كانون أول 2009 العدد (20)

مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا

December 2009 No (20)

 

لماذا "آفاق البيئة والتنمية" ؟

منبر البيئة والتنمية الراصد البيئي

أريد حلا

أصدقاء البيئة

شخصية بيئية
تراثيات بيئية

سياحة بيئية وأثرية

قراءة في كتاب البيئة والتنمية في صور الاتصال بنا الصفحة الرئيسية

 

 

حينما يشكل شريان الحياة خطرا على الإنسان

المياه في غزة ...كابوس يؤرق المواطنين ويهدد حياتهم بالهلاك

سمر شاهين / غزة

خاص بآفاق البيئة والتنمية

 

وقفت الحاجة أم بكر عبد العظيم، وهي تحمل " وعاء" تنتظر وصول المياه إلى منزلها في حي الدرج شرق مدينة غزة، بعد أن طال غيابها وتجاوز الوقت المحدد الذي تحدده البلدية ويصل إلى "48" ساعة.

وتحاول عبد العظيم "62" عاما أن تسمع صوتها لجيرانها علهم يزودونها بجالون من المياه كي تتمكن من الوضوء، وبخاصة لأن المياه التي تم تخزينها في براميل كبيرة على أسطح المنزل قد فرغت بعد أن تم استخدامها بصورة متواصلة خلال الأيام الماضية، حيث لم تصل المياه إلى المنزل إلا دقائق معدودة .

 الحاجة أم بكر ليست وحدها التي تعاني من نقص كمية المياه إضافة إلى رداءتها، ولكن مليون ونصف المليون مواطن يعانون جراء تلك المأساة التي باتت تلقي بظلالها على حياة السكان وتجاوزت ذلك لتنعكس سلبا على صحتهم.

ويعاني قطاع غزة تدهورا كبيرا في نوعية وكمية المياه المستخدمة، حيث باتت تشكل خطرا حقيقيا على صحة وسلامة المواطنين ليس فقط من حيث رداءتها وعدم ملاءمتها للمواصفات العالمية، بل أيضا بسبب شحها حيث باتت سلعة يشتريها المواطن في حال توافرها حتى وإن كانت دون المستوى المطلوب.

وتقول عبد العظيم التي تقطن منزلا لا يتجاوز الـ"120" مترا ويشاركها نحو 25 فردا، معظمهم أطفال لم يتجاوزوا 16 عاما:  "حياتنا جحيم لا يطاق بسبب النقص الحاد في المياه (...) الغسيل متراكم منذ أيام، أما "الجلي" فحدث بلا حرج فلم يعد لدينا ملعقة أو شوكة نظيفة، فكل الأدوات بحاجة إلى تنظيف، ولكن كيف لنا أن نعمل على تنظيف الأواني ونحن لا نجد ماء للوضوء وأحيانا للشرب".

ويفتقر قطاع غزة إلى البنية التحتية للمياه حيث لم يعد هناك شبكة مياه سليمة، ولكن المتوافر في قطاع غزة مهترىء ويعاني الكثير جراء التدمير الذي لحق به إبان الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة التي راح ضحيتها أكثر من 1400 شهيد، وجرح نحو 5500 مواطن، وجرفت ودمرت آلاف الدونمات الزراعية، واستهدف أكثر من 20 ألف منزل سكن إضافة إلى استهداف محطات المعالجة الثلاث قي قطاع غزة، حيث حرم المواطنون خلال الحرب من المياه.

وتفيد اللجنة الحكومية لكسر الحصار أن عدداً كبيراً من آبار المياه مُهدد بالتوقف عن العمل، نتيجة نقص المعددات وقطع الغيار اللازمة لصيانتها منذ أكثر من عامين ونصف العام، مشيرة إلى أن أكثر من 800 بئر متوقفة عن العمل بشكل فعلي وهي بحاجة إلى صيانة وإعادة تأهيل، وذلك من أصل ألفي بئر موجودة في مختلف مناطق قطاع غزة.

 

تفشي أمراض الفشل الكلوي

وعبد العظيم حرمت من المياه التي تصل عن طريق البلدية عقب تدمير قوات الاحتلال الإسرائيلي للخطوط. ومنذ بداية الحرب،  باتت تعتمد على المياه من قبل الشركات المخصصة لبيع المياه، ولكن مع اشتداد الأزمة وانتقال العديد من العائلات لمشاركتهم السكن هروبا من قوة القصف، حفر أفراد أسرتها في باطن الأرض برفقة الجيران، إلى أن وصلوا إلى المياه، ورغم قلتها وخطورة اختلاطها بمياه المجارى، إلا أنها شكلت طوق نجاه للمواطنين.

وتشير عبد العظيم إلى أنها تعاني من مشاكل صحية لاسيما في الكلى حيث أجريت لها عملية إزالة المرارة جراء ترسب الأملاح داخلها؛ فأخرج الطبيب المختص كتلتين من الأملاح تجاوز طول الواحدة منها خمسة سم وبعرض ثلاثة سم.  وتوضح ذلك قائلة: "أجريت عملية جراحية لان الحصوات لديّ لا يمكن لليزر أن يفتتها أو يسحبها بسهولة(...) بعد العملية تبين أن إحدى الكليتين لا تعمل بتاتا، والثانية تعمل بنسبة متدنية، مما حدا الأطباء على مطالبتي بشرب المياه بكثرة ولكن ليس المياه الخام الواصلة عبر المواسير، بل يجب فلترتها مسبقا أو غليها، لان شربها كما هي يشكل خطرا على كليتي ويزيد من نسبة الترسبات فيها".

وبينت دراسة أعدها البنك الدولي وأخرى مركز أبحاث في ألمانيا أن النسب الموصى بها من قبل منظمة الصحة العالمية لمادة النيترات في مياه الشرب، وهي 50 ملليغراما في اللتر الواحد، يزداد تركيزها في مياه الشرب بقطاع غزة بنسب تتراوح بين ضعفين وثمانية أضعاف، وأن مشكلة بيئية خطيرة آخذة في التبلور في الضفة والقطاع بسبب وضع مصادر مياه الشرب.

وتعزو مصادر طبية زيادة الأمراض بالفشل الكلوي إلى سوء المياه المستخدمة التي باتت تشكل خطرا حقيقيا على الإنسان الغزي بدرجة كبيرة، حيث بينت الدراسات التي أعدها خبراء دوليون إلى أنه من 5-10% فقط من المياه صالحة للاستخدام الآدمي في قطاع غزة، مؤكدين أن نصيب الفرد متدنّ كثيرا مما يعني أنه عرضة للأمراض.

وينسب المختص في الشؤون البيئية المهندس تيسير محيسن، أسباب تلوث المياه والهواء والتربة إلى ما تمارسه سلطات الاحتلال من انتهاك فاضح وصارخ لحقوق الفلسطينيين في الحصول على المياه، ويقول:  "هذا الانتهاك وصل إلى أقصى مدى ممكن من خلال سيطرة إسرائيل على الآبار الجوفية وإنشاء مصائد للمياه وسرقتها من داخل الأراضي الفلسطينية قبل أن تصل إلى غزة، وتحويلها إلى داخل الاراضي المحتلة عام الـ"48" ".

ويبين محيسن أن قضية المياه تعد من القضايا المهمة والإستراتيجية في الشرق الأوسط، ولأهميتها، تم تأجيل الحديث فيها إلى ما يعرف بمفاوضات الوضع النهائي مثلها مثل موضوع اللاجئين والقدس والحدود.

وتوضح عبد العظيم أنها تحاول أن تبقى مستيقظة ليلا ترقبا لوصول المياه، وبخاصة لأنها قد تأتي بعد منتصف الليل وتعمل على تشغيل موتور المياه، وتعزو ذلك إلى أن كمية السحب تكون قليلة فمعظم الناس نائمون؛ وهذا يسمح لها مجالا لتعبئة تنكات المياه وتنظيف ما يحتاج إلى المياه قدر المستطاع .

وتقول:  "المياه تزداد ملوحة يوما بعد يوم، ومهما كانت نسبة الملوحة فنحن بحاجة إليها (...) لا نستخدمها للشرب أو الطبخ أو حتى إعداد المشروبات والعصائر، حيث نعتمد على شراء مياه للشرب والطبخ  يوميا بـ5-8  شيكل  وهذا يشكل عبئا ماليا علينا ..!!

بدوره لم ينف المهندس رياض جنينة، الخبير والمختص بقضايا المياه، ورئيس مجموعة الهيدرولوجيين الفلسطينيين لتطوير مصادر المياه والبيئة في قطاع غزة، وجود التلوث في مياه الشرب ويضيف: لمنظمة الصحة العالمية والبنك الدولي معايير دولية خاصة في تحديد نسبة ملوحة المياه ومدى قدرة الإنسان على استخدامها.

 وبيَّن أن هناك خططاً من قبل مؤسسات حكومية وغير حكومية لتطوير مياه الشرب في القطاع، والوصول إلى نسبة عالية من المياه العذبة والنقية تتوافق ومعايير الصحة العالمية.

وكانت دراسة البنك الدولي أكدت أن تزايد نسبة التلوث في مياه غزة زاد من معاناة المواطنين، وبات الكثيرون منهم مرضى بسبب ذلك، كاشفة أن نسبة المياه الصالحة للشرب في قطاع غزة قليلة جدا، وأن ما نسبته 10% من كمية المياه التي يتم تزويدها لسكان غزة فقط تتوافق ومعايير الصحة العالمية؛ مما جعل مياه الشرب سببا لما يقارب ربع الحالات المرضية في القطاع.

وفي ظل تواصل الحصار على قطاع غزة، حذرت الدراسة من خطورة وصول المياه العادمة التي تلقيها غزة يومياً في مياه البحر إلى مواقع تحليه المياه في المجدل، مما يعني وصول الأزمة إلى إسرائيل.

وتشير عبد العظيم إلى أن  أكثر ما تخشاه هو أن تصاب بفشل كلوي جراء رداءة المياه، وتؤكد أن الأطباء قد حذروها مرارا وتكرارا من استخدام المياه الني تصل عبر الصنابير المخصصة لها، وأن عليها أن تعتمد بالدرجة الأولى على المياه المفلترة .

وعبد العظيم واحدة من آلاف المواطنين الذين أصبحوا عرضة للإصابة بالفشل الكلوي والعديد من الأمراض جراء المياه، حيث تشير دراسة سويسرية إلى أن الفرق في كميات استهلاك المياه بين الفرد الفلسطيني والإسرائيلي كبير وهائل.

ويبلغ استهلاك (إسرائيل) السنوي من المياه الجوفية الجبلية المخزنة في معظمها تحت أراضي الضفة الغربية 400 مليون متر مكعب، أي 80% من مياه الضفة الجوفية.  

وتستخرج (إسرائيل) حوالي 75 مليون متر مكعب من آبار تقع في الضفة الغربية المحتلة لصالح المستوطنات اليهودية الجديدة.  أما حصة الفلسطينيين من المياه الجوفية فلا تتجاوز150 مليون متر مكعب سنويا.

 

معدل استهلاك الفرد اليومي

يستهلك الفلسطيني في الضفة الغربية في المتوسط ما بين 70 و 90 لترا.  بينما يستهلك الفلسطيني في قطاع غزة ما معدله 60 لترا من المياه الأقل جودة.  أما الإسرائيلي في الداخل المحتل فيستهلك 400 لتر.  ويستهلك المستوطن في الضفة الغربية المحتلة 800 لتر.

وبدوره، يوضح الخبير في المياه ومدير عام مصلحة مياه بلديات الساحل المهندس منذر شبلاق أن الإدارة السليمة للمياه تعتمد على تنفيذ الخطة الوطنية للمياه،  وتتعلق بتنفيذ ستة أنماط يجب التعامل معها لتحسين الوضع المائي، والمتمثلة بالإدارة السليمة للخزان الجوفي التي تعتمد على إعادة التوزيع الجغرافي لآبار المياه و إعادة تقيميها، إضافة إلى الإدارة السليمة لكفاءة الشبكات، فضلاً عن ضرورة الارتقاء بالوعي الجماهيري للحفاظ على مصادر المياه والاستخدام الأمثل لها وأن يعلم المواطن أنه كما له حقوق يجب أن يلتزم بواجباته من خلال تحسين نظام الجباية.

وينوه شبلاق إلى ضرورة إيجاد مصادر بديلة للمياه وعدم الاكتفاء بما يتوافر من مصادر لحل المشكلة الكمية في المياه، كإنشاء محطات تحلية للمياه، واستغلال مصادر الأمطار؛ وذلك بمنع البناء العشوائي في المناطق الرملية التي تعتبر مصائد للأمطار.

ويؤكد  المهندس شبلاق ضرورة تحسين وإعادة تأهيل محطات الصرف الصحي القائمة و إعادة استخدام المياه العادمة في الزراعة أو حقن الخزان الجوفي.

ويشير إلى جملة من المعوقات التي تحول دون تنفيذ المشاريع التطويرية لقطاع المياه، و المتمثلة في تدني كفاءة الشبكات، و قلة التمويل، و الوضع السياسي الراهن، فضلاً عن اعتبار مواصلة فرض الحصار الإسرائيلي المتواصل منذ أكثر من خمسة أعوام المشكلة الرئيسة التي تمنع و تؤخر تنفيذ المشاريع الإستراتيجية التي تلزم للنهوض بقطاع المياه، و قضية نقص الطاقة الكهربائية و سياسة منع أو تقنين إدخال المحروقات البديلة عن التيار من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي.

ويؤكد شبلاق أن المياه شريان الحياة باتت تشكل خطراً على حياة الإنسان الفلسطيني في قطاع غزة جراء عدم مطابقتها للمواصفات المتفق عليها عالميا من ناحية، وشحها من ناحية أخرى.   ويضيف: "إن الوضع المائي الحالي بغزة وصل إلى مرحلة حرجة" موضحا أن "الكميات التي يتم إخراجها من الخزان الجوفي قدرت بأكثر من 160 مليون متر مكعب السنة الماضية' في حين أن 'كمية التخزين الطبيعية قدرت بما بين 80 إلى 90 مليون متر مكعب سنويا".

وتابع: "إن العجز المائي للخزان الجوفي بلغ أكثر من 80 مليون متر مكعب السنة الماضية, وإذا استمر الوضع على ما هو عليه فإنه من المتوقع خلال السنوات القليلة القادمة أن تكون المصادر المائية الحالية قد استنفدت المياه العذبة بالخزان الجوفي الساحلي لقطاع غزة".

ويقول خبراء الأمم المتحدة إن المياه الجوفية التي يعتمد عليها سكان غزة البالغ عددهم 1.5 مليون، مهددة بالنضوب.

 

للأعلىé

 

 

التعليقات

 
 

أن تعمل إسرائيل كقوة احتلال على حصار وتجويع شعبنا في غزة أمر مفهوم.  لكن أن شارك أيضا النظام لامصري في الحصار والتعطيش والتجويع عبر إنشاء جدار

فولاذي على طول الحدود مع قطاع غزة بعمق 18 متر، فهذا حقاأمر يدعو إلى الاشمئزاز الشديد وضرورة الانتفاض الشعبي العارم ضد مثل هذه الأنظمة

المجرمة...

محمد الشافعي


 كل الاحترام والتقدير للصحافية الجريئة سمر التي تأبى إلا أن تواظب على نشر  الحقائق عن جرائم الاحتلال وأعوانه، والتي تخجل الصحف الأخرى عن التعاطي

معها...

ناصر الصفدي  \سوريا


 

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟

 

الاسم:
بريدك الالكتروني:
:
التعليق:

 

 
     
 

 الآراء الواردة في مجلة "آفاق البيئة والتنمية" تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز معا أو المؤسسة الداعمة.