خاص بآفاق البيئة والتنمية
على التلال الجنوبية لمدينة طولكرم، حيث الخضرة والمناظر الجذابة، يطل علينا منتجع ومتحف المنطار السياحي، إذ يجسد كل رواق فيه قصة من التاريخ والحضارة تعكس عظمة وروعة المكان.. ليس فقط عبر البناء التراثي الفريد الذي يزين المكان، بل أيضا بالتحف والنقوش التي ملأت جدران المتحف بطريقة تجذب الباحثين عن التاريخ والحضارة والفنون، بالتوازي مع الباحثين عن الاستقرار والهدوء.
وبجهود ذاتية تمكن رجل الأعمال بسام بدران "ابو جيفارا" من تحقيق حلمه الذي كان عالقاً في وجدانه مند الصغر في بناء قريته السياحية الشهيرة المعروفة باسم "منتجع المنطار السياحي"، إذ اشتق اسم المنتجع من جبل المنطار الذي شهد اكبر المعارك في ثورة عام 1936م بقيادة فوزي القاقوجي التي استخدم البريطانيون خلالها الطائرات لأول مره في التصدي للثوار.
وتكمن العظمة في تلك القرية السياحية، في طريقة البناء من الحجارة القديمة الأثرية التي تشكل رمزا للوجود والتاريخ العريق، ليشكل اليوم متحفا للتراث، إضافة إلى وجود حديقة عامة وفندق سياحي يجري العمل على بناءه من أجود أنواع الحجارة القديمة الأثرية التي تعكس تاريخ المنطقة، حيث يجري تصميمه ليحاكي فندقا تاريخيا يروي كل ركن فيه قصة من التاريخ.
وما يميز المنتجع هو البرج الدائري المبني بطريقة محكمة، إذ يطل على السهل الساحلي الفلسطيني، عدا عن الإطلالة الرائعة على جبال نابلس وطولكرم، ويكشف معاقل الثوار حول الطريق المؤدي إلى بلدة عنبتا.
يشار إلى أن الاحتلال الإسرائيلي حاول مرات عديدة خلال الثمانينيات الاستيلاء على الموقع التاريخي على جبل المنطار بهدف إقامة مستعمرة هناك، إلا أن أهالي المنطقة تقدموا بشكوى عاجلة لمحكمة العدل العليا الإسرائيلية وتمكنوا من طرد المستعمرين.
إرادة وعزيمة لا تكل
وحول الأهمية التاريخية والمكانية للموقع تحدث "أبو جيفارا" لمجلة آفاق البيئة والتنمية قائلا: "انطلقت فكرة المشروع منذ سنوات طويلة، واخترت جبل المنطار كونه يشكل حقبة تاريخية مميزة، واشتريت 14 دونما من الأرض وجمعت كميات كبيرة من الحجارة القديمة لبناء قرية فلسطينية مصغرة تحوي كافة أطياف تراث الشعب الفلسطيني داخلها، فبدأتُ عام 1972م اجمع كما هائلا من القطع الأثرية الذي سرق الاحتلال قسماً كبيراً منها".
وعن تفاصيل المنتجع السياحي، أوضح بدران أن محافظة طولكرم تفتقر لأي فندق سياحي، وعلى هدا الأساس يتم الآن بناء فندق سياحي متواضع من الحجارة الأثرية القديمة تعود للعصرين العثماني وقبله الروماني التي للأسف سرق الاحتلال قسما كبيرا من تلك الحقبتين.
ويعد الفندق التاريخي شاهدا على أصالة وتاريخ الشعب الفلسطيني من خلال الطريقة التي يتم فيها بناء الفندق وطبيعة الآثار والنقوش داخل المتحف، ويحيط به متنزها، تمت زراعته ليس بأشجار الزينة كما هو متبع حاليا، وإنما بكل أنواع الشجر المثمر الذين يعيش في فلسطين بغرض تعريف الجمهور ومن ضمنهم الأطفال بهذه الأشجار وأهميتها والتمتع بثمارها.
وأكد بدران أن متحفه يضم مئات الأشكال من الفخار والنحاس، وأدوات شهدت عصور فلسطين المختلفة، استخدمها أجدادنا لأنهم بحاجة لها، وها هي تجمع الآن لتحفظ هوية أبناء الحاضر والمستقبل، حيث يضم أدوات فخارية تجمع ثلاثة عهود من الزمن (الإسلامي، الروماني والعثماني) كذلك أدوات موسيقية قديمة تدل على روعة التراث الفلسطيني، خاصة الشبابة المصنوعة من القصب والربابة التي تدل على عروبة الارض، ناهيك عن قطع نقدية قديمة تواجدت في المنطقة.
ومن المقرر أن يتم نقل المتحف من منزل بدران إلى المنتجع بعد انجاز الشارع إليه، وهذا المتحف يشكل وثيقة إثبات للحق المسلوب، فتراث الأجداد وهوية الأسلاف جمعها بدران منذ أكثر من ثلاثة عهود واحتفظ بها في بيته تخوفا من إعدام الاحتلال لها، أو الإساءة لها من قبل بعضٍ من الجاهلين بأهمية هذا الكنز.
 |
 |
| البناء التراثي الفريد والتحف والنقوش تزين منتجع المنطار |
حديقة عامة وفندق سياحي من أجود أنواع الحجارة الأثرية في المنطار على التلال الجنوبية لمدينة طولكرم |
غياب خطة عملية لصيانة الموروث التاريخي-البيئي
يشار إلى أن وزارة التربية والتعليم سبق أن أعلنت عن منطقة "منتجع المنطار" منطقة سياحية من الدرجة الأولى بالنسبة للرحل المدرسية لما تتميز به من جمال آخاذ وطبيعة بيئية جميلة، إلا أن منطقة المنطار بشكل عام ما زالت بحاجة إلى المزيد من التطوير والمشاريع التنموية، إذ أن المؤسسات الرسمية تحديدا ووزارتي الحكم المحلي والزراعة لا تبذل جهدا في تطوير المنطقة.
فالمنطقة تعاني من قلة في الطرق الزراعية التي تحيط بمنطقة المنتجع، ما أدى إلى هلاك مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية التي تفتقر إلى تلك الطرق التنظيمية التي تساهم بشكل كبير في إنعاش المنطقة بأكملها.
كذلك الحال، بالنسبة إلى المنتجع السياحي على الرغم من الأهمية السياحية للموقع وما يشكله من متنفس لأهالي محافظة طولكرم، إلا انه يعاني من عدم وجود طريق معبد يصل ما بين المنطقة والمنتجع، وهذا كان عائقا في تطور المنطقة برمتها بشكل عام.
فخلال تجول " آفاق" في تلك المنطقة استطاعت أن تستطلع آراء بعض الزائرين للمنطقة، حيث أكد المواطن خالد جمال محمد عن أسفه الشديد من الواقع المرير التي تمر به المنطقة، حيث عبر بكلمات بسيطة بالقول: "نحن في محافظة طولكرم محرمون من مشاريع ترفيهية، وتعد منطقة المنطار المتنفس الوحيد للمحافظة، لكن للأسف لا توجد على ارض الواقع أي مقومات من بنية تحتية أو غيرها لتسهل على المواطنين الوصول إلى المنطقة بهدف الاستجمام، لو توفرت تلك الأساسيات لكانت المنطقة تعج بالسياحة من الوافدين إليها".
أما المواطن يوسف عمر أبو بيح كان له رأي أخر، حيث أكد بنبرة عالية تدل على الإصرار بالقول: "يجب على الجهات الرسمية العمل فورا لصالح تطوير المنطقة، فهي مؤهلة لتكون مصدراً استثمارياً خاصاً بالقطاع السياحي يرفد خزينة السلطة الفلسطينية بملايين الدولارات.
خطط تطويرية
وعند التوجه إلى مديرية الحكم المحلي في محافظة طولكرم للاستفسار أكثر عن الواقع الذي تشهده منطقة المنطار، أكد السيد مدير الحكم المحلي المهندس خالد اشتيه أن هناك مخططات عديدة لتنظيم المنطقة وشق طرق تخدم منطقة المنطار على وجه التحديد، لكن المعيق الرئيس هو قلة التمويل، وفي حال توفرت الموارد المائية اللازمة سوف تباشر المديرية في تنفيذ الطرق".
كذلك الحال بالنسبة لمديرية زراعة طولكرم التي أكدت على لسان مديرها المهندس احمد عبد الوهاب الكلام والحجة السابقة ذاتها، وهي قلة الإمكانيات المالية التي تحول دون تطوير الأراضي الزراعية في منطقة المنطار بشكل عام التي تبلغ مساحتها الإجمالية قرابة 1500 دونم زراعي.
 |
 |
| منتجع المنطار تحفة تراثية وطبيعية بيئية أخاذة |
منتجع المنطار تزينه الحجارة الأثرية القديمة |
بدران يرد
وتعقيباً على الآراء السابقة أكد بدران أن هناك إهمالاً منذ البداية لتلك المنطقة، "فمند ثلاث سنوات وأنا اقرع أبواب الجهات الرسمية والأهلية لشرح واقع المنطقة، فبحسب برتوكول السلطة الفلسطينية فان وزارة الحكم المحلي ملزمة بعمل طرق باتجاه أي مدرسة ووقف ديني أو حتى منتجع سياحي يخدم المنطقة، لكن ما يجري على ارض الواقع هو تباطؤ في تطوير المنطقة التي تعد عدا عن كونها مقصداً تاريخياً وبيئياً فهي تعد مصدر دخل للمئات من العائلات في قرى جنوب محافظة طولكرم، فلو تم التركيز على منطقة المنطار من الناحية التطويرية من طرق زراعية أو حتى مخططات تنموية لقُلِب حال المنطقة بشكل ايجابي على المحافظة ككل، لما سوف تشكله تلك الخطوة من جذب مشاريع استثمارية عديدة أخرى تعكس بظلالها على عجلة اقتصاد المنطقة ككل، وتوظف العشرات من الأيدي العاملة الفلسطينية، بالإضافة إلى خلق متنفس حقيقي لأبناء المحافظة والمحافظات المجاورة، خاصة أن محافظة طولكرم باتت محاصرة ومحدودة الموارد الاقتصادية في ظل الحصار الإسرائيلي وإقامة الجدار العنصري.