الطرق تغلق والأراضي تصادر وابن المغير صامد لوحده في وجه ريح الاحتلال
أبو عليا يشير إلى منزل أولاده المهدد بأوامر الهدم الإسرائيلية
خاص بآفاق البيئة والتنمية
هي القرية الأبعد من الناحية الشمالية الشرقية لمحافظة رام الله، كغيرها من القرى تجدها هادئة ريفية الطابع، قليلة البيوت، بسيطة في نمط العيش، ولكن في المغيّر شيء أنكسر منذ 13 عاماً، فأصحاب الأراضي السهلية التي تبدو كغطاء قماشي متعدد الألوان والممتدة على محيط حدود القرية الشرقية المتاخمة للأغوار - لم يتمكنوا من زراعة القمح والشعير والبيكيا كما السابق، حيث تحولت أراضيهم الزراعية والرعوية لمناطق عسكرية مغلقة ممنوع الوصول اليها، ما اضطر اهل المغير المشهورين بتربية الاغنام وزراعة الحبوب الى تقليص ماشيتهم لعدم قدرتهم على شراء الشعير غالي الثمن، فكاد القحط يصيبها لولا اصرار الكثير من المزارعين على تعريض أنفسهم للأذى، وزراعة اراضيهم المصادرة رغماً عن الجيش ومستوطنيه.
تبعد قرية المغير بتشديد الياء، 22 كم من رام الله. وتقع معظم أراضيها من الناحية الشرقية في منطقة العزل الشرقية والتي كانت إسرائيل قد أعلنتها منطقة عسكرية مغلقة عقب احتلالها للضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة. يحدها من الغرب قريتا ترمسعيا والمزرعة الشرقية، من الشمال قرية دوما ومستوطنة شيفوت راحيل، ومن الجنوب قريتا عين سامية وكفر مالك. ويبلغ عدد سكان القرية بحسب التعداد السكاني الذي اجراه الجهاز المركزي للإحصاء قبل خمس سنوات 2700 نسمة.
 |
 |
| أراضي زراعية أعلنها الاحتلال مناطق مغلقة |
أسيجة الاحتلال لمنع أهالي المغير من الوصول إلى أراضيهم |
روضة أطفال المغيّر ...مثال حي على بؤس حال القرية
بدأت جولة "آفاق البيئة والتنمية" من أمام روضة اطفال، يقف زائرها امامها مندهشاً من بساطة بنائها وعدم تجهيزه بأقل ما يمكن ان يعطي وصف الروضة، ثلاث غرف معتمة بأرضيات اسمنتية، الاطفال يجلسون على طاولات ربما هي الشيء الوحيد الملون في الروضة الغارقة بالقتامة، وكما يبدو فالصفوف وان كانت لطيفة صيفا، فإنها لن تتحمل قسوة الشتاء وهذا ما اكدته مديرة الروضة ولاء الحج محمد التي اشارت الى ان الصف الأوسط هو الذي يصمد أمام وابل المطر شتاءً حيث يكتظ طلبة الصفوف الثلاثة "السبعين،" فيه.
لجأت ولاء لعدة مؤسسات والكل يعد ولا يقدم شيئاً على ارض الواقع، مشيرة بيدها الى ساحة خارجية جرداء ملاصقة لصفوف الروضة، يفترض بها ان تأهل كساحة لعب لتسلية الاطفال بمراجيح، سحاسيل، ارضيات آمنة، لتكون فسحة سعادة لأطفال تفتقر قريتهم لأبسط اشكال الترفيه من حدائق او حتى متنزهات.
"القرية منسية ربما لأنها بعيدة" تكمل ولاء وهي تتذكر حين اخذت العام الماضي براعم الروضة لجولة في احد حقول الزيتون اوائل الربيع على اطراف القرية، وأثناء استراحة الأطفال هجم قطعان المستوطنين على المجموعة ملقين غازا مسيلاً للدموع، ما دفع طاقم الروضة الى الركض هربا مع الأطفال، ونقل طفلة الى المستشفى بعد اصابتها باختناق جراء الغاز.
يدفع كل طفل في الروضة 40 شيقلا شهريا يتم جمعهم ومن ثم تقسيمهم كلوازم للروضة ورواتب معلمات وإيجار سكن وكهرباء وماء. ما يجعل مدخول الروضة تحت خط الفقر، تختم آلاء متأملة: "الروضة يلزمها تأهيل كامل من سور خارجي وساحة لعب ودهان وتجهيز غرف صفية وشراء العاب وقصص".
|
 |
| أطفال روضة المغير المحرومون من الحد الأدنى من المواصفات التربوية المطلوبة للروضات |
الأحياء الداخلية في قرية المغير هادئة وبسيطة |
آراء تشابهت جميعها: المغير حزينة
ومن امام بقالة بسيطة كتب عليها "سوبر ماركت" تحدثت إمرأة ريفية اربعينية تعمل بالدكان وتعيل مع زوجها ابناءها الثلاثة الذين يتعلمون في جامعة بيرزيت.
تقول: "الجيش يدخل القرية متى يشاء ويعتقل من يشاء ويهدد بالهدم كثيراً من البيوت، ويمنع مربي المواشي الاقتراب من المناطق الشرقية المغلقة".
يضيف على قولها، من شارك "آفاق" في الجولة "كاظم عبد السلام" الذي يربي المواشي ويتطوع كعضو في اللجنة الزراعية في المغير ويحمل على كتفيه هموم القرية ساعياً للبحث عمن يساعدها على النهوض: "تقلص عدد رؤوس الماشية من 15 الف راس في العشر سنوات الأخيرة الى النصف بسبب غلاء الشعير".
وبينما آفاق تطلع على واقع القرية، رأت بائعاً ستينياً يجلس في دكان بسيط لبيع الملابس، كان "ابو عيسى" الذي عاش في البرازيل أهم سنوات عمره، وعاد مؤخراً إلى قريته بعد اكثر من 35 سنة، يقول: "هناك فرق كبير بين مستوى الدخل الذي اعتدت عليه في البرازيل وهنا، الناس في المغير ( يا دوب عايشة)" .
وعلى بعد أمتار من دكان أبو عيسى نقترب من دخول مركز القرية حيث الدكاكين وورشات التصليح ومراكز بيع الجملة، من هناك التقت "آفاق" الختيار محمد فايز الثمانيني، الذي حدثنا من امام بيته الذي يضم بركساً للغنم، ان مستوى انتاجه الحيواني قد قل بشكل ملحوظ، فبعد ان امتلك 180 راس غنم، ليس بحوزته اليوم سوى 20 رأساً، والسبب كما يجزم الكثيرون غلاء الشعير والمنع الاسرائيلي الذي حرم الرعيان من تغذية مواشيهم فاضطروا لبيعها لتجار اللحوم.
هجمة اغلاق الطرق الزراعية لن تحط من عزيمة أهالي المغير
أنضم الى جولتنا أستاذ الالكترونيات في كلية قلنديا ابن المغيّر عبد الكريم حج محمد الذي يتطوعاً أيضاً عضواً في اللجنة الزراعية في قرية المغير، في جعبة الحج محمد عدة مشاريع زراعية- بعضها طبق على ارض الواقع- لانعاش الوضع الزراعي في المغير، منها زراعة اللوز الفريك والكرز. يأخذ آفاق في جولة الى عدة طرق زراعية حيوية أغلقها الاحتلال بالسواتر الترابية والحجارة، كانت قد أنشئت بدعم من اتحاد لجان العمل الزراعي لخدمة 150 عائلة بمساحة 1500 دونم، منها 400 دونم مزروعة بأشجار الزيتون، وتقع الطريق الزراعية بالقرب من الطريق الالتفافية "أيلون"، ومعسكر لقوات الاحتلال ومستوطنة "عادي عاد".
ويشير بيده الى اراضٍ سهلية مزروعة بالقمح والشعير: "الاهالي لا يكترثون... يعرضون حياتهم للخطر ويزرعون اراضيهم بالحبوب، مجتازين الاسلاك الشائكة وغير مبالين بالمستوطنين او الجنود الذين يبعدون عنهم مسافة أمتار".
كما يشق شارع 90 أراضي القرية فيما تطل البؤر الاستيطانية والعسكرية من اعالي الجبال، يشير الحج محمد: " انخفضت مساحة القرية اليوم جراء المصادرات العسكرية والاستيطانية من 27 الف دونم إلى 22 الف".
 |
 |
| البؤس والفقر يطلان من حواري قرية المغير |
الوضع هنا في المغير غير مريح كما في البرازيل ولكنها قريتي التي أحبها |
مبادرات لإنعاش المغير زراعيا
يقول حج محمد تشتهر المغير -التي سميت لكثرة المغر فيها او كما يقال لقربها من الاغوار-، بزراعة الحبوب وتربية الثروة الحيوانية، ومنذ عشرين سنة انتشرت زراعة الزيتون بكثرة مع العلم ان المغير غير منتجة للزيتون بكثرة لطبيعة الارض السهلية القريبة من الغور، وأشار الى انه وبالتعاون مع وزارة الزراعة ضمن مشروع تشجير فلسطين، فهناك اقبال لدى اللجنة الزراعية لزراعة اشجار لوزيات وخاصة نوع الفريك وربط الانتاج مع شركات التسويق المحلية.
ينوي الحج محمد الاشراف على تنفيذ مشروع في مناطق متعددة من ارض المغير عبر تشجيع الأهالي على زراعة اراضيهم او استئجار اراضٍ زراعية للمشاركة في تنفيذ مشروع اللوز الفريك الجاف، عبر زراعة افضل اصناف اللوز المصنف "ام الفحم" والذي يتمتع بكل المواصفات والمعايير العالمية المطلوبة، لما تتميز به الثمرة من وزن خفيف ولون ذهبي ومذاق مميز وإنتاج وفير، وقد ازداد الطلب على اللوز الفريك لأغراض التصدير، حيث تم تصدير ما يزيد عن 17 طن من اللوز الفريك العام الحالي من مختلف ارجاء الوطن. وسيوفر المشروع وفق الحج محمد فرص عمل، تعزيز صمود المزارع قي أرضه، وتعمير وتشجير الاراضي المهملة.
ولكن عاد الحج محمد وأكد احتياج المشروع إلى دعم المؤسسات المختلفة لأنه يستلزم اعادة تأهيل الطريق المؤدية الى المنطقة المستهدفة الخليلة 3 دونم في المغير وهي مفتوحة بطول 1000 متر وتحتاج الى اعادة تأهيل، توفير شيك وكباسي من اجل تشييك قطع الارض المنوي زراعتها، عقد دورات ارشادية وتثقيفية للأهالي عن مزايا المشروع ومتابعته من الناحية الفنية، تأمين أشتال بسعر رمزي ونوعية ممتازة تحت مظلة وزارة الزراعة وضمن مشروع "تشجير فلسطين".
من أحد البيوت -القريبة من الأراضي المصادرة بحجج عسكرية- والتي اشتهرت بتربية الماشية، أشار الشاب احمد الذي يربي 130 راس غنم ويواجه باستمرار منعاً من الجيش وتهديداً من المستوطنين الذين يأبون ان يتركوه يرعى خرافة بسلام دون ان يدفعوه للعودة: "تجارة المواشي في انخفاض والأسباب غلاء الشعير، قلة المياه، مهاجمة قطعان المستوطنين لنا... فلم يعد بمقدور الراعي ان يطعم غنمه طوال العام من شعير السوق، في الوقت الذي اعتاد ان يطعمه إياه لمدة شهرين فقط من كل العام.
 |
 |
| أليس من حق أطفال المغير التمتع بروضة تربوية مريحة؟ |
برج خلوي على تلة يبث تلوثه الإشعاعي على قرية المغير |
قرية هادئة ولكن؟؟
المتجول في قرية المغير يستنشق باستمرار روائح حريق، البعض منها يأتي من طوابين الخبز، ولكن الرائحة الأكثر أذى واستمرارية تأتي من الحرائق الصغيرة للنفايات المنزلية والتي يلجأ أصحابها الى حرقها لضعف خدمات المجلس القروي في جمع النفايات –وفق ما أكده عدد من أهالي المنطقة- ما يضفي على القرية رغم هدوئها الريفي رائحة مزعجة. يعقب الحج محمد على ذات السياق: " احتجينا كلجنة زراعية على مكب أقيم على ارض المغير لاستيعاب نفايات ثلاث قرى قريبة، فأرض المغير ليست مكباً للنفايات، وبالفعل اشتكينا للمسؤولين وقمنا بالضغط لإغلاقه".
وختم الحج محمد بأن المغير كقرية بحاجة الى جدار استنادي وتوسعة كون 90% منها اراضي وعرة لا يمكن عبورها إلا سيرا او على الدواب، فالطرق الزراعية ستحيي أراضٍ كثيرة وتخدم عشرات العائلات.
 |
 |
| بسبب ارتفاع سعر الشعير يضطر أهالي المغير بيع معظم أغنامهم المحرومة من حرية الرعي في مراعي القرية |
تناقصت في السنين الأخيرة كثيرا أعداد الأغنام بسبب الأراضي والمراعي التي أعلنها الاحتلال مناطق عسكرية مغلقة |
ملاحظات سريعة
ينتصف وسط بلدة المغير اقواس وبيوت قديمة متهالكة تعود لمئات السنين، لكنها تنتظر الترميم بشدة كونها هي حلقة الوصل بين القرية اليوم وامتدادها مع الماضي، ولكن اين هي المؤسسات المعنية بالتراث وحفظه ؟
كما ويثير الدهشة برجان خلويان على اعلى ربوتين متقابلين في المغير، الملفت أن البرجين جلبا معهما مشاريع تعبيد طرق ومد كهرباء ما جذب بعض العائلات للسكن بقربهما لضمان البنية التحتية الجيدة، يقول مشاركو "آفاق جولتها" عن هذا الموضوع بأنهم يتعاملون معه بريبة، ولا يثقون بأن لا اضرار من البرجين كما تطمئنهم شركات الاتصال ووزارة البيئة الفلسطينية، فأحد القاطنين قرب أحد البرجين- كما ذُكر لآفاق- اصيب بالمرض الخبيث ربما صدفة وربما بسبب البرج ولكنهم غير قادرين على التخمين.
وأمام مائدة افطار فلسطيني مفعم بالدفء، تحدثت والدة الحج محمد عن ذكريات طفولتها وصباها في المغير قبل ان تغادرها عروسا الى الكويت، حيث قالت: " زراعة الخضراوات كانت رائجة ولم تكن العائلة بحاجة لأن تشتري شيئا من الخارج... كانت رائحة الخيار رائعة ليست كخيار اليوم، كما أنقرضت الزراعات المنزلية في الوقت الحالي".
وتضيف بأن ما اختلفت عليه المغير بين الأمس واليوم هو ادخال الكهرباء ومد شبكات الماء بعد عام الـ2000.
 |
 |
| روضة المغير البائسة |
سنواصل زراعة أراضينا بالحبوب ولن نعير اهتماما للأوامر العسكرية |
حتى بناء البيوت على مقاس وبإذن الاحتلال
تصنف منطقة المغير بأنها جـ وفق تصنيفات أوسلو ما يجعل أي بناء قائم في مناطق معينة، مهدداً بالهدم، وبالنسبة لامكانية الحصول على تراخيص للبناء من بيت ايل فإنها تعجيزية ومذلة على غرار ما يجري في القدس.
وحول هذا الأمر، يعاني الأب منير ابو عليا الذي يعمل سائقاً عمومياً على خط المغير رام الله، من إخطارات لهدم بيوت ابنائه الثلاث بذريعة إقامة بيوتهم في منطقة حساسة وفق تبريرات الاحتلال، يعقب ابو عليا: " لن يغادر اولادي المنطقة ولو اضطروا الى السكن في الخيام".
ونقلاً عن بيان تداولته وسائل الاعلام، فقد استهدفت طواقم الإدارة المدنية الإسرائيلية عدداً من المنازل الفلسطينية في الضفة الغربية بحجة البناء الغير مرخص لوقوعها في المناطق المصنفة 'جـ' الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، امنيا وإداريا. ففي الثالث عشر من شهر ايار من العام 2010، سلمت طواقم دائرة التنظيم والبناء التابعة للإدارة المدنية الإسرائيلية لأهالي قرية المغير شمال شرق مدينة رام الله أوامر عسكرية جديدة تقضي بوقف العمل والبناء في عدد من المنازل والمنشآت في القرية بحجة البناء دون ترخيص وذلك لوقوع المنازل في مناطق جـ.
حتى جامع المغير لم يسلم قبل عامين من حقد مستوطني "عادي عاد" حيث أقدموا على حرقه وكتابة شعارات عنصرية تفيد بأن ممارساتهم تلك هي "البداية وليست النهاية".
قرية المغيّر، لا تختلف عن كثيرٍ من القرى الفلسطينية، فلا يريد أهلها إلا حقهم الطبيعي في العيش بحرية وزراعة أراضيهم، ولكن الاحتلال يقف لهم كالشوكة في الحلق، ممارساً معهم سياسة الترانسفير الممنهجة، وبالرغم من صمودهم ورباطهم في أرضهم، ولكنهم لوحدهم فعلياً بلا دعم رسمي أو مؤسساتي؟ فهل ستلقى المغير نفس مصير الأغوار !؟
 |
 |
| سهول المغير الجميلة |
شارع 90 يقسم أراضي قرية المغير إلى قسمين |
 |
 |
| شعارات صهيونية عنصرية على جدار جامع قرية المغير |
قرية المغير الصغيرة الوادعة |
 |
 |
| لا يأبه أهالي المغير بأسيجة الاحتلال |
لا يستطيع أهالي المغير الرعي في مراعي القرية بسبب أوامر الاحتلال العسكرية التي تمنعهم من ذلك |
 |
 |
| مباني تراثية قديمة مهملة في المغير تستصرخ من يرممها |
هكذا أغلق الاحتلال الطريق الزراعية |