|
يبين هذا التقرير بأن عشر شركات عالمية ضخمة تمتلك قوة هائلة لدرجة تحكمها بالعلامات التجارية التي يشتريها الناس، وبالتالي تمتلك تأثيرا كبيرا على غذائهم وظروف عملهم، في مختلف أنحاء العالم. أسماء بعض هذه الشركات مألوفة لنا، وبعضها الآخر غير مألوفة وأقل شيوعا في فلسطين تحديدا. مكونات السلع "الغذائية" التي تصنعها هذه الشركات لا صلة لها غالبا بالغذاء الطبيعي والحقيقي، بل إن مصدرها المختبرات الكيميائية وليس الطبيعة؛ وهي بالطبع مؤذية لأجسامنا وصحتنا. إن ثلة صغيرة جدا من الشركات تمارس نفوذا هائلا، وتتحكم بالنظام الغذائي العالمي وتستنزف الموارد الطبيعية لدول الجنوب الفقيرة بأبخس الأسعار،على حساب المواطنين البسطاء.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
قبل بضع سنوات، أعلنت مؤسسة "أوكسفام" الدولية في تقرير خاص بعنوان "من يقف خلف العلامات التجارية"، عن أكبر عشر شركات أغذية ومشروبات وأكثرها تأثيرا في العالم. هذه الشركات الضخمة تمتلك قوة هائلة لدرجة تحكمها بالعلامات التجارية التي يشتريها الناس، وبالتالي تمتلك تأثيرا كبيرا على غذائهم وظروف عملهم، في مختلف أنحاء العالم. أسماء بعض هذه الشركات مألوفة لنا، وبعضها الآخر غير مألوفة وأقل شيوعا في فلسطين تحديدا.
بداية، لنتعرف على الشركات العشر الاحتكارية الأكثر تحكما في "الأغذية" المصنعة عالميا ومحليا: "نستله"، "بيبسي كولا"، "كوكا كولا"، "يونيليفر"، "دانون"، "جنيرال ميلز"، "كيلوغس"، "مارس"، "أسوسيتيد بريتش فودس" و"مونديليز". يعمل في كل واحدة من هذه الشركات آلاف العمال وتراكم عائدات سنوية بمليارات الدولارات، وتتحكم فعليا بغذاء العالم.
اختيار هذه الشركات العشر باعتبارها الأضخم ارتكز إلى كونها الأكبر عالميا من حيث إيراداتها الإجمالية ومن حيث كونها احتكار قلة معدودة من المنتجين، إضافة إلى موقعها في التصنيف السنوي لشركة "فوربس 2000" والذي يصنف الشركات استنادا إلى مبيعاتها المركبة وأصولها وأرباحها وقيمتها في السوق.
عشرات المليارات من الدولارات سنويا قيمة إيرادات كل واحدة من الشركات العشر، علما أن بحوزة خمس من بين هذه الشركات أصول بقيمة 50 مليار دولار على الأقل؛ كما أن أرباح أربع شركات بلغت العام الماضي أكثر من 6 مليار دولار لكل واحدة منها.
يحمل العديد من هذه الشركات أسماء عائلية، وهي تنفق مبالغ هائلة على الدعايات التجارية للترويج لعلاماتها التجارية. تسع من بين الشركات العشر كانت خلال عام 2012 من بين أكبر مائة مشتر للإعلانات التجارية. "كوكا كولا" على سبيل المثال، والتي تعتبر أكبر سادس معلن تجاري عالميا، أنفقت خلال سنة 2012 أكثر من 3 مليارات دولار على الإعلانات التجارية. وفي المقابل، نفقات شركة "يونيليفر" على الإعلام الدعائي والتي بلغت 7.4 مليار دولار، كانت الثانية في حجمها عالميا.
مبدئيا، يعمل الترويج الدعائي لهذه الشركات على خلق شعور بالألفة من خلال الإعلانات التجارية، في محاولة للحفاظ على نزعة الناس الشرائية لمنتجاتهم "شبه الغذائية"؛ علما أن معظم الأغذية المصنعة التي نشتريها تعتبر مكونات "شبه غذائية". فمكونات السلع "الغذائية" التي تصنعها هذه الشركات، لا صلة لها غالبا بالغذاء الطبيعي والحقيقي، بل إن مصدرها المختبرات الكيميائية وليس الطبيعة؛ وهي بالطبع مؤذية لأجسامنا وصحتنا.
هذه المنتجات "شبه الغذائية" الكاذبة، قد لا تكون مؤذية بشكل حاد حين لا يتم استهلاكها بشكل متكرر ودائم. لكن، من الضروري أن نتذكر بأنها تحوي غالبا دهنيات مشبعة تعمل على زيادة الوزن والكولسترول وبالتالي تؤدي إلى انسداد في الشرايين. كما تحوي هذه المنتجات مستويات مرتفعة من الصوديوم، وزيوت مهدرجة وسكر مكرر يزيد وزن الجسم ويرفع ضغط الدم والكولسترول ويزيد احتمال الإصابة بمرض السكري؛ وبخاصة شراب الذرة عالي الفركتوز. يضاف إلى ذلك احتوائها على النشويات المعدلة، وعدد كبير من مضافات الأغذية الكيميائية (مضادات أكسدة ومواد حافظة وأصباغ ومنكهات ومحليات صناعية). الهدف الوحيد لإضافة جميع هذه المكونات التي تتسبب بأمراض مزمنة وخطيرة، هو زيادة الأرباح ولو على جثث المستهلكين. تحقيق الشركات لأرباحها الضخمة يتم من خلال حقن أطعمتها المصنعة الخالية من أي قيمة غذائية بالمضافات الكيميائية التي تهدف إلى تسويق المنتجات المتدنية والرخيصة (الدهون المشبعة، السكريات، النشويات المعدلة وغيرها) بحيث تبدو ظاهريا كأنها منتجات طازجة مرتفعة الثمن وذات نوعية جيدة؛ إضافة إلى منع تلفها السريع وبالتالي تمديد فترة صلاحيتها.
المنكهات الكيميائية ومواد الرائحة تضاف إلى السلع الغذائية المصنعة لإخفاء الطعم والرائحة الأصليين الكريهين لهذه المنتجات المتدنية أصلا. أما الأصباغ الكيميائية فتضاف لتحسين المظهر الخارجي للسلع الغذائية المصنعة الفقيرة بمحتواها الغذائي، ولكنها مشهية بمظهرها. معظم المنتجات "الغذائية" المصنعة كيميائيا ليست طعاما حقيقيا. فمشروبات البرتقال والجريبفروت والتفاح والمانجا على سبيل المثال، لا تحوي ثمار البرتقال والجريبفروت والتفاح والمانجا الطبيعية ولا علاقة لها بتلك الثمار، بل تحوي مواد منكهة كيميائية تصنع في المختبرات، بطعم تلك الثمار. تعبير "المنكهات الطبيعية" الذي نقرأه على بطاقات بيان السلع الغذائية المصنعة لا علاقة له بأي شيء طبيعي، لأن المختبرات قد تكون، غالبا، هي التي صنعت تلك "المنكهات" التي تهدف إلى إخفاء الطعم الأصلي للمنتجات ذات الجودة المتدنية.
وبالمقارنة مع الغذاء الكامل والطبيعي، تعد معظم "الأغذية" المصنعة فقيرة جدا بالفيتامينات والمعادن الطبيعية وغنية بالسعرات الصناعية. بل وكي تشجع شركات الأغذية المستهلكين على شراء سلعها، تضيف إلى منتجاتها "فيتامينات ومعادن"؛ علما أنه لو كانت تلك السلع تشكل طعاما حقيقيا، لما وجب أصلا إضافة "الفيتامينات والمعادن".
ومن المثير للسخرية حقا، أن شركات الصناعات الغذائية الكيميائية قد تمنح سلعتها اسما بيتيا حميميا، مثل "من خيرات بلادنا" أو "معجنات جدتي"، مع صور على الغلاف تثير الشهية. لكن، عند تدقيقنا بالمكونات والتعليمات التي على غلاف السلعة، قد نجد ما يلي: "أضف طحينا وحليبا وبيضا وسكرا"؛ أي أن السلعة التي اشتريناها ليست سوى مواد كيميائية صنعت مخبريا، ويجب علينا نحن المستهلكين أن نضيف الغذاء الحقيقي!
كما أن معظم المستهلكين لا يعرفون كيفية فك "الشِفْرات" المطبوعة على ملصقات الأغذية المصنعة والتي تكون غالبا غير مفهومة وواضحة. وإذا تمكن أحدنا من قراءة تلك "الشفرات" (أرقام أل E)، سرعان ما يكتشف أنها ليست سوى مركبات كيميائية صناعية خطرة ومسببة لأمراض كثيرة؛ وكأننا نتعاطى مع مركبات ومحاليل كيميائية في مختبر لا علاقة له بالغذاء. الشركات تعلم بأن معظم المستهلكين يجهلون المعنى العلمي لهذه "الشفرات وكيفية فكها؛ لذا فإن ذكرها بهذه الطريقة المبهمة على أغلفة سلعهم (أي تجنب ذكر الأسماء الكاملة للمركبات الكيميائية) يعتبر شكلا من أشكال التضليل التجاري.

ممارسات بشعة
قطاع الزراعة والإنتاج الغذائي كان العام الماضي يشغل أكثر من مليار فرد، أي ما يعادل ثلث قوة العمل العالمية. وفي حين يعتبر هذا القطاع أساسيا، فإن ثلة صغيرة جدا من الشركات تمارس نفوذا هائلا، وتتحكم بالنظام الغذائي العالمي وتستنزف الموارد الطبيعية لدول الجنوب الفقيرة بأبخس الأسعار-على حساب المواطنين البسطاء- وتملي الخيارات الغذائية وشروط التوريد ونوعية المستهلكين. فعلى سبيل المثال، شركة نستله تستنزف المياه الجوفية القيمة في المناطق الريفية بباكستان حيث تعبئها وتبيعها؛ وذلك بمحاذاة القرى التي تعاني من شح المياه العذبة النظيفة.
شركة "كرافت" التي تعتبر أيضا من أضخم شركات الأغذية العالمية، اتهمت عام 2009 بشراء لحم بقري من مزودين برازيليين متورطين بعمليات اجتثاث واسعة وغير قانونية لغابات الأمازون المطيرة بهدف استخدام الأراضي لرعي الماشية. كما أن شركة "كوكا كولا" متورطة باستغلال وتشغيل الأطفال في بعض الدول مثل الهند، الفلبين، السلفادور وكولومبيا.
هذه الممارسات البشعة ليست حالات شاذة، إذ أن أقوى شركات الأغذية والمشروبات في العالم، تعتمد منذ أكثر من مائة سنة، على قوة العمل والأراضي الرخيصة لإنتاج سلع رخيصة وغير مكلفة ومراكمة أرباحاً ضخمة على حساب البيئة والسكان المحليين في مختلف أنحاء العالم؛ مساهمةً بالتالي في تعميق "أزمة الغذاء العالمي".