خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
صنعوا عالمهم الخاص عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بمحتوى يجمع بين الفائدة والمتعة، بعيدًا عن نمط التسلية المعهود الذي يشد المتابعين، ويجمعهم في ذلك روح وثّابة محبة للطبيعة والزراعة. من فلسطين والسعودية وسوريا والكويت، نتعرف على جمال الزراعة وأثرها في قلوب المهتمين بها؛ فقد كانت التغيير الجذري في حياتهم، وأحدثت قفزات جميلة ومختلفة؛ عندما انصبّ اهتمامهم على "كائن حي" يعتمد عليهم اعتماداً كلياً وإذا ما أهملوه ولو لفترة بسيطة يتأثر إلى درجة الموت.
|
صنعوا عالمهم الخاص عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بمحتوى يجمع بين الفائدة والمتعة، بعيدًا عن نمط التسلية المعهود الذي يشد المتابعين، فعلى صفحاتهم الشخصية يحدثون الناس عن حبهم للأرض والزراعة والحدائق وطرائقهم وتجاربهم، وما يلفت الانتباه أن الكثير من المهتمين يتابعون بشغف ما ينشرونه من نصائح وإرشادات.
جولة ممتعة تنقلّنا فيها بين شباب "مؤثرين" في هذا المجال، ممن يحظون بقدر جيد من المتابعين.
زراعة منزلية وطعام تراثي
ضيفتنا الأولى في التقرير، شابة "نابلسية الأصل" مقيمة في مدينة دبي، اسمها مي الجنيدي، والمعروفة في وسطها باهتمامها بمجال الطهي، جذورها راسخة تمتد إلى بلادنا الساحرة التي ظن العدو باحتلالها أنه سلبَ أبناءها جمال مروجها وبساتينها وألوان حقولها، ولكن ظنه ليس في محله، فهو لا يدرك أن حبهم للحياة لا يكتمل سوى بهوى أرضها وترابها المعطر برائحة المسك التي تفوح من شهداءها، هم الذين يثمر عشقهم للأرض وعياً وعملاً دؤوباً وقوة للحفاظ عليها، وإن كانوا بعيدين عنها، فالشوق بقلبهم يقربهم كل يوم، فلا بعدٌ دائم ولا عدو أقوى من إرادتهم.
 |
 |
| بندورة عضوية من إنتاج مي الجنيدي |
تنوع ساحر للأزهار من إنتاج وعناية مي الجنيدي |
في صفحة مي، استوقفتنا عفويتها ورشاقة ابتسامتها، وتلك عوامل مهمة تشد رواد مواقع التواصل الاجتماعي، بروح الفكاهة تحبّب متابعيها بالطبيعة، وتحثهم بطرق بسيطة على التحقق من مصادر موثوقة للطعام والاهتمام بها من خلال الزراعة المنزلية.
شوقها لا ينطفئ إلى فلسطين، التي زارتها عام 2000 وتجولت في القدس وبيت لحم والخليل، وكانت تلك المرة الأولى والأخيرة، فيما تبقى أمنيتها أن ترى بيت أجدادها.
تحدثني عن بداية اهتمامها بالزراعة المنزلية والطعام التراثي، ونشر ما يخصهما عبر صفحتها فتقول: "الزراعة عندي شغف شخصي، كان والدي -رحمه الله- مهندس زراعي، وولدت أنا بالمزرعة وكبرت فيها وتفتحت عيناي على مختلف الخضروات والفواكه التي كان أبي يزرعها في كل موسم، فنما بداخلي الحب للزراعة".
ذات يوم نشرت مي وصفة بصحبة والدتها وعَنونتها بهاشتاج " تيتا فوفو" فتجاوب المتابعون معها وأحبوا الفكرة، ما شجعها على الاستمرار بنشر وصفات تراثية والتقاط صور لما تزرعه في مزرعتها وتحضرّ منها ألذ الأطباق.
تخبرني مي أنها دائمًا تنصح هواة الزراعة المبتدئين بــ "عدم الإحباط سريعًا، لأن الزراعة تحتاج لنفس طويل واستمرار المحاولة".
وتضيف: "أشعر دائماً بأن تمسكي بفكرة العودة يكون من خلال تمسكي بالزراعة ونشر الأكل التراثي وربطه بقضيتنا وتاريخنا من خلال "تيتا فوفو " لأن أحاديثها تثبت أننا قبلهم في هذه الأرض، تقطع حديثها بعفوية وروح طفولية لتقول لي "بديش احكي اسمهم طيب.. لأني بكرههم كثير"!
وحال مي كحال الكثير من المغتربين عن الأرض، فالوطن ملاذ آمن لأبنائه وحب متجذر رغماً عنهم، مواصلة حديثها في السياق نفسه: "دائماً آخذ الثمار من مزرعتي وأكافئها بجلسة تصوير، وأشوّق المتابعين بإخبارهم أننا سنستخدمها قريباً في وصفة جديدة، ليظل الأمر عالقاً في ذهنهم، مثلاً أخبرهم " قريباً رح نعمل سلطة كثير طيبة بالشمندر اللي حصدناه من مزرعتنا" تبعاً لكلامها.
وعلى صفحتها The Wizard of Yum
في منصة "انستغرام" تُوصي متابعيها المبتدئين بزراعة "نبتة قلب عبد الوهاب"، "كل ما هنالك أنك يجب أن تعرف أساسياتها البسيطة في الاعتناء بها وإكثارها" والكلام لها.
وتسجل الملاحظة التالية ليتذكرها قراء مجلة "آفاق البيئة والتنمية": "تتأتي المعرفة بشؤون الزراعة المنزلية الناجحة بالقراءة المكثفة حول النباتات والبيئة التي تحتاجها، ومن المهم أن نملك علماً بسيطاً في هذا الجانب، ويا حبذا عندما نهمّ بشراء نبتة أن نقرأ عنها أولاً ونطلع على متطلباتها وليس فقط نقتنيها لأنها حازت على إعجابنا".
مي من الأشخاص الذين يؤمنون بنتائج الدراسات، تلك التي مفادها أن التحدث إلى النباتات يساعدها على النمو، وأنها تشعر بمن يرعاها ويهتم بها، وحتى تلك التي تؤكد أن النبات يسمع ويرى ويفرح ويخاف.
وتعقّب بقولها: "حين أسافر يُخبرني زوجي أن بعض النباتات ذبلت بالرغم من اهتمامه بها، وأنا حقًا مقتنعة أن النباتات تشعر بحبنا وارتباطنا واهتمامنا بها".
عملية صعبة بحاجة للحب
"أرفف الزهور، هذا الركن من الحديقة حاز على إعجاب الكثير من المتابعين على الرغم من بساطته، استمتعوا بأقل التكاليف بإضافة هذا الركن"، إنه واحد من منشورات بَديعة كثيرة للمهندس الكويتي أحمد العنزي، الذي تبدو صفحته الشخصية للوهلة الأولى "متحفًا لعرض مختلف أنواع الزهور"، فلا تستطيع منع نفسك من أن تصيح مشدوهًا بجمال أنواع منها، ولا بد وأنك حينها ستتساءل: أي الزهور هذه يمكن أن أزرعها في بيتي؟، حتى أنا همست لنفسي: "كيف لنا أن نجعل بيوتنا بهذا السحر؟
ويعمل العنزي في "شركة نفط الكويت"، وهذا بعيد عن عالم الأزهار والزراعة، ولكن في قصته ما مهدّ لهذه التركيبة، يقول: "في طفولتي كان والديّ يزرعان "الحب" في بيتنا، أينما تجوّلت هناك أشجار خضراوات وبرتقال وسدر ونخيل، وفي المدرسة اكتشفَ "مدرس العلوم" حبي للزراعة وأخذ يشجعني على المشاركة في أنشطة تخصها، ومنذ ذلك الوقت وأنا أحاول رغم فشل المحاولات الأولى، إلا أن الاستمرار يعطينا النتيجة المرغوبة دائماً".
"ماذا أضافت لك الزراعة؟".. يبتسم للسؤال ويخبرني: "الزراعة أهم وأكبر تغيير في حياتي، ولها الفضل فيما تحقق لي من قفزات رائعة، إنه شعور مختلف تمامًا عندما يعتمد "كائن حي" عليك اعتماداً كلياً، ولو تم إهماله لفترة بسيطة فإنه يتأثر وقد يموت"، يصمت قليلاً ثم يقول: "صعب جداً أن أتخلى عن الزراعة".
مزرعة المهندس أحمد زرعها ببذور ابتاعها من الكويت والدول المجاورة ومن بريطانيا وأمريكا، متنهدًا بارتياح: "نجحت بحمد الله في نيل مرادي وبعدها تشجعت لتحفيز الناس على زراعة الأزهار بمختلف أنواعها".
ويتبنى رأيًا يدافع عنه بقوة خلاصته أن الزراعة عملية صعبة تحتاج لأشخاص يحبونها، ولا يقبل الترويج بأنها أمر سهل، والجميع يستطيع القيام به، معللًا بالقول: "لأن النباتات تتطلب عناية مستمرة، فهي كطفل في البيت وعلى إثره نبرمج نظام حياتنا"، ناصحًا الجميع في بداية توجههم للزراعة بشراء نباتات جاهزة " شتلات " وليس بذور ليرى الفرد إن كان قادراً على العناية بها أم لا، وهل لدية الهواية ليتوسع فيها لاحقًا، وقتها تتضح الصورة ويتخذ قراره.
 |
 |
| أحمد العنزي من الكويت- صفحته للوهلة الأولى تبدو وكأنها متحف لعرض مختلف أنواع الزهور |
أزهار يرعاها ويربيها احمد العنزي مهندس في شركة نفط الكويت وعاشق للأزهار والزراعة |
ويبدي أسفه تجاه التقاعس في العناية بالحدائق العامة في بلادنا العربية، مضيفًا: "نغفل عن أن الكثير من الأزهار تناسب أجواءنا، وليت جهودنا تتكاتف من أجل تطوير حدائقنا لأصبحنا ننافس الحدائق الأوربية".
 |
 |
| الاوراق الجديدة من القرفة- تربية وعنايةعبد المجيد الحربي |
الليمون المكسيكي بعمر السنتين- تربية وعنايةعبد المجيد الحربي |
الفاكهة الغريبة كانت الشرارة
عبد المجيد الحربي، شغوف بالنباتات الغريبة التي يحب زراعتها في مكة المكرمة، وهو يعمل باحثاً في قسم الفلك والفضاء في جامعة الملك عبد العزيز.
تابعت صفحة هذا الرجل السعودي، واستشعرت سخاءً في نشر المعلومات المتعلقة بزراعة الأشجار، فلا يبخل بأدق التفاصيل التي يمكن أن تثري المهتمين، راصدًا التطورات التي تحدث لبعض النباتات بشكل دوري.
يقول لمراسلة "آفاق البيئة والتنمية": "ولدت في منزل تحفّه جميع أشجار الفاكهة، وكان لدى عائلتي مزرعة لإنتاج الرمان والعنب والتين والزيتون، أتذكر محاولتي البريئة في عمر الست سنوات للمشاركة في زراعة شجرة التوت الأبيض وهي فاكهة جميلة لا جهد فيها، والتي بفضل الله كانت دافعًا كبيرًا للانضمام إلى عالم الزراعة".
 |
| بداية نضج ثمار السدر الباكستاني-تربية وعنايةعبد المجيد الحربي |
وبروح الدعابة يضيف بلهجته الخليجية: "أذكر زعلت لأن الشجرة كبرت أسرع مني".
"ما الذي دفعك لإنشاء صفحة خاصة بالزراعة في "تويتر"".. يجيبني قائلًا: "ذات مرة زرت دولة النرويج، وانتابتني الدهشة حين رأيت أنواع فاكهة غريبة غير معروفة لدينا، أخذت أبحث عنها بحماس وأجمع المعلومات والبذور وطريقة الإنبات الى أن وصلت عدد تجاربي الزراعية إلى ما يربو عن ١٠٠ تجربة، وحينها خطرت لي فكرة إنشاء صفحة بــ اسم "المشتل الالكتروني" لنشر تجاربي بالإضافة إلى المعلومات المفيدة وغير المكررة قدر الإمكان".
وتطرق إلى مسألة التفرغ للهواية التي تحتاج إلى وقتاً لا بأس به يتنوع بين نشر الجديد والرد على المتابعين والاهتمام بالأشجار والعناية بها، موضحًا: "لدي مشتل خاص في منزلي لإجراء التجارب الرئيسية، وفي وقت فراغي خاصة في الليل يروق لي قضاء وقت يتراوح بين ساعتين إلى ثلاثة للاهتمام بمشتلي، وعند سفري تتولى والدتي حفظها الله المهمة بالنيابة عني".
ومن وحي التجربة، يؤكد أن أشجار الزينة هي الأسهل في زراعتها، "لأنها سهلة الإكثار وبوسع أي مبتدىء أن يقطع غصن من الشجرة الأم وينتج منه شجرة جديدة، فالعناية بها لا تحتاج إلى تقليم أو سماد أو أوقات ري معينة"، مشددًا في حديثه على أن المزارع البيتي يجب أن يعرف بيئته بشكلٍ جيد والنباتات التي تنجح بها.
ويشجع الناس بصورة أو بأخرى على استخدام "الأسمدة العضوية" وإن كانت تحتاج إلى جهد أكبر، مقارنة مع الأسمدة الكيميائية التي تتوفر بسعر رخيص.
فيما يتواصل مع المتابعين ويرد على استفساراتهم، مخصصًا لذلك ساعة أو ساعتين في الأسبوع يفحص فيها جميع الرسائل الواردة، وإذا وجد من السائل اهتمامًا واضحًا بالزراعة فإنه لا يمانع من أن يستفيض في الشرح حتى تتحقق الفائدة المرجوة".
ويستشهد بهذا المثال: "شكى لي أحد المتابعين أن لديه مشكلة في تحديد الأصل من الطعم في شجرة الحمضيات، وعندئذ هرعت إلى المزرعة وصورت له مقطع فيديو أشرح له كيف يستطيع التمييز، نظرًا لأن هذه المشكلة سبق وأن واجهتني، وأعرف أنها صعبة على مزارع مبتدئ".

قبل شراء أي نبتة
وفي صفحة المهندسة الزراعية كاميليا كميل، وهي سورية تعيش حاليًا في ألمانيا، لا تستطيع أن تمر عن منشور لها دون أن يلفت انتباهك الفائدة والجمال في المحتوى، فأسلوبها البسيط وشرحها الدقيق وموضوعاتها المتنوعة، تدفعك لمتابعتها بلا ملل.
تستهل حديثها بموقف مر بها يثبت ولائها لهذا العالم، بالقول: "ذات يوم كنت في زيارة لأصدقاء ألمان، ولمحت شتلة "قلب عبد الوهاب" التي سبق وأن أهديتهم إياها نبتة صغيرة، لاحظت أن التعب والاصفرار باديان عليها فقطعت جلستي فوراً وذهبت لتبديل تربتها، وريها ومحاولة منحها الحياة مرة أخرى، استغربوا من ردة فعلي، ولكنها الحقيقة التي أفخر بها: أن مهنتي قريبة من قلبي وأن نباتاتي تعزّ علي كثيرًا".
وتحرص على غرس المبادئ التي يجب أن يلّم بها كل شخص مهتم بالزراعة المنزلية، وتتلخص في ري النبات وتسميده وتقليمه ومدى احتياجه للإضاءة والرطوبة وظروف بيئته ودرجات الحرارة المناسبة، مضيفة: "لننتبه قبل شراء أي نبتة بمسألة الإلمام بظروف حياتها وما يتوجب توفيره من مقومات".
وتهدف من خلال صفحتها في "إنستغرام إلى "أن تصبح بيوتنا عامرة بالطبيعة والحياة من خلال النباتات، وذلك بواسطة اتباع جملة من الأسس العلمية أثناء رعايتها".

الطرق الصحيحة للعناية بنبات السجادة - Coleus sp
وبحسب رأيها، تحتاج الزراعة إلى الكثير من الصبر وتأسيس علاقة قوية مع النبات، وهذا ما يفتقده البعض عندما يستبدلون نبتة أصابها الذبول بأخرى دون التفكير بحلول لإنقاذ الأولى، محذرة من اتخاذ الزراعة هواية، لمجرد تقليد غيرنا؛ تفادياً لإلحاق الضرر بالنبات بسبب جهلنا لأساسيات ما يحتاجه.
ويعد مقدار الري المناسب عاملًا أساسيًا لبقاء النباتات المنزلية، بحسب خبرتها، لأن الزيادة أو الشح فيه كفيلة بالقضاء عليها، مشيرة إلى طردية العلاقة بين الضوء والحرارة وبين الري، وإلى أهمية أن يكون الري مشبعاً فيصل لجذور النباتات.
عندما تجولت في صفحتها توقفت عند "برعمة القمح" استفسرت منها عن الأمر، فقالت: "تعتمد الفكرة على مضاعفة العناصر المغذية الموجودة في البذرة كالحديد والكالسيوم والفيتامينات، ويكون ذلك من خلال نقع القمح بوعاء زجاجي يوم كامل ثم إزالة الماء وتجفيف القمح حتى لا تحدث تعفنات ومن ثم وضعه بالثلاجة للاستخدام".
وشددت بدورها، على ضرورة تعقيم التربة "تعقيماً شمسياً أو بالبخار أو بالمبيدات العضوية أو بأبسط الطرق وهي الماء المغلي مع القرفة" تقول كاميليا.
معربة في ختام حديثها عن رغبتها في إنشاء تطبيق خاص بالزراعة، وتأسيس موسوعة عربية خاصة بنباتات الزينة التي تهيم بها.

علاج لوقف نمو نبات الكاوشوك