل
رغم أن إنتاج الكهرباء من الطاقة النووية لايؤدي إلى انبعاث غازات الدفيئة، إلا أن الأمر المخيف في إنشاء مفاعلات نووية هو احتمالية حدوث خلل فني وتسربات إشعاعية، فضلا عن مشكلة التخلص من النفايات النووية.
أنصار المفاعلات النووية يزعمون بأن تحسنا كبيرا في جانب الآمان والسلامة قد طرأ في السنوات الأخيرة على المفاعلات الحديثة؛ إلا أنهم حينما يتحدثون عن التكنولوجيا النووية الآمنة يضللون الجمهور؛ لأن الحوادث النووية الخطيرة التي يتم إخفاؤها عن الجمهور لا تزال تحدث فعليا كل عام.
زلزال اليابان عام 2011 ومن قبله كارثة تشرنوبيل النووية عام 1986، أثبتا بأن الصناعة النووية خطرة ومدمرة للبشرية؛ ورغم ذلك تواصل هذه الصناعة تضليل الناس، بادعائها أن لا شيء يمكن أن يؤذي المفاعلات النووية أو يشوش عملها أو يشكل خطرا عليها. المفاعلات الذرية لا تزال تشكل خطرا كبيرا على البشرية؛ سواء نتيجة كارثة طبيعية، أو هجوم متعمد أو خطأ فني بشري. وفي جميع الحالات تعد التكلفة والخسائر البشرية والمادية أكبر بكثير من القدرات البشرية على تحملها.
والجدير بالذكر أن العواقب المدمرة التي قد تنجم عن المفاعلات الذرية لا علاقة لها بكون المفاعلات مدنية أم عسكرية؛ إذ أن المفاعلات الذرية اليابانية الأربعة التي انفجرت إثر الزلزال كانت تستخدم لأغراض مدنية، وتحديدا لتوليد الطاقة الكهربائية. وفي كلا الاستعمالين، المدني والعسكري، فإن الأضرار تنجم أساسا عن التسرب الإشعاعي ذاته.
النفاق السياسي لحركات البيئة في "إسرائيل"
ما يسمى الحركات البيئية في إسرائيل (مثل "المنتدى الإسرائيلي للطاقة"، "غرين بيس"، "الاتجاه الأخضر" و"الحياة والبيئة" التي تعد مظلة تنظيمية تنضوي تحتها المنظمات البيئية في إسرائيل) تمارس نفاقها السياسي والأيديولوجي البيئي، من خلال ادعائها بأنها قلقة من نية الحكومة الإسرائيلية إنشاء محطة طاقة نووية لإنتاج الكهرباء؛ علما أن تحالفا عسكريا أميركيا-إسرائيليا-غربيا-عربيا خليجيا كان، قبل توقيع الاتفاق النووي الأخير مع إيران- كان يدق طبول الحرب ضد إيران التي يعمل علماؤها وخبراؤها على إنتاج الكهرباء من الطاقة النووية أيضا؛ وهي، أي إيران، لا تملك صفرا بالمائة مما تملكه إسرائيل من سلاح نووي مدمر.
وفي المقابل، لم تبد تلك الحركات البيئية تخوفاتها إزاء المخزون النووي العسكري الإسرائيلي المخيف، ولم تحرك ساكنا ضد الترسانة النووية الإسرائيلية العسكرية المرعبة التي تشكل تهديدا وجوديا ليس فقط على مجرد الوجود الفيزيائي البشري للشعوب العربية والإسلامية في المنطقة؛ بل أيضا على جميع أشكال الحياة البرية والنباتية والحيوانية والبحرية.
وفي كل الأحوال، يتمثل الجانب الأهم المثير للمخاوف الجدية في النشاط النووي الإسرائيلي، في حقيقة أن فلسطين صغيرة بحجمها، وبالتالي، فإن عواقب استراتيجية قد تنجم عن أي خلل إشعاعي نووي خطير، ابتداء من تلويث إشعاعي للأحواض المائية الجوفية بسبب تسرب مواد مشعة، وانتهاء بانتشار كثيف لغازات وجسيمات مشعة في جميع أنحاء فلسطين بسبب خلل فني كبير قد يحدث في المفاعل النووي.
علاوة على ذلك، بما أن فلسطين تقع في منطقة جيولوجية نشطة زلزاليا، فإن زلزالا كبيرا قد يدمر المفاعلات النووية ويؤدي إلى تسرب مواد مشعة خطرة.
يفترض بإسرائيل التي تزعم تفوقها في مجال تكنولوجيا الطاقات البديلة، وتعمل على تسويقها في البلدان العربية،أن تعمل أولا على تخفيض انبعاثاتها الغازية الضخمة الناجمة عن نشاطاتها العسكرية ومحطاتها الفحمية المولدة للكهرباء، من خلال استثمارها في ترشيد استهلاك الطاقة وفي الطاقة المتجددة، بدلا من خوضها مغامرات نووية مرعبة تعرض حياة الملايين للخطر.