خاص بآفاق البيئة والتنمية
انتشر مؤخراً فيروس انفلونزا الطيورH5N1 في بعض مزارع الدجاج الكائنة في شمال الضفة الغربية (محافظات جنين وقلقيلية وغيرها)، حيث أبيدت آلاف الطيور المصابة. وتتمثل أعراض الإصابة في الطيور بالالتهابات الرئوية والاضطرابات العصبية ونفوق كبير وسريع للطيور المصابة. أما أعراض الإصابة لدى الإنسان فهي مشابهة للإنفلونزا العادية، كالرشح والإسهال الشديد والغثيان والقشعريرة.
كما سمعنا قبل ذلك، وتحديدا خلال العام 2014، عن موجة وباء فيروس الإيبولا الفتاك الذي ضرب ولا يزال يضرب دول غرب إفريقيا فقتل الآلاف، إضافة إلى اكتشاف بعض الإصابات وحدوث بعض الوفيات في السعودية ومصر وغيرهما. وقد اعتبرت هذه الموجة الأكبر والأخطر منذ عشرات السنين. ويصيب فيروس الإيبولا الإنسان وكثيرا ما يكون مميتا، وقد ينتقل من الحيوان إلى الإنسان أو من إنسان إلى آخر؛ وأبرز أعراضه الحمى والصداع الحاد والتهابات الحلق وأوجاع في العضلات وإسهال شديد وخلل وظيفي في الكلى والكبد.
اللافت أن البشرية تعرضت في العقدين الأخيرين، لهجوم متواصل من الأوبئة المعدية الخطيرة، بما فيها "إنفلونزا الطيور" (H5N1)، "جنون البقر"، الـ"سارس"، "إنفلونزا الخنازير"(H1N1) وأخيرا "الإيبولا". وكما هو معروف، "إنفلونزا الطيور" و"الخنازير" والـ"سارس" و"الإيبولا" عبارة عن أمراض فيروسية؛ أما مرض "جنون البقر" (أو مرض "كروتسفلد-جيكوب") فهو تلف في الجهاز العصبي سببه بروتينات معتلة متراكمة في الدماغ. وباستثناء مرض الـ"سارس" (الذي ترجمته الحرة: "أزمة تنفسية حادة")، فإن أسماء هذه الأمراض تشير إلى أصولها. وبالفعل، يكمن القاسم المشترك بينها في أنماط التربية الحيوانية بالمزارع؛ حيث تحشر الحيوانات (الدجاج والبقر وغيرها) بكثافة كبيرة في مساحة محدودة جدا، ويذبح منها سنويا نحو مئة مليار.
وتعود أصول هذه الأمراض إلى أنماط التربية الحيوانية في المزارع، وذلك تماما كما هو حال "إنفلونزا الطيور" التي انتشرت بسبب ما يسمى التربية الصناعية للدجاج التي تعد أقل تكلفة وجهدا، وهي عبارة عن تربية أعداد كبيرة في مساحات ضيقة جدا. ومن المدهش أن المجلس القومي للدجاج في الولايات المتحدة حدد "المجال الحيوي" للدجاجة الواحدة بـِ 550 سم2، أي أقل من مساحة ورقة ِA4 (التي مساحتها نحو 620 سم2)، حيث تكبر فيها الدجاجة إلى أن تحتل جميع المساحة؛ فتصبح عاجزة عن الحركة، وبالتالي، تساق إلى الذبح.
يقول أخصائيو الأمراض الفيروسية إن تربية الدجاج في مجال صغير جدا وبكثافة مرتفعة يشكل وسطاً مثاليا لنشوء فيروس إنفلونزا الطيور. وقد أكد هذا الأمر أيضا خبراء من منظمة الأمم المتحدة؛ إذ بينت دراساتهم أن تربية الدواجن القائمة على حشر عدد كبير من الدجاج في مساحات صغيرة جدا، تعد من أهم عوامل انتشار إنفلونزا الطيور.
وبينت الأبحاث أن الفيروسات التي تحملها الدواجن البرية أو البلدية تعد غير خبيثة؛ إلا أن هذه الفيروسات (غير المؤذية) عندما تنتقل إلى المزارع الصناعية الكثيفة تطرأ عليها طفرات (mutations) فتتحول إلى فيروسات خبيثة ومعدية؛ أي، وكما أكدت منظمة الفاو (منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة)، مناعة الدواجن والطيور التي تربى بطرق بلدية وتقليدية في المزارع الصغيرة غير الكثيفة، أقوى من مناعة الدواجن والطيور التي تربى في مساحات صغيرة جدا وكثيفة، علما أن التنوع الطبيعي للدجاج البلدي يشكل وقاية لها من الأمراض، ويحول دون تحول الفيروس إلى الحالة الخبيثة؛ بمعنى أن فيروس H5N1 (انفلونزا الطيور) يتأقلم مع الدجاج البلدي ولا يصبح قاتلا.
وينسحب هذا الأمر أيضا على أمراض الطيور الأخرى مثل newcastle (طاعون الطيور)، بل وأمراض سائر الحيوانات (الأبقار والأغنام والخنازير وغيرها) التي تربى في المزارع الكبيرة وتحقن بشكل متواصل بالمضادات الحيوية وهورمونات النمو، لزيادة وزنها؛ ما يتسبب في زيادة مناعة الجراثيم تجاه المضادات، ويجعل تلك الحيوانات أقل مناعة وقدرة على مقاومة الفيروسات والجراثيم. وتتم تربية الدجاج تحديدا في ظروف سيئة تنعدم فيها إجراءات الوقاية والرقابة الصحية. وبفعل حقنه المتواصل بالمضادات وهورمونات النمو، لزيادة وزنه، يصبح الدجاج عاجزا عن الحركة.
والمثير، أن خلطات الطعام المقدم للدجاج في بعض المزارع يتكون من فضلات الدجاج عينه، بما في ذلك البراز والريش والعظام. ومن المعروف أن فيروس H5N1 قد يتواجد في براز الدجاج لمدة 35 يوما (حسب منظمة WHO). وخلافا لزعم بعض العاملين في قطاع الدواجن والقائل بأن الطيور المهاجرة هي مصدر عدوى انفلونزا الطيور التي أصابت مؤخرا بعض المزارع في الضفة الغربية؛ فقد أثبتت البحوث العلمية خطأ هذا الادعاء (القائل بتسبب الطيور المهاجرة في تفشي أنفلونزا الطيور)؛ إذ لم يتم العثور على هذا الفيروس لدى مئات آلاف الطيور البرية المهاجرة التي خضعت للفحص، إلا في بعض الحالات النادرة.
إذن، المزارع الصناعية الكبيرة هي سبب إنفلونزا الطيور، أما الدجاج البلدي والطيور البرية فهي ضحايا المرض وليست سببه.
في الواقع، تعد مزارع الحيوانات أرضية خصبة لظهور الأمراض المعدية؛ فالحيوانات تعامل يوميا معاملة شرسة، وذلك بمجرد حشرها بكثافة كبيرة في المزارع، وتسمينها بالغذاء الكيماوي المشبع بالمضادات الحيوية والهورمونات، وممارسات زراعية مسيئة بحقها تتضمن عنفا قاسيا وترك عاهات. وبالتالي، فإن حالتها الذهنية والجسمية الصعبة تضعف نظامها المناعي؛ ما يزيد من قدرة مسببات المرض على النمو بداخلها.
قوانين تهدف إلى إخفاء الحقائق حول الممارسات الوحشية في المزارع الحيوانية
المثير أن الحكومة الأميركية، وبهدف حماية أصحاب مزارع الحيوانات الكبيرة وقطاع الصناعات الغذائية الحيوانية، سنت قوانين جردت من خلالها المواطنين وجمعيات حماية المستهلك والمنظمات البيئية والصحية ووسائل الإعلام من حقهم في كشف الحقائق حول كيفية تربية وإكثار وذبح الحيوانات التي يأكلها الناس. فقد يتم تغريم أو سجن أولئك الذين يدقون ناقوس الخطر حول الممارسات غير الآمنة والوحشية القائمة في المزارع الحيوانية أو في قطاع الصناعات الغذائية الحيوانية!
وفي سبيل خدمة قطاع الإنتاج الحيواني الضخم والصناعات الغذائية الحيوانية في العديد من الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية، تعكف الوزارات والوكالات الحكومية المعنية على إغراق السوق بالدعايات المضللة والمخدرة حول اللحوم الطازجة والمصنعة وأهميتها وفوائدها، بهدف التأثير على أنماط استهلاك الناس وحياتهم، وجرهم بالتالي لاستهلاك أكبر قدر ممكن من اللحوم والأغذية الحيوانية (لحوم، بيض، ألبان وأجبان)؛ وبالطبع، تساندهم في ذلك الماكنة الدعائية والإعلامية الضخمة التي تعمل لصالح كبرى الصناعات الغذائية. لذا، من غير المستغرب أن تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى عالميا في استهلاك المنتجات الحيوانية، علما أن التقديرات تشير إلى أن حوالي 10 مليارات حيوان يذبح سنويا في الولايات المتحدة؛ وبالتالي فإن أرباح هذا القطاع تزداد باستمرار، وتزداد معها المآسي البيئية والصحية المرتبطة بها، مثل الزيادة الكبيرة في كمية المياه العادمة التي تحوي بقايا الأدوية التي تصل إلى الموارد المائية والمحاصيل.
وغالبا ما تحشر الحيوانات بكثافة على أكوام كبيرة من الروث والبول. فالحيوانات التي تربى في المزارع الأميركية، على سبيل المثال، تولد وحدها فقط، كمية روث أكبر مما ينتجه مجموع البشرية، وبالتحديد، أكثر من 39 ألف كيلوغرام في الثانية. ويلوث هذا الروث مياه الشرب وينشر مسببات المرض.
وتؤدي الممارسات الزراعية غير الصحية إلى نمو الأمراض. فعلى سبيل المثال، تطور مرض "جنون البقر" إثر تسمين البقر بالعلف المحتوي على مخلفات بقر آخر، وذلك بهدف تسريع نموها وتضخيمها.
ظهور أمراض صعبة في مزارع الحيوانات هو مؤشر على الظروف القاسية، وأحيانا الوحشية، التي تجبر الحيوانات على العيش فيها. ويدل هذا النمط من تربية الحيوانات على أننا نعاملها كأشياء وظيفتها إنتاج الغذاء، وليس ككائنات تعيش وتحس.
العديد من الباحثين والمنظمات الصحية والبيئية أوصوا بحظر استخدام المضادات الحيوية في صناعة تربية الحيوانات لأغراض غير طبية، وتقييد استخدام هذه الأدوية فقط لمنع أمراض معينة ولعلاج البكتيريا المسببة للأمراض، وذلك لفترة قصيرة جدا. بل إن جهات علمية أخرى أوصت بالتخلي كليا عن استعمال المضادات. إلا أن تلك التوصيات لم تنفذ، بسبب الضغوط التي تمارسها أوساط الصناعات الغذائية الحيوانية التي لا تقل قوتها عن قوة صناعات التبغ والأسلحة التي منعت في الماضي اتخاذ إجراءات تشريعية كان من شأنها فرض قيود مختلفة على تلك الصناعات. وحاليا، 80٪ من كمية المضادات المستهلكة في الولايات المتحدة ، تستخدم في الصناعة الحيوانية.
وبشكل عام، تعطى هذه الأدوية للحيوانات بجرعات منخفضة مع الطعام أو الماء لمنع البكتيريا مسبقا من النمو، وذلك حتى تساق الحيوانات إلى الذبح؛ علما أن أهم سبب لنمو وتكاثر تلك البكتيريا الممرضة هو حشر الحيوانات بكثافة كبيرة للغاية، وإبقائها واقفة أو رابضة على برازها طوال حياتها.
السبب الوحيد لعدم موت تلك الحيوانات، وبالتالي بقائها على قيد الحياة في ظل هذه الظروف، هو الاستعمال غير الطبي للمضادات الحيوية. ومع مرور الزمن، ونظرا لاستخدام المضادات بشكل مكثف في منشآت تربية الحيوانات، تتسارع وتيرة نمو البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية، فيتم رفع تركيز المضادات أو استخدام مضادات أقوى؛ وهكذا يستمر الدوران في حلقة مميتة ومفرغة. أما انتشار تلك البكتيريا في البيئة فيتم عن طريق الحشرات أو الطيور.
مزرعة فلسطينية كبيرة يحشر فيها الدجاج بكثافة مرتفعة
مزارع الحيوانات تساهم بشكل خطير في التسخين العالمي
أشار تقرير للأمم المتحدة (عام 2006) إلى أنه إثر انتشار العدد الكبير للحيوانات التي تربى في المزارع لتلبية الطلب الغربي المتعاظم على اللحم، فإن كمية غازات الدفيئة التي تتسبب المزارع الحيوانية في انبعاثها، أكبر من تلك الناجمة عن جميع وسائل المواصلات الموجودة على الكرة الأرضية؛ ما يعني أن الثروة الحيوانية في المزارع تساهم بشكل جدي في التسخين العالمي الذي يشكل تهديدا حقيقيا للبشرية.
العديد من الأبحاث بينت أن الإنتاج الحيواني ومزارع الحيوانات تعتبر عاملا رئيسيا يفوق الوقود الأحفوري، في حدوث التغيرات المناخية التي من صنع الإنسان. إذ أن غاز الميثان الذي ينتج في الجهاز الهضمي للبقر وغيره في مزارع الحيوانات، مسؤول عن ما لا يقل عن 18% من كمية غازات الدفيئة المنبعثة إلى الغلاف الجوي والتي تتسبب في تسخين الكرة الأرضية. بل يعتقد بعض العلماء أن النسبة قد تزيد عن 50%. وقد نشرت في حينه وكالة ناسا الأميركية، بحثا يقول بأن غاز الميثان قد يكون أقوى بـ 33 مرة من غاز ثاني أكسيد الكربون، وليس 23 مرة فقط، حسب الاعتقاد السائد حتى الآن.
مزارع الحيوانات الكبيرة تؤثر تأثيرا ضخما على الكرة الأرضية. أما الزراعات الهادفة إلى توفير الأعلاف لتغذية الثروة الحيوانية فتستهلك كميات ضخمة من المياه والمبيدات الكيماوية التي تتسرب إلى المياه الجوفية. كما أن إنتاج البروتين الحيواني يستلزم كمية مياه أكبر بنحو 15 مرة مما يلزم لإنتاج كمية مشابهة من البروتين النباتي. علاوة على أن 70% من الحبوب التي تزرع في الولايات المتحدة تستخدم لإطعام الحيوانات. وقد تم في الولايات المتحدة وحدها اجتثاث أكثر من مليار دونم من الغابات بهدف توفير مساحات لزراعة الأعلاف.
فإذا رغبت البلدان التي تمتلك مزارع ضخمة لتربية الماشية بهدف إنتاج الطعام- إذا رغبت حقا في إحداث فرملة حقيقية للتغيرات المناخية المتسارعة، وفي ذات الوقت توفير الغذاء لجميع سكان العالم الذين سيتجاوز عددهم التسعة مليارات عام 2050، فعليها تغيير أنماط إنتاجها واستهلاكها الغذائي، ووقف تربية الماشية والإنتاج الحيواني، أو على الأقل إجراء تخفيض كبير بهما.
ومن الناحية الصحية، فإن تقليل استهلاك اللحوم والتحول نحو البدائل النباتية لا يتسبب بأي ضرر لكمية البروتينات اللازمة للإنسان، ويخفض كثيرا استهلاك الدهون المشبعة التي تعد من المسببات الهامة لأمراض القلب. ويمكننا الاكتفاء بأكل اللحوم مرة واحدة أسبوعيا على الأكثر، ما سيحسن ليس فقط أوضاعنا الصحية، وبخاصة حالة الأوردة والأوعية الدموية والقلب، بل سيساهم أيضا في تحسين أوضاعنا المناخية المحلية والعالمية. وكلما ازداد غذاؤنا النباتي وانخفض غذاؤنا الحيواني، ازدادت مساهمتنا في حماية البيئة. يضاف إلى ذلك، أن الغذاء القائم على الطعام النباتي بشكل أساسي يعد خطوة أولية ضرورية للحد من النفقات الكبيرة المتفاقمة على الصحة والكوارث البيئية.
استنتاجات وبدائل
تعود جذور الأوبئة المعاصرة ("إنفلونزا الطيور"، "إنفلونزا االخنازير" "جنون البقر"، وغيرها)، إلى أنماط التربية الحيوانية غير الطبيعية وغير الصحية وغير البيئية؛ إذ يتم حشر الحيوانات بكثافة كبيرة في المزارع، وتسمينها بالغذاء الكيماوي المشبع بالمضادات الحيوية والهورمونات، إلى جانب ممارسات زراعية مسيئة بحقها؛ ما يضعف نظامها المناعي ويزيد من قدرة مسببات المرض على النمو بداخلها. وبدلا من إعادة استعمال مخلفات الحيوانات كسماد عضوي، فإن جزءا كبيرا منها يتراكم ويشكل أرضية خصبة لنمو الأوبئة.
من الواضح، أن مناعة الحيوانات والدواجن والطيور التي تربى بطرق بلدية وتقليدية في المزارع الصغيرة غير الكثيفة، أقوى من مناعة الحيوانات التي تربى في مساحات صغيرة جدا وكثيفة، علما أن التنوع الطبيعي للحيوانات البلدية يشكل وقاية لها من الأمراض، ويحول دون تحول الفيروسات إلى الحالة الخبيثة.
ولتجنب تفشي الأمراض والأوبئة التي مصدرها الحيوان، لا بد من التخلي عن الأساليب المؤذية لتغذية الحيوانات والدواجن، والعودة إلى التربية البلدية؛ حيث تترك الحيوانات ترعى في الهواء الطلق مع المراقبة المتواصلة، وتتغذى على النباتات والمحاصيل المحلية، دون مضادات حيوية وهورمونات تضعف مناعتها وتعرضها للأمراض.
الحفاظ على التنوع الطبيعي يعد عاملا أساسيا من عوامل الوقاية من الأمراض، وبخاصة في عصر أخذت الأصناف المحلية والبلدية تتآكل وتنقرض، لتحل مكانها الأصناف الصناعية المهجنة والمستوردة من الدول الغربية وغير المتأقلمة مع البنية المناخية المحلية.
والمثير، أن نحو ثلث إنتاج الحبوب في البلدان النامية مخصص لتغذية الماشية في البلدان الصناعية، وحوالي ثلث المحاصيل الزراعية التي يتم إنتاجها حاليا في العالم، تستخدم لإطعام الحيوانات. كما أن تغذية الماشية تستهلك نصف المساحات المزروعة حبوبا في العالم. ناهيك أن مساحة الأراضي المستخدمة لرعي الأغنام والماشية أكبر بمرتين من مساحة الأراضي المستعملة لجميع أنواع الزراعات.
علاوة على ذلك، تربية الحيوانات تعتبر من المسببات الرئيسية للعديد من الآثار البيئية المدمرة، وبخاصة تلويث المياه، الغابات المطيرة، تدمير الموائل والتصحر على نطاق عالمي واسع، إضافة إلى قائمة طويلة من الآثار السلبية الأخرى. والغريب أن المنظمات البيئية العالمية الكبيرة، مثل "جرين بيس" و"المنظمة العالمية للحياة البرية" و"350.org" وغيرها تتجاهل الآثار الصحية-البيئية الجدية الناجمة عن قطاع تربية الحيوانات والإنتاج الحيواني، بل عجزت حتى الآن عن معالجة هذه الآثار باعتبارها أحد أهم أسباب الدمار البيئي على الكرة الأرضية.
والمسألة الجوهرية التي يجهلها الكثيرون، هي أنه حتى لو افترضنا أن السلوك البيئي لشخص ما كان مثاليا من جميع النواحي، فإن مجرد كون وجباته تتضمن كمية كبيرة من المنتجات الحيوانية، يؤدي إلى رفع بصمته الإيكولوجية (البيئية) بنسبة 75%.
وخلاصة القول، لا بد أن يبادر جميع الحريصين على الصحة العامة والبيئة، إلى تغيير العادات الغذائية المرتكزة على المنتجات الحيوانية، فضلا عن تغيير الأنماط الزراعية.