الحروب الإسرائيلية المتكررة على غزة دمرت التربة والتنوع الحيوي والمساحة الخضراء وتسببت في هجر الطيور أوكارها
خاص بآفاق البيئة والتنمية
 |
| زراعة الخضار عوضا عن أشجار الزيتون التي دمرها الاحتلال |
كل يوم تتجه عينا المزارع صالح الخيسي صوب أرضه التي تغير حالها من الأمس إلى اليوم، ليتفقد شجر الزيتون الذي يزيد عمره عن ثلاثين عاماً، والذي لم يبق منه سوى جذور تشهد على جريمة الحرب التي ارتكبتها القوات الصهيونية بحق أرضه الواقعة على الخط الشرقي من حي الشجاعية في مدينة غزة.
صالح الخيسي الرجل الستيني قال وبنبرة تأسي على ضياع تعب العمر" كانت أرضي جنتي في الدنيا، ارتبطت بها منذ صغري وعشقتها، اعتدت أن القي عليها تحية الصباح رغم وهني؛ لأتنسم هواءها العليل واستمتع بمنظر طائر الحجل والزرزور والهدهد والحمرية وغيرها من الطيور التي هجرت المكان بعد العدوان وتجريف الأرض.
يضيف الخيسي وعيناه شاخصةً ويداه تشيحان تجاه قطعة الأرض الأخرى التي يمتلكها والبالغة مساحتها (26) دونماً على الحدود "لم أتمكن من الوصول إليها وزراعتها لأن قوات الاحتلال الرابضة على الحدود تطلق نيرانها بين فترة وأخرى، وبقيت أرضي خارج نطاق الاهتمام".
خسائر لم تتوقف
لم تتوقف خسائر المزارع صالح عند الأرض بل امتدت لتشمل بئر الماء، الذي يغذي أرضه، وكذلك البهائم والطيور التي كان يربيها، كمصدر دخل للعائلة المكونة من( 64) فرداَ إلى جانب ما تجود به الأرض.
على الرغم من قتامة الوضع وسوء الحال، إلا أن المزارع صالح أصرّ على أن يزرع أرضه بالخضار عوضا عن شجر الزيتون الذي تم تدميره، بعد أن وضعت الحرب أوزارها مباشرة، ليبدأ موسم جديد لحين تصله المساعدات المخصصة للمزارعين المتضررين.
ويقترح المزارع صالح الذي يمتلك خبرة قاربت على النصف قرن عمل خلالها كمزارع داخل الخط الأخضر أن يتم استثمار مياه الصرف الصحي المعالجة في ري بعض المزروعات، موضحاً أنه سبق وأن قام بتجربة تلك المياه في ري الحبوب كالذرة والبازلاء للتغلب على مشكلة المياه. رافضاً هجر أرضه أو التصرف بها بالبيع على الرغم من العقبات والتحديات التي تواجهه.
فقد 10 آلاف حفرة
نزار الوحيدي مدير عام الإدارة العامة للإرشاد والتنمية قال لمجلة " آفاق" " فقدنا (10) آلاف حفرة سببها العدوان وبلغت كمية التربة المفقودة حوالي (300) ألف متر مكعب أي بمعدل من( 500-900) ألف متر مكعب من التربة في الهواء".
ولفت الى أن معدل تحول الأراضي سنويا يبلغ (500) دونم زراعي لصالح إقامة إلى مناطق سكنية، وأن التحول لم يحدث فجأة، وجاء ذلك عندما قررت وزارة التخطيط إصدار مخططها الاستراتيجي الذي تضمن تحويل مساحات كبرى من المناطق الزراعية إلى سكنية، ومنها الشريط المحاذي لشاطئ البحر الذي جرى تحويله إلى طريق سياحي، وهذا أدى إلى تناقص المساحات بشكل كبير والارتفاع والتوسع العمراني خلال فترة انتفاضة الأقصى عام( 2000م)، كل ذلك ترك أثراً على المساحات الزراعية.
وذكر بأنه بعد عام (2007) اختلفت رؤية الحكومة ذاتها إلى المخطط الإقليمي من ناحية النظر للجوانب السكنية منه، وتجميد بعض المناطق العمرانية مثل منع التوسع المبرمج باتجاه غزة، وكذلك مدينة بيت حانون بإتجاه الشمال، وكان زحف البنيان بإتجاه شمال وغرب بيت لاهيا.
القانون أوقف الأيدي المتنفذة
وقال الوحيدي إن قانون وقف التعديات أوقف الأيدي المتنفذة، وهذا ما شاهدناه بأم أعيننا لشخصيات قيادية أقامت على الأرض المعتدى عليها فللاً خاصة بها، فتم لاحقا معالجة الموضوع.
وينفي الوحيدي أن يكون قد جرى تحويل الكثير من الأراضي الزراعية لصالح المد العمراني، حيث لم يحدث تحويل اراضٍ من تلك المناطق سوى "قطعتين": الأولى بمساحة ( 100 دونم ) في خانيونس مخصصة لإقامة بركة تجمع مياه الصرف الصحي المعالجة وتستخدم للري، ومنطقة أخرى جرى استبدالها في مخيم البريج وهي عبارة عن بيارة مصممة ضمن كانتون المخيم، وتم إبقاءها زراعية على أن يُعطى المزارع منطقة أخرى لا تتوفر فيها المياه كمنطقة سكنية وتمت عملية الاستبدال.
إجراءات حماية
وأشار الوحيدي أن الفترة الواقعة بين (2007-2014) شهدت إجراءات لحماية المزارع من المنشآت الصناعية العشوائية ومنع ترخيصها ومقاومة الكسارات ومعظم الأنشطة ذات الآثار السلبية على الزراعة، مؤكدا على ضرورة عدم الاستسلام والرضوخ لرغبات وضغوطات العدو الصهيوني وإفرازات اتفاق أوسلو، بالإقرار بوجود منطقة بعمق ( 500 ) متر تخصص للمطاردة الساخنة وهذا يشكل انتقاصا لحقوقنا المشروعة، وأن هذه المناطق التي تسمى ( المنطقة العازلة) لا تزرع فيها أشجار مرتفعة حسب ما أقرته السلطة الفلسطينية.
وأوضح الوحيدي أن كل هذه الممارسات أثرت على منظومة التنوع الحيوي الذي يشمل جميع الكائنات الحية.
منوهاً أن المنطقة الحدودية دوماً معرضة للمشاكل الفاعلة والكبرى، فهي الميدان الذي تدور فيه رحى الحرب الميدانية، وهي المنطقة التي تستقبل النصيب الأوفر من القنابل الثقيلة المختلفة التكوينات الفيزيائية والكيمائية، وما ينتج عن ذلك من تدمير للتربة والتعاقب الطبقي الطبيعي بالإضافة إلى تغير كيمياء التربة ذاتها، كما أن حفر التربة وتجريفها يهدم التربة من ناحية، ويقلب الطبقات، فتنتقل الطبقات السفلية ذات الملوحة وقليلة النشاط الحيوي والخصوبة للخارج.
ونبّه أنه أمام هذه المعطيات، فمن الصعوبة بمكان إعادة التربة لوضعها السابق خلال عشر سنوات كأقلّ تقدير.
الأسلحة وآثارها
وأشار إلى الأثر الكيميائي للأسلحة التي استخدمها الاحتلال الصهيوني والتي تصنّف بالمحرّمة دوليا، أثرت بشكل كبير على التربة والتنوع الحيوي. وما زاد الطين بلِة إصرار الاحتلال على عدم السماح بخروج العينات للمختبرات الخارجية للوقوف على نتائج آثارها، عدا عن قصف المختبرات المحلية في المؤسسات الحكومية، ومنع دخول الآليات وأجهزة الفحص الحديثة نتيجة الحصار الجائر بحق شعبنا.
 |
 |
|
طائر الحجل (الشنار) الذي اختفت آثاره بعد عدوان صيف 2014
|
طائر الزرزور الذي انقرض من غزة إثر العدوان الصهيوني |
إسرائيل تتحمل
"البلد إلّي ما فيها طير ما فيها خير" جملة استهل بها المختص بحماية البيئة المهندس عطية البرش حديثه حول قضية تناقص المساحة الخضراء وتأثيراتها السلبية على البيئة، موضحاً أن السنوات الأخيرة، قد عرّضت البيئة الفلسطينية لتدهور في معظم موارد المكونات الطبيعية.
وحمّل إسرائيل مسؤولية التدهور الخطير في التنوع الحيوي نتيجة العدوان المتواصل بين فترة وأخرى، على القطاع والذي شمل كل عناصر ومكونات البيئة، بدءا من تسميم التربة بالمواد والعناصر الخطرة وانتهاءً بالسيطرة على منابع المياه الجوفية العذبة وحجبها، ما أدى إلى هجرة الطيور واندثارها خاصة في منطقة الوديان منها كوادي غزة، سيّما وأن التنوع الحيوي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بوجود المياه.
ونوه أن الكثير يجهل مفهوم التنوع الحيوي الذي يمثل كل أشكال وأنواع الكائنات الحية الموجودة في نظام بيئي ما، سواء نبات او حيوان لافتا أن قطاع غزة على الرغم من محدودية مساحته الجغرافية، إلا أنه كان يحظى بتنوع كبير في الكائنات الحية النباتية والحيوانية.
وقال:" أن التنوع الحيوي ينقسم إلى أربعة أقسام منها التلال الساحلية، الكثبان الرملية، التلال الداخلية والانخفاض الطولي، وان ما يميز القطاع هو التشابه في المظهر الجيولوجي".
وأشار أن سلطة جودة البيئة خلال السنوات الماضية أجرت عدة دراسات على التنوع النباتي في ( وادي غزة ) وجرى حصر أكثر من (70) نوعاً من النباتات البرية ( الطبية) فما بالنا في المناطق الأخرى.
وأوضح أن تدمير الاحتلال الإسرائيلي للمناطق الشرقية وهي موطن التنوع الحيوي أدى على سبيل المثال إلى اندثار الأرانب البرية، نتيجة تجريف الأراضي، كما انقرضت بعض أنواع الطيور من موئلها الرئيس في منطقة جبل الريس والكاشف شرق المدينة، مثل طائر الحجل والدجاج الهندي، حيث تحولت تلك المناطق إلى ركام.
الحصار مُعيق
كما أشار البرش أن الحصار المطبق على القطاع أعاق إنشاء محميات طبيعية خاصة في منطقة وادي غزة, ومنطقة المواصي كما أجهز على المشاريع التي خططت للوادي، نتيجة فتح إسرائيل للسدود والتي دمرت كل المشاريع.
المزارع ذو الأربعين عاماً زياد خشان، عبر عن سخطه لما آل إليه وضعه المعيشي اثر العدوان الإسرائيلي، والذي أتى على بئر الماء الذي يغذي الأرض التي يعمل بها كمستأجر والبالغة مساحتها (26) دونما، وكانت تكفي حاجة أسرته المكونة من تسعة أفراد.
الخراب يمتد
يضيف بألم وأسى: "لم يقتصر الخراب على تدمير الأرض، بل طال أكثر من ( 23 رأسا من الأغنام والخراف، عدا عن نفق الطيور والدجاج التي ماتت عطشاً خلال العدوان".
ويأمل خشان الذي يمتهن فلاحة الأرض منذ زمن طويل، أن يتمكن من إعادة الحياة لشجر الزيتون والخضرة التي كانت تكسو الأرض الواقعة شرق مدينة عبسان، خاصة بعد أن وجد حلولاً مؤقتة لمشكلة المياه اللازمة للزراعة، من خلال مد خط للمياه من مكان قريب بمقابل مادي حسب كمية المياه المستهلكة واللازمة لأرضه.
ولفت أن الطيور المتعددة الأشكال والأنواع هجرت المنطقة إثر العدوان الإسرائيلي، فلم يعد يشاهد أية طيور كالسابق، وجاءت العاصفة الأخيرة ( هدى) لتقضي على أي أثر لتلك الطيور.
عدم اهتمام الحكومة
الخبير في قضايا التنمية ومدير المركز العربي للتطوير الزراعي محسن أبو رمضان قال: أن الزحف العمراني يعد أحد أسباب تناقص المساحة الخضراء في قطاع غزة، عدا عن عدم وجود برامج من قبل الحكومة لدعم المشاريع التنموية للمزارعين".
وتابع في ذات السرد أن هذه الأسباب دفعت معظم المزارعين لهجر الأرض والتوجه للمشاريع الاستثمارية ذات الربح السريع، خاصة في ظل ارتفاع ثمن الأرض.
توصيات
ويرى الوحيدي أن حلّ مجمل القضايا البيئية يتم عبر الحلّ الزراعي من خلال العمل بشكل جاد والضغط بكل الاتجاهات لتبقى المناطق الشرقية مناطق زراعية خاصة وأن سلة غزة الزراعية تعتمد على ( 22 ) ألف دونم مزروعة والتي تنتج سنويا ما يقدر بـ (100) ألف طن من المواد الغذائية الكافية لتحقيق الأمن الغذائي لسكان القطاع.
ويعتقد أبو رمضان أن انضمام فلسطين لمحكمة الجنايات الدولية وتوقيعها على معظم الاتفاقيات الخاصة بحماية البيئة خطوة سيترتب عليها استحقاقات وحقوق للسلطة الفلسطينية، حيث ستصبح ملتزمة بالاتفاقيات الدولية ذات العلاقة بالبيئة وستقدم تقارير حول سياساتها فيا يتعلق بهذا الشأن. وستمكن السلطة من رصد الانتهاكات الخاصة بالبيئة ومقاضاة إسرائيل، وهذا من شأنه أن يحدّ من الانتهاكات الإسرائيلية بحق البيئة الفلسطينية.
وعلى صعيد الاقتراحات الصادرة عن سلطة جودة البيئة لحماية التنوع الحيوي، أكد البرش أن السلطة أصدرت اللائحة التنفيذية لقانون حماية البيئة رقم 7 (1999) لحماية الموارد الطبيعية ومن ضمنها التنوع الحيوي، كما أنها عكفت على اتخاذ عدة إجراءات وآليات لحماية قطاع البيئة، منها التوعية المجتمعية خاصة في المدارس وتنظيم المعارض، والأبحاث والدراسات الخاصة بالتنوع الحيوي.