الحشرة القرمزية تهاجم صبّار فلسطين.. و"الزراعة" توصي بمبيد "محظور"
خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
بعد جولاتٍ أجراها المرشدون الزراعيون اكتشفوا أن الحشرة القرمزية هي من تغزو نبات الصبر الفلسطيني، ومن ثَّم أبلغوا الادارة العامة في وزارة الزراعة التي ما لبثت أن نقلت المهمة للإدارة العامة للوقاية؛ لتتابع انتشار الحشرة وتحاول حصر أماكن وجودها بإطلاق برامج إرشادية عامة تعمل على مكافحتها. وزارة الزراعة أوصت بــ رشّ مبيد chlorpyrifos (اسمه التجاري: درسبان) وكانت قد حظرته في عام 2011، كما أنه حُظر أيضًا في "دليل المبيدات المسموح تداولها" في مناطق السلطة الفلسطينية الصادر عن الوزارة عام 2017، ولم يَرد فيه السماح باستخدام هذا المبيد الحشري الفسفوري العضوي الذي يتلف الجهاز العصبي المركزي للإنسان، علاوة على إتلافه الأوعية الدموية والجهاز التنفسي، وإخلاله بالمادة الوراثية (DNA). وقد استخدمت أميركا هذا المبيد، إلى جانب مبيدات أخرى، كـغاز أعصاب في حرب الخليج عام 1991 ضد الشعب العراقي.
|
 |
| آثار الخراب في الصبر الناتج عن الحشرة القرمزية |
سيدة مسّنة كان لها الفضل في اكتشاف آفة زراعية نالت من صبار أو "صبر" قريتها "رنتيس" الواقعة غرب مدينة رام الله.
أم فايز هي امرأة صاحبة فِطنة، تهتم بشئون الطبيعة، وتمارس العلاج بالأعشاب الطبية، ذات يومٍ لفت انتباهها "لوح صبر" مغطى بمادة قطنية، ولم تخفِ دهشتها أمام المشرفين على مشروع "مقامات رنتيس" في قريتها، وقالت حينها: "بلغتُ من العمر 70 سنة ولم أرَ في حياتي شيئًا كهذا"، طالبة منهم مساعدتها في حل اللغز.
الفنانة بترا البرغوثي، مديرة مهرجان سوق الصبار للثقافة والتسوق، وإحدى مؤسسيّ المشروع "مقامات رنتيس" اهتمّت بالأمر، فحملت لوح الصبار لتستشير مهندسًا زراعيًا، الذي استنتج أن هناك حشرة أصابت الصبار.
البرغوثي وبمساعدة فريقها أرسلت لوح الصبار إلى وزارة الزراعة حتى تقوم بالفحص، وبدورهم أكدوا أنها آفة منتشرة في كل فلسطين.

إصابة الصبر في قضاء رام الله بآفة الحشرة القرمزية
ضعف الإمكانيات
مرشدو الوزارة اطلّعوا على وضع أشجار الصبار في القرية، وأوصوا في تقريرهم باستخدام نوعٍ معين من المبيدات الحشرية، فيما المجلس القروي أحصى المناطق التي تزرع فيها أشجار الصبار وتعاني المشكلة نفسها، إلا أن المعضلة كانت فيمن يتولى عملية الرش ويوفر المعدات ويشرف على العملية برّمتها.
الفريق الذي يُشرف على المشروع الثقافي والمهموم بإنقاذ مصدر رزق الكثير من أهالي القرية اصطدم بضعف الإمكانيات للمجلس القروي، أما وزارة الزراعة اعتذرت عن أداء واجبها بسبب "غياب الإمكانيات".
لذا سارع الفريق إلى التعاون مع المجلس القروي، للبحث عن متطوعين وعن أدوات للرش ومعاينة الأشجار المصابة والموزعة في أماكن وعرة ومختلفة، مع العلم أنه يجب تجنب المنخفضات أثناء الرش، تلك المصاعب عرقلت تنفيذ عملية الرش في مرحلته الأولى، والتي نصحت بها وزارة الزراعة.
وحسب إرشادات الوزارة، عملية الرش كان يجب أن تتم على مرحلتين، الأولى في نهاية شهر فبراير ومطلع شهر مارس، والثانية في نهاية شهر إبريل وبداية شهر مايو.
وفي نهاية شهر إبريل تمكن فريق من المتطوعين من رش بعض الأماكن المصابة ضمن الإمكانيات المتاحة.
مشروع مقامات أراد بمساعدة المجلس إنقاذ القرية من جهة، كما أنه كان بصدد التحضير لمهرجان الصبار، واسم المهرجان لا يرتبط في الأساس بثمرة الصبار بما أن القرية تشتهر بها، وإنما له بعد رمزي يشير إلى حياة أهالي القرية وصبرهم على المشاق.

الحشرة القرمزية تغزو محصول الصبر في بعض قرى رام الله
الحشرة القرمزية
يقول عماد عيد رئيس قسم أمراض النبات في وزارة الزراعة، إن الحشرة التي أصابت الصبار في عدة أماكن في فلسطين هي الحشرية القرمزية، وتصيب هذه الحشرة نبات الصبار فقط، ولونها أحمر داكن كونها تفرز السائل القرمزي "الكارمين"، وموطنها الأصلي الغابات الاستوائية وشبه الاستوائية في أميركا والمكسيك.
ولأن الصبار في فلسطين يُزرع في أماكن وعرة وعشوائية، وغالبًا يُشكل جدارًا حول المزارع، فقد ساهم ذلك في سهولة انتشار الحشرة وصعوبة السيطرة عليها بشكل سريع.
وأضاف عيد: "هذه الحشرة رُصدت في فلسطين قبل سنتين في محافظة جنين، وحينها عملت الإدارة العامة أكثر من مشاهدة للتوصل للأسلوب الصحيح لإدارة الأزمة، إلا أنها انتشرت لاحقًا في رام الله وسلفيت أيضًا، وربما وصلت لمناطق أخرى، وهي تتركز في المناطق قرب الجدار، إذ تُسجل هذه المناطق أعلى إصابات للصبار وتشهد انتشارا سريعا".
وتأخذ الحشرة القشرية الرخوية شكلًا بيضاويًا، وتُفرز مادة شمعية فتظهر الحشرة كالقطن، وعلى شكل مجموعات، وتعمل الحشرة على امتصاص المواد الغذائية والسوائل من الصبّار، ما يؤدي إلى جفاف ألواح الصبار، ومع شدة الإصابة تسقط الألواح وقد تسقط الشجرة كلها.

الحشرة القرمزية تغزو نبات الصبر
في مرحلة الدراسة
ويشير عودة صبارنة، مدير دائرة البستنة الشجرية في وزارة الزراعة، إلى أن الحشرة القرمزية اُكتشفت في جولات المرشدين الزراعيين الذين لاحظوا الحشرة وتأكدوا من هويتها، وعندئذ أبلغوا الإدارة العامة في الوزارة التي نقلت المهمة للإدارة العامة للوقاية التي تتبّع انتشار الحشرة، وتحاول حصر أماكن وجودها لعمل برامج إرشادية عامة.
وأكد أن الإدارة العامة للوقاية تعكف حاليًا على دراسة المبيدات اللازمة، إذ تجري بعض الدراسات وتتواصل مع دول الجوار لتحدد نوع المبيد المناسب ليستخدمه المزارعون.
وبحسب صبارنة، فإن الوزارة تنظم حملات جماعية للرش بالتعاون مع البلديات وهيئات الحكم المحلي، متوقعًا السيطرة على الحشرة في العام القادم.

موسم قطف ثمار الصبر
توصيات
وبالعودة إلى رئيس قسم أمراض النبات في وزارة الزراعة، فإنه لا ينظر بعين القلق إلى ثمار الصبّار المُصابة ويراها "ليست ضارة"، موضحًا: "عندما نقشر الثمرة نتخلص منها، والقشرة هي موطن نشاط الحشرة التي تمتص العصارة، وبالتالي لا مشكلة من أكل الثمرة نفسها(...) المشكلة تكمن في أن الحشرة تضرب الإنتاج وتقضي على الشجرة بانتشارها.
وعن إمكانية القضاء على الحشرة، صارحنا بالقول: "القضاء عليها صعب، ومع ذلك علينا أن نحاول السيطرة عليها ونمنعها من الانتشار".
ويوصي بضرورة التوقف عن نقل ألواح الصبار للغنم من المناطق المصابة إلى أخرى، واستخدام صناديق بلاستيكية لنقل الثمار من أجل تعقيمها، مع أهمية تقليم الأشجار.
وذكر عيد أن بداية الربيع هو أنسب وقتٍ للرش، مشيرًا إلى أن الوزارة استخدمت في أول بقعة مصابة أكثر من مبيد حشري، وحصلت على نتائج جيدة، وأوصى برش مبيد chlorpyrifos مع زيت صيفي او زيوت أخرى، إذ يُخلط الدواء مع الزيت الذي يخنق الحشرة، وقال إنه يمكن استخدام سائل التنظيف مع المبيد.
وأبدى عيد استياءه من تعامل المزارعين مع الآفات التي تصيب مزروعاتهم، "هذه الحشرة لا يمكن التعامل معها بواسطة متاجر بيع المبيدات الحشرية، بينما الأجدر بالمزارع مراجعة وزارة الزراعة أو إحدى المديريات التابعة لها، حتى ترشده كما يجب".
وحث على استنفار الجهود الجماعية للتصدي "للقرمزية"، كون الصبار يقع في مناطق نائية ومتفرقة، إذ يقع على عاتق المجالس البلدية والقروية دورًا مهمًا، كما دعا مؤسسات المجتمع المدني للمشاركة في السيطرة على الحشرة لمحاصرتها والقضاء عليها ومنع انتشارها.
الزراعة توصي بمبيد محظور
توصيات وزارة الزراعة باستخدام مبيد chlorpyrifos فاجئت الخبير البيئي جورج كرزم، مدير وحدة الدراسات والإعلام البيئي في مركز العمل التنموي "معا"، الذي استهجن بشدة توصية وزارة الزراعة باستخدام مبيد حشري كانت قد حظرته عام 2011، والمفارقة أنه حُظر أيضًا في "دليل المبيدات المسموح تداولها" في مناطق السلطة الفلسطينية الصادر عن الوزارة في عام 2017، ولم يرد فيه السماح باستخدام هذا المبيد الحشري.
إليكم قرار وزارة الزراعة عام 2011 بحظر استخدام مبيد "كلوربريفوس" بأسمائه التجارية المختلفة، إضافة إلى مبيدات أخرى.

وقد اتخذ هذا القرار في حينه، عقب تحقيق تلفزيوني مشترك بين مجلة "آفاق البيئة والتنمية" وتلفزيون وطن ضمن برنامج "عين على البيئة"، إذ كشف التحقيق (بالأدلة والوثائق) تفشي الفوضى والعشوائية في التعامل مع المبيدات الكيميائية في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وعدّ الخبير كرزم التوصية بمبيد "كلوربريفوس" ما هو إلا ترويج مباشر لاستخدام مبيدات سامة وخطرة ومُمرضة، بل وقاتلة.
وتابع حديثه: "المبيد الذي أوصى به المرشد الزراعي محظور ليس فقط في العديد من دول العالم، بل حتى في مناطق السلطة الفلسطينية!، في دلالة واضحة على مدى العشوائية والفوضى الكيميائية الزراعية الخطيرة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وغياب المنهجية العلمية الواضحة في عملية حظر تداول مبيدات معينة أو السماح باستخدامها؛ فيما يواصل بعض المرشدين الزراعيين الترويج للمبيدات التي حظرتها الوزارة ذاتها!
"علماً أن العديد من دول العالم، وفي مقدمتها دول الاتحاد الأوروبي وبعض دول أميركا اللاتينية (كوبا) وجنوب شرق آسيا (فيتنام) دأبت منذ سنواتٍ طويلة على طرح بدائل طبيعية وبيولوجية وعضوية وميكانيكية للوقاية من الآفات والأمراض الزراعية أو لمكافحتها" يواصل كرزم.
وأكد أن المبيد الحشري المذكور لمكافحة آفة الصبر، مبيد فسفوري عضوي يتلف الجهاز العصبي المركزي للإنسان، ناهيك عن إتلافه الأوعية الدموية والجهاز التنفسي، وإخلاله بالمادة الوراثية (DNA). وقد استخدمت أميركا هذا المبيد، إلى جانب مبيدات أخرى، كـ"غاز أعصاب" ضد الشعب العراقي في حرب الخليج عام 1991. وبسبب آثاره الصحية والبيئية الخطرة والمميتة، حُظر استخدامه في دول الاتحاد الأوروبي والعديد من الدول الأسيوية.
استياؤه من عدم التطور في التعاطي مع الكيماويات الزراعية، عبر عنه على شكل تساؤل: "أيُعقل أن تتقدم الكثير من دول العالم في سن قوانين صارمة بشأن التعاطي مع المبيدات الكيميائية، حفاظًا على الصحة العامة والبيئة والتربة؛ بينما تُبقي وزارة الزراعة على التعامل الكيميائي الزراعي الشبيه بالوضع الذي كان سائدًا في فترة الحكم المباشر لما يسمى "الإدارة المدنية" الإسرائيلية (حتى عام 1995) والتي كانت تشرف على القطاع الزراعي الفلسطيني".