خاص بآفاق البيئة والتنمية
 |
| المحاصيل الزراعية الملوثة بالمياه العادمة في بيت دجن بريف نابلس |
عدم وجود شبكات للصرف الصحي في التجمعات السكانية الفلسطينية خصوصاً المناطق الريفية والبعيدة عن مراكز المدن، أدى الى انتشار الحفر الامتصاصية للتخلص من مياه المجاري، الأمر الذي يتسبب بتسرب المياه العادمة الى الخزانات الجوفية والحاق اضرار بالأراضي الزراعية والتربة، لدى القاء المجاري عشوائياً في الأودية بعد سحبها من الحفر.
والحفر الامتصاصية عبارة عن حفر "غير صمّاء" بعمقٍ محدّد، منتشرة في غالبية الأراضي الفلسطينية لعدم ربط المنازل بشبكات للمجاري، وتزداد خطورة هذه الحفر حينما تكون غير صماء وغير مبنية من الباطون الذي يمنع حدوث التسرب.
أضرار للمياه والتربة
يرى مدير دائرة المياه في وزارة الزراعة الفلسطينية فرح صوافطة، أن "الحفر الامتصاصية، لها تأثيرات كبيرة، خصوصاً أن مياه المجاري تحتوي على نسب عالية من مادة "النيتريد"، التي تتسرب للتربة والمياه الجوفية، حيث تصبح غير صالحة للاستخدام الآدمي، وتؤثر على الكلى. كما أنه يتشكل مع المجاري معادن ثقيلة تحتاج مئات السنوات حتى تتحلل، اذا ما تسربت للمياه والتربة، وفي حال امتصاص النباتات لهذه المعادن، فانها تسبب السرطانات والتسمم اذا وصلت جسم الإنسان".
وأضاف صوافطة "في منطقة جنين او أريحا او العوجا مثلا، المياه الجوفية قريبة جدا، وبالتالي امكانية وصول المجاري من الحفر الامتصاصية للمياه الجوفية سهلة جداً، خصوصاً انه لا توجد شبكات للصرف الصحي، أو محطات للتنقية في غالبية المناطق، أو بدأت حديثا بالعمل في بعض الأماكن، كما أن بعض الينابيع لا تصلح للشرب أو الزراعة بسبب احتمالية وجود بكتيريا وحيوانات دقيقة ضارة أخرى فيها".
توجد احصائيات دقيقة عن نسب التلوث في المياه الجوفية والسطحية، لكن التقديرات تشير الى ان 20-30% من المياه الجوفية والسطحية يوجد فيها تلوث بسبب الحفر الامتصاصية، ناهيك عن تلوث الاراضي الزراعية المجاورة للأودية التي يتم فيها القاء مياه المجاري من سيارات نضح القاذورات، خصوصاً في ظل عدم الالتزام بإنشاء حفر صماء تمنع التسرب، يبيّن صوافطة.
كما دعا مدير دائرة المياه في وزارة الزراعة الى التقيد بالمواصفات والمقاييس الفلسطينية بالنسبة للحفر الامتصاصية التي تشترط أن تكون "مصمطة"، وايجاد مكبّات محددة في محطات التنقية، وتوسيع شبكات الصرف الصحي والمجاري في غالبية التجمعات السكانية، واقامة محطات تنقية جديدة لتغطي كافة التجمعات وعدم اقتصارها على مراكز المدن.
تدمير المياه العادمة للتربة الزراعية في أراضي بيت دجن قضاء نابلس
أمراض خطيرة
من ناحيته حذر ابراهيم عطية، مدير دائرة صحة البيئة في وزارة الصحة، من خطورة الحفر الامتصاصية ومياه المجاري على المياه الجوفية والسطحية والاراضي الزراعية. مشيرا الى أن الخطر الأكبر هو على الصحة العامة. وأضاف: "للأسف فإن آبار جمع المياه والينابيع السطحية، ملوثة بالبكتيريا البرازية، وهذا ناتج عن الحفر الامتصاصية المنتشرة في الارياف الفلسطينية، وخصوصا أن الينابيع تكون في الغالب في الأودية التي تعلوها القرى والتجمعات السكنية، ما يسهل من عملية التسرب للينابيع، في مخالفة واضحة للقانون الذي يشترط أن تكون الحفر صماء مانعة للتسرب، وهذا تقصير من قبل البلديات التي تراقب هذا الأمر".
وأضاف عطية: "يمكن وصف التلوث بأنه خطير، فالبكتيريا البرازية (ايكولاي)، من الممكن ان تسبب نزيفاً دمويا في الأمعاء، ويمكن ان تؤدي في مراحل متقدمة للوفاة خصوصا للأطفال. ومن ناحية أخرى من الممكن ان تكون هناك مواد ملوثة كثيرة بداخل المياه الجوفية والسطحية والآبار، لكن ما يقلّل ظهور آثار هذه الملوثات، هو تعقيم الخزانات الرئيسة بمادة الكلور، لكن في المقابل، الينابيع وآبار الجمع تكون ملوثة بنسب متفاوتة، ولا تخضع للتعقيم".
وعن نسب تلوث المياه والتربة بفعل المجاري، بيّن عطية أنه لا توجد دراسة أكاديمية على الارض تظهر حجم الاضرار، لكن المؤشرات موجودة، فتصل للمستشفيات بين الفترة والأخرى حالات إسهال، ويكون السبب في الغالب تلوث المياه. لافتاً إلى أن هذا الأمر بحاجة لدراسة متعمقة للوقوف على نسب التلوث والأضرار الناتجة عنها.
اجراءات مطلوبة
وقف التلوث بحاجة لقرارات عديدة وتشديد اجراءات الرقابة على المنازل وسائقي شاحنات النضح. وتابع مدير صحة البيئة "يجب منع سيارات النضح من كب المجاري في اي مكان، يجب اجبارها على التخلص منها في محطات التنقية، وعدم اللجوء الى الأودية، أو تحديد أماكن معينة تكون مخصصة للمياه العادمة وتكون مسلحة بالباطون لمنع التسرب، وتشديد اجراءات الرقابة على تنكات شفط المجاري، لمنع حدوث تجاوزات في هذا الجانب".
سائقون: نحن مضطرون
يقول (ح. ن) وهو سائق لشاحنة مخصصة لنضح مياه المجاري من البيوت في منطقة شمال رام الله "نضطر الى كبّ المجاري في الأودية، لعدم وجود أماكن مخصصة لذلك، وقريبة من أماكن عملنا، يقولون لنا، يجب ان تتوجه لمحطة التكرير في مدينة البيرة، لكن هذا الأمر مكلف لنا، ولن نستفيد شيئا، نحن نتقاضى 50-60 شيقلا عن كل شاحنة نقوم بسحبها من الحفر، اذا التزمنا بالتوجه للبيرة، فالأمر سيكلف أكثر من 50 شيقلا، ماذا سنستفيد؟ هل نرفع التكلفة على المواطن؟".
تلويث المياه العادمة للأراضي الزراعية في قرية بيت دجن بريف نابلس
الحكم المحلي: على البلديات ان تأخذ دورها
بدوره قال وكيل وزارة الحكم المحلي محمد جبارين ان البلديات يجب ان تتابع هذا الامر عبر تشديد اجراءات الرقابة على شاحنات النضح التي تكب المجاري عشوائيا في الأودية، ومراقبة الحفر الامتصاصية عبر التأكد من الالتزام ببنائها وفقا للشروط بحيث تكون صماء. وتابع مشيراً الى ان الناس ما زالت تعتمد على الحفر الامتصاصية، ومشكلة الصرف الصحي متجذرة في فلسطين، ناهيك عن ان بناء شبكات للصرف الصحي مكلف جدا ويحتاج الى أموال طائلة.
وأضاف: "مراقبة هذا الأمر جزء من صلاحيات البلديات، نحن بحاجة لوضع برامج وسياسات من قبلها لتنظيم عمليات التخلص من المجاري، عبر تخصيص اماكن محددة للمجاري".
وعن الاجراءات التي من الممكن أن تتخذها وزارة الحكم المحلي، تابع جبارين انه في حال تفاقم المشكلة من الممكن ان نقوم باصدار تعميمات للبلديات لمراقبة الأمر، وفي حال تقدم أي مواطن بشكوى حول القاء المجاري في الأودية، تقوم البلديات بمتابعة الأمر وملاحقة السائق المخالف، وفرض غرامة مالية عليه، لافتاً الى ان البلديات قد تستطيع السيطرة على هذه الظاهرة، لكن الأمر بحاجة لتعاون المواطنين والتبليغ عن المخالفين.