خاص بآفاق البيئة والتنمية

تتلخص السياسات الاقتصادية الزراعية للسلطة الفلسطينية في تبني وممارسة مفهوم السوق الحر، بما يعنيه ذلك من الترويج لنمط الانتاج الزراعي الرأسمالي الذي يربط الإنتاج المحلي بالسوق العالمية، من خلال التركيز على الانتاج الزراعي من أجل التصدير، استنادًا إلى مبدأ العرض والطلب في الأسواق الخارجية، والالتزام بالمواصفات العالمية القسرية التي تصممها الوكالات العالمية التي تعمل على خنق الأنماط الزراعية التقليدية المحلية، وتحويل المزارعين التقليديين إلى أجراء لدى الشركات الخاصة المدعومة من "وكالات التنمية" الغربية.
هذا ما نلمسه على سبيل المثال لا الحصر، من ظاهرة استئساد القطاع الخاص على المزارعين الفلسطينيين الصغار، عبر التوسع والانتشار الكبيرين في زراعات النخيل التي تستنزف كميات هائلة من المياه، في الوقت الذي يتراجع فيه التنوع الزراعي وإنتاج المحاصيل الاستراتيجية التي يفترض أن تغطي الاحتياجات المحلية، وتحررنا من التبعية الغذائية للاحتلال الذي يتحكم حاليا في عملية إطعامنا وتجويعنا.
ومن المعروف أن ما يحكم مفهوم السوق الحر هو منطق تراكم رأس المال والربح بحد ذاته، بصرف النظر عن احتياجات السوق المحلية ومدى تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي الوطني لمجتمع تحت الاحتلال، وبالتالي الاسترشاد بمبدأ التوزيع العادل. فالضفة والقطاع تعانيان حاليا من سياسة فوضى "السوق الحر" ورأس المال الفلسطيني الخاص الذي يفضل لعب دور التاجر والوسيط التابع للرأسمال الأجنبي؛ بدلا من لعب دور المنتج والمستثمر للموارد الطبيعية وعلى رأسها الأرض.
وللأسف، التنمية الإنتاجية الحقيقية الهادفة إلى تحقيق السيادة الوطنية على غذائنا، والحفاظ على ما تبقى من أرض زراعية ليسا من أولويات رأس المال الخاص الفلسطيني المعولم، بدليل إنشاء "المناطق الصناعية الحدودية" المشتركة مع رأس المال الأجنبي والإسرائيلي، وإقامة المنشآت والمباني على مساحات واسعة من المناطق الخضراء والأراضي الزراعية؛ بل وجود قرار مسبق بإنشاء مصنع اسمنت على مساحة آلاف الدونمات في منطقة عرب الرشايدة (قضاء الخليل) التي تمتلك نحو ثلث مخزون الثروة الحيوانيّة في الضفة الغربية وقطاع غزة (القرار المسبق بالتنفيذ جاهز بصرف النظر عن نتيجة "دراسة الأثر البيئي" الجاري العمل عليها حاليا). وبالطبع، نحن لسنا ضد الاستثمار الفلسطيني الصناعي، لكن ليس عندما يهدد هذا الاستثمار بشكل مباشر الثروة الزراعية والحيوانية، إضافة إلى أن المنطقة تحوي محميّة طبيعية فيها بضع آبار مائية يستفيد منها الأهالي هناك لرعي مواشيهم؛ علما أن إقامة منشآت صناعية على أراضي محمية طبيعية لا يجوز قانونيا.
علاوة على ذلك، يقول أهالي منطقة الرشايدة بأنهم يملكون جزءا من الأرض المنوي إنشاء المصنع عليها (حوض رقم 3 الذي بحوزتهم سندات رسمية تؤكد ملكيتهم له)، كما أن إنشاء مصنع الاسمنت قد يرغمهم على الهجرة بسبب المخاطر البيئية التي قد تطال المنطقة، وبالتالي فإن إخلاء الأراضي سيجعلها لقمة سائغة للاستيطان.
بما أن السلطة الفلسطينية هي أصلا سلطة غير سيادية سياسيا واقتصاديا، فإن تبنيها لمبادئ اقتصاد السوق الحر شلّ عمليا قدرتها على حماية الإنتاج الزراعي الوطني والسلع الزراعية والغذائية المحلية، علما أن تلك الحماية في الحالة الفلسطينية (شعب تحت الاحتلال)، ضرورية لتعزيز صمود المزارع الفلسطيني وتثبيته في أرضه؛ وفي غيابها أصبح القطاع الزراعي طاردا للمزارعين وبخاصة الصغار منهم؛ وذلك بعد تهشيم مقومات نمط الانتاج الزراعي التقليدي الذي شكل تاريخيا درع حماية لأعداد كبيرة من الأسر الفلسطينية؛ وفي المحصلة تدهورت البنية الزراعية التقليدية الأسرية المكتفية ذاتيا والقائمة أساسا في الحيازات الصغيرة، والمعتمدة على آليات التسويق المحلي.
وفي ظل "السوق الحر" أطلق العنان للسلع الزراعية الإسرائيلية فأغرقت السوق الفلسطيني وازداد تحكمها به. بمعنى أن الاحتلال الإسرائيلي فرض ويفرض "تنافسا" قسريا غير متكافئ بالمطلق بين صادراته الزراعية المحمية والمدعومة والمنتجات الفلسطينية المكشوفة والمحرومة من الحماية الوطنية والرعاية وعدم منحها الأولوية الفلسطينية الرسمية والشعبية في التسويق المحلي.
وينسجم هذا الواقع الاقتصادي الزراعي مع التوجه التاريخي للاحتلال الصهيوني الهادف إلى سحق المنتجات الفلسطينية الأساسية من خلال منع حمايتها من المنافسة الإسرائيلية والأجنبية، وتشجيع تحويل المزارعين الفلسطينيين الى الزراعة الكمالية التي لا يستفيد من أرباحها سوى نفر من الملاكين والتجار الكبار.

أوهام بعيدة عن الواقع
هذا الواقع الاقتصادي الزراعي المفروض قسرا من الخارج، أفقد أعدادا كبيرة من المزارعين التقليديين الصغار قدرتهم ليس فقط على منافسة السلع الزراعية الإسرائيلية التي تتمتع بالحماية الإسرائيلية، بل أفقدهم أيضا القدرة على منافسة شركات القطاع الخاص الزراعية الكبيرة؛ ما تسبب في تحطيم المجموعات الزراعية التقليدية التي تحول العديد منها قسرًا إلى قوة عمل رخيصة لدى مشاريع القطاع الخاص الزراعية الفلسطينية والمستعمرات الصهيونية على حد سواء.
إن الزعم القائل بقدرة السلع الفلسطينية المحلية على "المنافسة" في السوق العالمي، بل و"منافسة" السلع الأميركية والأوروبية في السوقين المحلي والعالمي، عبارة عن وهم بعيد عن الواقع، ولا ينسجم مع حقيقة أن البنية الانتاجية الفلسطينية غير متكافئة إطلاقا مع البنى الإنتاجية الغربية والإسرائيلية من ناحية الكثافة الرأسمالية والتكنولوجية؛ فضلا عن قدرة المنتجات الصناعية والزراعية المصنعة في الدول المتقدمة على منافسة نظيراتها في الدول المتخلفة، بسبب الأسعار الاحتكارية التي تفرضها تلك الدول على منتجاتها.
إن سياسة السوق الحر و"تحرير التجارة" في السياق الفلسطيني لا ترتكز الى أهم مبادئ اقتصاد السوق المعروفة، أي التكافؤ التبادلي والتنافسي، كما أن هذه السياسة تتجاهل افتقار المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967 إلى الشروط الأساسية والبديهية لوجود السوق الحر وأهمها السيادة والاستقلال وحرية حركة القوى البشرية والمنتجات ورؤوس الأموال، وبالتالي تُغَيِّب هذه السياسة حقيقة استحالة بناء "اقتصاد حر" في وطن محتل وغير حر أصلا. بل إن تبني مفهوم السوق الحر و"تحرير التجارة" جاء تجاوبا مع مطالب أميركية وأوروبية ووكالات التنمية الدولية، تشترط على دول "المتوسط" التي تطالب بمساعدات مالية واقتصادية "تحرير اقتصادها وفتح أسواقها أمام المنتوجات الأجنبية عبر إلغاء تدابير الحماية".
هذا الواقع فرض على السلطة الفلسطينية تشريع قوانين واتخاذ قرارات بقوانين لا تتجاوب بالضرورة مع الاحتياجات والمصالح الوطنية الحقيقية، بل تتجاوب أساسا مع مطالب أطراف العولمة، إضافة إلى مطالب اتفاقية باريس الاقتصادية الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل عام 1994.
وفي ظل الإتفاقيات الإسرائيلية – الفلسطينية الاقتصادية والسياسية الكولونيالية، لم يستفد المزارعون الفلسطينيون أصلا من الفرص والوعود النظرية التي توفرها "التجارة الحرة" التي تتمتع بها فعليا السلع الإسرائيلية وحدها، وباتجاه واحد (من إسرائيل إلى السوق الفلسطيني).
باعتقادنا مفهوم اقتصاد "السوق الحر" الذي تتبناه السياسة الفلسطينية الرسمية، إلى جانب البنك الدولي والعديد من وكالات التنمية الدولية، لم يترك أي أثر "تنموي" سوى الإمعان في جعل الحياة الريفية الزراعية الفلسطينية التقليدية أول ضحاياه؛ إذ كيف يمكن لمجتمع يرزح تحت احتلال استيطاني عسكري اقتلاعي منذ عقود طويلة، وتتواصل ضده الضغوط الاقتصادية والسياسية الهائلة- كيف يمكن لهكذا مجتمع أن يقف "دفعة واحدة" في "اقتصاد السوق" ويواجه المنافسات "الحرة" التي لا ترحم؟ علما أن البطالة في المجتمعات الغربية ذاتها هي من أبرز "الأعراض الجانبية" المدمرة لاقتصاد "السوق الحر"، في حين أن أعراضها في العديد من دول الجنوب الأفريقية والأسيوية والأميركية اللاتينية تتجسد في الفقر والمجاعة والاقتتال القبلي.