محطات تحلية المياه في غزة.. رقابة غائبة، كفاءة متدنية، صحة تتدهور و90 محطة من أصل 150 تعمل دون ترخيص!

طفلة غزية تعبيء مياه محلاة مجهولة التركيب والجودة
 |
| تحلية المياه في غزة |
خاص بآفاق البيئة والتنمية / غزة
"يحظر عليك تناول مياه البلدية، لأنها سببٌ في تكوين الحصى لديك في المرارة والمطلوب منك تناول المياه المعدنية فقط حفاظا على سلامة كليتيك" بهذه الكلمات بدأت المسنة "ام احمد علي" حديثها عن معاناتها مع المياه.
وتضيف السبعينية وهى تتكئ على عصا، اذكر قبل تسعة عشر عاماً حين طلب مني الطبيب التوقف عن مياه "الحنفية" وبدأت اتناول المعدنية ومن ثم المياه المحلاة التي نشتريها من سيارات بيع المياه، ولكن مع مرور الوقت طرأ على هذه المياه تغير في المذاق، ولهذا فإنني بين الفترة والثانية اعمل على تغيير المحطة التي نعبئ منها التنك المخصص في البيت "هذه المحطات زادت وتعددت أسماءها".
مركز حقوقي في غزة، يؤكد ان القطاع يضم اكثر من مئة محطة تحلية خاصة، حيث بدأ استثمار القطاع الخاص في محطات تحلية المياه الجوفية منذ العام 2000.
ويفيد مركز الميزان لحقوق الانسان في ورقة بحثية حول محطات التحلية ان هذه المحطات الخاصة بحاجة لمزيد من الرقابة، لافتا الى إن ما يزيد عن نصف عدد محطات التحلية الخاصة غير مرخصة، مع الإشارة إلى إمكانية وجود عدد أكبر من الآبار غير المرخصة، مما يشكل خطورة على صحة المواطنين الذين يستهلكون المياه المحلاة المنتجة.
جودة مفقودة
ويرى المواطن احمد الحسنى ان المياه المحلاة باتت مشكلة تؤرق الكثير من المواطنين لاسيما وأنها تتغير من حيث المذاق والجودة في كل مرة يتم فيها التعبئة، لافتا الى ان عائلته تعمد الى تغيير محطات التعبئة بين فترة وأخرى.
ويشير الى انه في احدى المرات اضطر الى تفريع التنك الخاص بمنزلهم والبالغ 1000 لتر بعد ان تمت تعبئته، لأن المياه كانت عفنة وبها من القاذورات الكثير، لافتاً الى ان اسعار الكوب تتفاوت من محطة تحلية لأخرى حيث تصل في ادناها الى 25 شيكل وأقصاها الى 40 شيكلاً.
فيما تخالفه الرأي السيدة احلام عبد الله "25" عاما وتؤكد ان وجود محطات للتحلية قد وفّر عليهم الكثير من التكاليف، خاصةً وان مياه البلدية سيئة وان الفلتر يتغير باستمرار لأن انبوب الفلترة يصبح شديد السواد في ايام قلائل، لافتة الى ان ذلك دليل على قسوة مياه البلدية على صحة ابنائها الاطفال.
لكنها اشتكت من ارتفاع اسعار المياه قائلة، يوميا احتاج لنحو 30 لتراً أي ما يعادل 2 شيكل، وهو ليس بالمبلغ البسيط خاصة وان تكلفة التحلية اقل من ذلك بكثير.
اما المسن لطفي شعبان "68" عاماً فأكد أنه لا يستطيع شرب المياه، إلا بعد ان يتأكد من نظافة السيارة التي تقلها، ومن المظهر الخارجي للسائق الذي يقود هذه التنكات، مشيرا الى انه يعمد الى تنظيف تنك المياه الذي يملكه في منزله شهريا ويستخدم مادة الكلور حفاظا على سلامة افراد عائلته خوفا من اصابتهم بالأمراض لاسيما التلوث.
كما وافق المواطنون الذين تم استطلاع آرائهم على ان جودة المياه تتفاوت من محطة وأخرى، وان الاسعار مرتفعة نسبيا حيث لا رقابة من قبل المسؤولين.
ارشادات غائبة
وتشرح الورقة البحثية اختلاف جودة المياه المحلاة من محطة لأخرى، حيث ان ملوحة المياه ممثلة بالأملاح الذائبة تتراوح من 50 -150 ملجم/لتربماينسجممعالمواصفاتالفلسطينيةلمياهالشرب، ولكنهذالايعنيجودة وصحة المياه لأسباب عدة تتمثل في ان زيادة نزع الأملاح الذائبة خاصة من عنصر الكالسيوم والفلورايد قد يتسبب في فقر المياه المحلاة وهي من العناصر المفيدة اللازمة لصحة الإنسان، كما تحتوي على ملوثات ميكروبيولجية "بكتيريا، طفيليات، وغيرها من الميكروبات الأخرى"، حيث أكدت نتائج العينات التي فحصتها وزارة الصحة الفلسطينية وجود تلوث كبير في المياه المحلاة في قطاع غزة بما يفوق المسموح به وفقًا لتوصيات منظمة الصحة العالمية وهو ألا تزيد عن5%.
وبينت الورقة ان السبب الرئيس للتلوث الميكروبيولجي المرتفع في المياه المحلاة المنتجة من محطات التحلية يعود إلى التقصير في إتباع الإرشادات السليمة في عملية الإنتاج والتخزين والتوزيع للمياه المحلاة.
وتشير الورقة الى ان بعض هذه المحطات تعمد إلى تخزين المياه المستخرجة من البئر في خزانات بلاستيكية يتم بعدها ضخها إلى وحدات التحلية، وتتراوح كميات المياه العادمة المركزة الناتجة عن عملية التحلية في المحطة من ضعف إلى ضعفي المياه المحلاة، وهو أمر يندرج في إطار إهدار المياه الجوفية، حيث ان كفاءة المحطات تتراوح من 40-60 % فقط، الأمر الذي يعد هدرًا للمياه الجوفية
ويؤكد مركز الميزان وجوب تحمل المجتمع الدولي والأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف مسؤولياتهم، والضغط على سلطات الاحتلال الإسرائيلي لإحقاق الحقوق المائية للشعب الفلسطيني.
ظاهرة تتفشى
ويقول نائب رئيس سلطة المياه الفلسطينية في غزة م. مازن البنا:" ظاهرة محطات تحلية المياه الجوفية بدأت بالظهور مطلع العام 2000 نتيجة زيادة عدد السكان، خاصةً وان المياه في قطاع غزة بشكل عام غير صالحة للشرب.
وتابع في حديث خص به "افاق البيئة والتنمية"، بناء على تردي نوعية المياه عمدت سلطة المياه الى منح تراخيص لإنشاء محطات تحلية للمياه لتزويد المواطنين بمياه خالية من التلوث، لافتا الى ان سلطة جودة البيئة اعتمدت معايير مياه الشرب العالمية.
وأكد ان التلوث قد يحصل في المياه الجوفية لأسباب عديدة منها اقترابها من مياه الصرف الصحي، اضافة الى ان المياه الواصلة من البلدية دون المستوى شرعت الأبواب لافتتاح المزيد من محطات التحلية الخاصة التي تعتمد على تقنية التناضح العكسي، لافتا الى ان كفاءة المحطة تحدد مدى الاستفادة من الوحدة منوها الى ان كفاءة المحطات لا تزيد عن 60% وتستخدم المياه العادمة للصرف الصحي.
محطة لتحلية المياه في غزة
60 فقط .. مرخصة
ويتابع حديثه نحن ننظر سلباً للمحطات لاسيما وان كميات المياه المهدورة كبيرة لافتا الى وجود اكثر من 150 محطة تحلية فقط 60 محطة مرخصة والباقي تعمل دون ترخيص.
ونوه الى وجود العديد من المحطات التي تزود المواطنين بالمياه وتحتاج الى استكمال الاجراءات المطلوبة لمنحها الترخيص، وذلك لضمان سلامة المواطنين موضحاً انه تم ارسال اخطارات لهذه المحطات لاستكمال الاجراءات.
وكشف النقاب عن اطلاق حملة بالتعاون مع سلطة البيئة ووزارة الصحة لزيارة هذه المحطات، ومن ثم سيتم توجيه اخطارات نهائية للمحطات بهدف الترخيص، وان لم تستجب، سيتم تحويل الملف الى الشق القانوني كونهم مخالفين.
وفي معرض رده على سؤال حول بقاء هذه المحطات في تزويد المواطنين بالمياه دون رقابة وترخيص، قال اننا نعمل على مراقبة هذه المحطات بين الفينة والأخرى بالتعاون مع وزارة الصحة، حيث يتم اخذ عينات من التنكات الموجودة في المحال التجارية وكذلك عينات من سيارات المياه الجوالة، موضحاً انه اذا ما تبين وجود تلوث فإنه يتم معالجة الموضوع بالسرعة القصوى.
وشدد على ان المياه لا تسبب الفشل الكلوي، ولكن هناك اسباب اخرى، إلا انه قد نجد تلوثاً بكتيرياً في المياه نتيجة لسبب ما.
وأكد م. البنا على أن عملية التلوث بالدرجة الأولى سببها ايصال المياه الى المستهلك، حيث تبدأ من البئر الذي يتم حفره، اما في داخل المحطة وهو السائد او خارجها، ومن ثم عملية التحلية يليها تعبئتها في التنكات ومن ثم نقلها للمحال التجارية او المواطنين في بيوتهم مباشرة وهذه عملية معقدة وقد يحصل التلوث في أي مرحلة من هذه المراحل.
وقال ان المطلوب ايجاد آلية واحدة وشكل واحد للتأكد من عدم احداث التلوث، لأن المياه تعني صحة الانسان بالدرجة الأولى، لافتا الى ان "5" مليون متر مكعب يستفيد منها فقط "2" مليون متر مكعب، والكفاءة فقط من 50-60%.
ولفت النظر الى ان المحطات تعمل على تخفيف نسبة الملوحة لكن النيترات تبقى مرتفعة، مما يؤدى الى مرض الزرقة لدى الاطفال.
ودعا المواطنين الى الاهتمام بنظافة تنكات المياه داخل المنازل والعمل على تنظيفها شهريا، وإلا تبقى المياه لمدة تزيد عن 10-15 يوم لأن بقاءها يعني تلوثها حيث يمكن أن تولد كائنات حية دقيقة وتلحق امراضاً لدى المواطنين.
مياه محلاة في غزة
غياب الرقابة سبب!!
بدورها استهلت د. امل صرصور استشاري صحة البيئة حديثها قائلة: "لم يعد هناك سيطرة على هذه المحطات في الوقت الراهن (...) قديما كانت اعدادها محدودة والسيطرة والمراقبة تتم بصورة متواصلة، اما اليوم فالأمر بات صعباً لأن عددها آخذ في الزيادة ".
وأشارت ان من بين الاسباب الرئيسية لانتشار هذه المحطات شكوى المواطنين من رداءة المياه جراء التدهور الحاد في الخزان الجوفي، وان المواطن يميز المياه فقط من طعمها، اذا ما كانت مالحة ام لا .
وشددت د. صرصور في حديث لـ"افاق البيئة والتنمية" على ان غياب الرقابة والمتابعة والقوانين، ادى إلى الى انتشار هذه المحطات، لافتة الى ان الكثير من المحطات غير مرخصة ولا تدخل ضمن نطاق الرقابة والمتابعة وان الكارثة الأكبر ان البئر المخصص لها موجود بداخلها.
وقالت:" نعم إننا نعاني من تدهور خطير في الخزان الجوفي حيث وصلت نسبة النترات في بعض المناطق الى 400 ملجرام في اللتر والمسموح حسب المواصفات العالمية 50 ملجرام".
وأكدت على ان العديد من الدراسات بينت ان هناك علاقة بين امراض السرطان ونسبة النترات في المياه لافتة الى ان الاطفال الرضع هم اول ضحايا النترات، خاصة اذا ما تم استخدام المياه التى تصل من البلدية مباشرة، اما كبار السن فإن النترات تتحول لديهم الى مواد مسرطنة.
وعن مياه شمال القطاع وتعبئة بعض محطات المياه من هناك وبيعها للمواطنين، فأشارت إلى ان مياه القطاع غير صالحة بشكل عام، وإذا كانت مياه الشمال حلوة إلا ان النترات فيها عالية جدا نتيجة تلوث المياه الجوفية بالمياه العادمة، اضافة الى الافراط في استخدام المبيدات الزراعية.
واكدت د. صرصور ان الحل يكمن في تفعيل التشريعات والقوانين حتى تتم المراقبة الكاملة على محطات تحلية المياه، لا سيما الخاصة حيث الكثير منها تفتقد الى شروط السلامة، والعمل على اجراء عملية التحلية ضمن معايير محددة منها سلامة تنك المياه والخرطوم الذي في كثيرٍ من الأحيان، يلامس الارض خلال مرور سيارات المياه في الطرقات ونظافة القائمين على المحطة والباعة الجوالة.
وتشير الى انها حلقة كاملة تحتاج الى متابعة ومراقبة لأن فقدان أي حلقة يعنى احداث تلوث في المياه، لافتةً الى ان المحطات غير المرخصة تشكل خطراً حقيقياً على صحة وسلامة المواطنين في قطاع غزة .
بطاقة ارشادات
1- الحفاظ على تنك المياه نظيفا داخل المنزل
2- تعقيم تنك المياه بالكلور مع كل تعبئة
3- عدم ابقاء المياه في التنك لمدة تزيد عن "21" يوماً
4- التأكد من حصول المحطة على التراخيص المطلوبة للعمل
5- فحص عينات من المياه في المختبرات الجامعية
6- عدم تناول المياه اذا وجد فيها شوائب