الموارد الطبيعية (الجزء الأول)
تقسيمات وتصنيفات الأراضي في الضفة الغربية على أرض الواقع- أريج
خاص بآفاق البيئة والتنمية
كثرت في الذكرى العشرين لاتفاقية أوسلو المقالات والأبحاث المحللة والموثقة للآثار وللتغييرات السياسية والاقتصادية والمجتمعية وغيرها الناتجة عن هذه الاتفاقية والاتفاقيات التابعة لها مثل بروتوكول باريس الاقتصادي. واستكمالا للصورة وجب النظر لحال الأرض الفلسطينية وأثر تلك الاتفاقات عليها من منظور بيئي. ويأتي هذا المقال كجزء أول من سلسلة مقالات ستستعرض التغييرات الطبوغرافية والبيئية التي حصلت على الأرض الفلسطينية بالتركيز على الأرض المحتلة في الـ67 وما حصل عليها من تغييرات بيئية بعد عام 1993 نتيجة سياسات دولة الاحتلال الصهيوني والاتفاقات المبرمة معها. وسيبحث هذا الجزء في سرقة الموارد الطبيعية والتغييرات الطيبوغرافية. بينما تبحث الأجزاء الثانية والثالثة في قضايا نهب الموارد الجيولوجية والتلوث الناتج عن المستعمرات وعن المنشآت الزراعية والصناعية والعسكرية الإسرائيلية والتأثيرات البيئية لجدار الفصل العنصري والتغيرات على الزراعة والتوازن الطبيعي والتنوع الحيوي وإنتهاء بالإنتهاكات للإنسان بإطار حماية البيئة.
سرقة الموارد المحلية وتغيير الطيبوغرافية
بدأت دولة الاحتلال عملية سرقة الموارد الطبيعية وإستهلاكها وإستنزافها للأرض الفلسطينية منذ بداية نشأة الدولة الصهيونية، فليس من الغريب أن تستمر بتلك السياسة وتوسع عملية السرقة والنهب هذه باحتلال باقي الأرض الفلسطينية والجولان السوري في عام 67. ولم تردعها عن ذلك القوانين الدولية التي تحرم على المحتل استخراج واستخدام الموارد الطبيعية للمناطق الواقعة تحت الاحتلال. فهل كان اتفاق أوسلو رادعاً أو مقنناً لعملية السرقة هذه؟ ستبين لنا الأرقام والإحصائيات التالية حجم التحولات التي حصلت في الأعوام اللاحقة لاتفاقية أوسلو وحتى يومنا هذا بالنظر إلى حال ثلاثة موارد طبيعية هي الأرض والمياه والموارد الجيولوجية
خريطة المياه الجوفية والسطحية في الضفة الغربية
الأرض:
عملت إتفاقية أوسلو من خلال بنود تصنيف الأراضي لمناطق أ، ب، ج ومن خلال تأجيل الاتفاق بخصوص القدس على مساعدة دولة الاحتلال في المصادرة والسيطرة على المزيد من الأراضي الفلسطينية تحت غطاء قانوني وخاصة في القدس. فقد قامت دولة الإحتلال بمصادرة ما يزيد عن 860 ألف دونم، منها 120 ألفا في منطقتي أ، وب وفق تصنيفات أوسلو. ووصلت المساحة الكلية للمناطق المصنفة ج إلى 64٪ من مجمل أراضي الضفة الغربية. وقامت دولة الاحتلال منذ توقيع أوسلو ببناء مستعمرات جديدة وتوسيع المستعمرات الموجودة أفقيا وعموديا والاستيلاء على الأراضي المحيطة بها لأغراض التوسع العمراني المستقبلي ولأغراض الزراعة وقامت بالاستيلاء على ألاف الدونمات من الأراضي الزراعية الخصبة في غور الأردن بالإضافة للأراضي المصنفة مناطق عسكرية وما يسمى محميات بيئية، وصنفت ما مجموعه 900 ألف دونم في الضفة الغربية كأراضي دولة. وتضاعف عدد المستوطنين في مستعمرات الضفة الغربية والقدس منذ توقيع أوسلو فوصل إلى ما يزيد عن 650 ألف مستوطن. وقامت دولة الإحتلال بمصادرة 12٪ من مساحة الضفة الغربية من خلال بناء جدار الفصل العنصري فوصل بذلك مجموع مساحة الأراضي الفلسطينية المصادرة من الضفة الغربية الى 80٪ من مساحتها الكلية. بالإضافة لكل هذا. قامت دولة الاحتلال بتوسيع وفتح شوارع التفافية لاستخدام المستوطنات بتجريف الأراضي الزراعية والبرية وتدميرها وقامت باقتلاع مئات الآلاف من الأشجار المثمرة والبرية، كما وقام المستوطنون ويقومون بحرق مساحات كبيرة من الأراضي المزروعة بالزيتون والأشجار المثمرة والبرية وتدمير تلك المناطق الحيوية بالقضاء على الغطاء النباتي فيها.

خريطة الينابيع المصادرة والمتضررة بسبب المستعمرين- مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية
المياه:
رغم إعتراف إتفاقية أوسلو الثانية بحق الفلسطينيين بالمياه في الضفة الغربية، إلا أن التعاقد في الواقع لم يؤدِ إلى إزدياد حصة الفلسطينيين من المياه بل قلل منها. فدولة الاحتلال تهيمن على جميع موارد المياه الجوفية والسطحية في الضفة الغربية. وبحسب الاتفاقية الموقع عليها بخصوص حصص المياه للضفة الغربية وقطاع غزة لا يسمح للفلسطينيين باستخدام أكثر من 20٪ من مخزون المياه الجوفية الواقعة تحت جبال الضفة الغربية بحسب التقديرات لسعته. بينما يحق للإسرائيليين التحكم بالكمية الباقية من المخزون المقدر بالإضافة للكمية الزائدة عن التقدير. ويقر الإتفاق على أن أي استخدام للمياه الجوفية يجب أن يتم بموافقة ما يسمى لجنة المياه المشتركة (الإسرائيلية-الفلسطينية) لكن الواقع أن إسرائيل تقوم بسحب المياه الجوفية دون موافقة اللجنة وتزيد عن حصتها المتفق عليها ب 50٪، بينما ترفض اللجنة منح تراخيص للفلسطينيين بسحب المياه بحسب الاتفاقية. وهذا يعني بأن هناك نقص في كمية المياه المتاحة للفلسطينيين مما يضع سلطة المياه في موقف تضطر به سد الحاجة من خلال شراء المياه من شركة مكروت الإسرائيلية والتي تقوم بدورها باستخراج وبيع المياه الجوفية للضفة الغربية.
إن نقص الموارد المائية في الضفة الغربية للفلسطينيين ساهم في دفع المزارعين الفلسطينيين للتخلي عن الأرض واستغلت دولة الاحتلال سيطرتها على المياه في بعض الأحيان لتسهيل عملية تطهير عرقي ومصادرة المزيد من الأراضي كما فعلت بقرية الفارسية في وادي الأردن. حيث قامت قوات الإحتلال بقطع المياه عن القرية ليضطر أهلها النزوح ثم قاموا بتدميرها. وتصل النسبة المتدنية في معدلات الاستهلاك اليومي للفلسطينيين في الضفة الغربية إلى أقل من نصف الحد الأدنى للاستهلاك بحسب مقاييس منظمة الصحة العالمية. وفي مثال صارخ على السيطرة الإسرائيلية على الموارد المائية في الضفة الغربية فإن نحو نصف مليون مستوطن في الضفة الغربية يستهلكون حوالي ستة أضعاف ما يستهلكه 2,5 مليون فلسطيني، علما بأن الفلسطينيين يشترون المياه التي هي حق لهم بحسب أوسلو من الشركة الإسرائيلية ميكوروت.
كما أن المياه الجوفية والينابيع والزراعة والإنسان الفلسطيني والمواشي والحيوانات الأليفة والبرية والنباتات والكائنات الحية المختلفة كلها تتأثر بشكل خطير من الضخ الإسرائيلي الجائر للمياه الجوفية.
إن الزيادة والتوسع في المستوطنات والمواقع التي يتخذ منها المستعمرون الصهاينة مستوطنات تكون عادة بهدف السيطرة على الموارد المائية في تلك المنطقة وخاصة ينابيع المياه العذبة. وقد اعتمد الفلسطينيون منذ آلاف السنين على تلك الينابيع كالمصدر الأساسي للمياه ولسد جميع احتياجاتهم. وفي مسح أجراه مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة في عام 2011 شمل 56 ينبوعا في الضفة الغربية. وجدت بأن 30 من تلك الينابيع الممسوحة موجودة داخل مستوطنات ويمنع الفلسطينيون الوصول إليها نهائيا. بينما يقع 22 منها في مناطق قريبة من المستوطنات يمنع الفلسطينيون من الوصول إليها من خلال أعمال ترهيب وعنف ضدهم من قبل المستوطنين. والأربعة الباقية مهددة بالاستيلاء عليها، وينظم الاحتلال جولات للمستوطنين لها بشكل دوري. وتقوم شركات إسرائيلية بتعبئة المياه من الينابيع في الضفة الغربية والجولان وبيعها لنا في السوق المحلية وعالميا. مثال على ذلك شركة "عيدن" التي تستخدم مياه ينابيع مسروقة من الجولان كمصدرها الأساسي.
بينما تمنع دولة الاحتلال الفلسطينيين من بناء اي سدود في الوديان الواقعة في الضفة الغربية أو تحويل أو استخدام مياه الوديان، بينما تقوم هي ومنذ سنين ببناء السدود على وادي غزة وتحويل مياهه وسرقتها في المناطق التي تتواجد داخل الأراضي المحتلة عام 1948. وبذلك حولت وادي غزة إلى مكرهة صحية وكارثة بيئية؛ حيث أن تحويل مياه أمطار جبال الضفة الغربية عن مسارها الطبيعي أدى إلى القضاء على الكثير من النباتات والكائنات الحية المعتمدة على البيئة الخاصة للوادي؛ فكثير من النباتات الخاصة والتي لا تعيش إلا في مثل هذه الأجواء الرطبة كنبات الأثل الذي يعتبر من النباتات المثبتة للكثبان الرملية، و نبات البوص وغيرها؛ ما حال دون استخدام أهل غزة للأراضي الزراعية المحيطة بالوادي والتي تعتبر أخصب الأراضي في القطاع. كما وتحول الوادي، بسبب الحصار المستمر للقطاع والضرب المستمر للبنية التحتية وبخاصة مياه الصرف الصحي، إلى مكب للنفايات والمياه العادمة. كما وتقوم إسرائيل من حين لآخر بفتح السدود وخاصة عند هطول كبير للمطر ما يؤدي الى تدفق كميات كبيرة جدا من المياه في مجرى الوادي مدمرة معها كل شيء على جانبي مجراها. كما ويحول سرعة تدفق المياه دون الاستفادة منها.
وصل المخزون المائي الساحلي والواقع تحت قطاع غزة الى حالة تلوث كبيرة جدا بحيث يعتبر من 90-95٪ من مياهه غير صالحة للاستخدام الآدمي. وسنتطرق لأنواع تلوث المياه الجوفية وأسبابها في الجزء الخاص بالتلوث في الأعداد القادمة لكن وجب ذكر الكارثة الإنسانية والبيئية الناجمة عن تلوث مصدر المياه الوحيد في القطاع المحاصر وما ينتج عنه من أمراض وكوارث بيئية تابعة.
البحر الميت:
صنفت إتفاقية أوسلو البحر الميت والمناطق المحيطة به بحسب إتفاقية أوسلو مناطق ج. وقامت دولة الإحتلال بدورها بتصنيف مساحات كبيرة من الشواطئ المحيطة للبحر كمناطق عسكرية مغلقة أو ما تسميه "أراضي دولة" بالإضافة لبناء وتوسيع مجموعة من المستعمرات السياحية والصناعية التي تعمل فعليا على سرقة الموارد المحلية كالأملاح والتربة وغيرها من البحر الميت لتصنيع مواد علاجية وأخرى تجميلية، ونذكر منها شركة "أهافا" التي تبيع منتجاتها عالميا ومقرها مستعمرة "معليه أدوميم". كما وحالت هذه المستعمرات وإغلاق المناطق الواصلة للبحر الميت دون وصول الفلسطينيين إليه. وبالمقابل تبيع هذه المستعمرات للفلسطينيين حقهم للوصول لشاطئ البحر من خلال المنتجعات المملوكة من قبل المستعمرات. واستغلت إسرائيل انحسار الماء في البحر الميت الناتج عن تحويل مسار نهر الأردن فأعلنت المساحات الجديدة "أراضي دولة" وهي التي وصلت في بعض المناطق لعمق نصف كيلومتر، مصادرة بذلك ما مجموعه 139 ألف دونم جديد في محيط البحر الميت. وأشارت دراسة لمنظمة "أصدقاء الأرض-الشرق الأوسط" الإسرائيلية بعنوان "السلام البيئي" إلى أن ما تقوم به إسرائيل من تحويل لمسار مياه نهر الأردن واستغلال مياه الينابيع والوديان المغذية للبحر الميت لأغراض زراعة المستعمرات أو للبيع كمياه معدنية. كانت قد تسببت بانحسار مياه البحر الميت حتى وصلت اليوم لانقسام البحر إلى بحيرتين. وتذكر الدراسة بأن 60-70٪ من المياه المفقودة تسبب بها هذا الاستعمال الجائر لمياه التغذية بينما تسببت مصانع الأملاح الواقعة على الشواطئ الجنوبية للبحر الميت وبرك التجفيف الصناعية التابعة لهذه المصانع بخسارة 30-40٪ من مياه البحر. بالإضافة لما تسببه هذه المصانع من تلوث للمياه والهواء والبيئة المحيطة.

صورة لوكالة الفضاء الأميركية ناسا تبين الحفر البالوعية التي بدأت تظهر بشكل كبير حول البحر الميت بسبب إنحسار المياه
إن أوسلو التي ساهمت في خسارة أكثر من 80٪ من مساحة الضفة الغربية وكل الموارد المائية السطحية والجوفية فيها تسببت في كوارث بيئية في غزة لم تنته بعد. والأكثر من هذا، فإن استمرار الوضع الحالي سيفاقم إستهلاك الموارد وإستنزاف قدرتها على التعافي من هذا الضرر. مثال ذلك المخزون الجوفي الساحلي الذي باتت أكثر من 95٪ من مياهه ملوثة والذي بات حجمه يتناقص بشكل سريع وغير مسبوق. كما سيؤدي استمرار هذا الحال لخسارة أحد أهم المواقع الطبيعية والتاريخية والبيئية في فلسطين وعلى نطاق العالم وهو البحر الميت. وأخيرا ننوه إلى أن التغييرات السلبية المدمرة المذكورة سابقا على البيئة الفلسطينية بعد معاهدة أوسلو، مقتصرة على منطقتي الضفة الغربية وقطاع غرة، بهدف التركيز على المناطق الجغرافية التي تتطرق إليها الإتفاقية وليست بهدف الإقصاء؛ ذلك أن التغييرات البيئية على البيئة الفلسطينية بعد أوسلو والناتجة عن الاستعمار الصهيوني لا تتوقف عند حدود وهمية. لكن هذا الموضوع يحتاج لدراسة موسعة خارج نطاق هذا المقال.