خاص بآفاق البيئة والتنمية
مر أسفل أغصانها الخضراء الآلاف، وكبرت وعلت مُعاصرةً كل الأحداث المفصلية من انتداب، فنكبة، فنكسة ثم انتفاضة شعبية فأوسلو ...حتى بداية العام الفائت، عرفها كل عابر من حوارة، فالطريق إلى نابلس حتى أقصى شمال الضفة يمر منها، الحديث هنا عن فلاتر ضخمة امتصت سموم عوادم آلاف المركبات على مدار قرن من الزمان، إنها ثلاث شجرات كينا ضخمة تم إعدامهم بحجة تأهيل شارع حوارة لاعتراضهم الطريق، لكن الحقيقة ستصدم الجميع.
فالمتجه إلى نابلس، وعلى الجانب الأيسر من طريق حوارة، توجد جذوع ثلاث شجرات يصل قطر كل واحدةٍ إلى مترين، الشجرات المقصوصات لم تكن واقعةَ على الشارع، بل في حرم الرصيف، أي لم ولن تكن ستعرقل مشروع التأهيل لا من قريب ولا بعيد.
إذن، لماذا قُصت؟ للإجابة على هذا السؤال، تابعت مجلة آفاق البيئة والتنمية أسباب إزالة الشجرات من خلال الاستناد على آراء عدة جهات:
شجرة الكينا بعد إعدامها
الشجر الضحية الأولى
| شجرات الكينا، كانت بمثابة فلاتر لتنقية الهواء المليء بعوادم السيارات ودخانها، ومن الصعوبة، إعادة الشجر إلى وضعه السابق من الفائدة والحجم إلا بعد مرور عشرات السنين،...في ذات الوقت، لم تقم البلدية بإزالة تعديات بناء لم يبقِ من الرصيف شيئاً وهو يشكل خطراً على المارة!!. |
حيث العمال ينشطون في أعمال تأهيل شارع حواره، تلتقي المجلة مع رجل خمسيني يقف أمام محله، يعرض على الرصيف جذوعاً ضخمة لبقايا شجراته الثلاث، كل جذع يباع بين 300-600 شيقل، يشتريه أصحاب الملاحم لتقطيع اللحم، كما يطلبه المهتمون لتزيين منازلهم.
صاحب الأرض التي تقع عليها الشجرات باسل دار محمد، وفي حديثنا معه، انتقد المجلس المحلي الذي افتقر في قطعه للشجرات إلى بُعد النظر، فوجب أن لا يبدأ مشروعه بالقطع، بل ينتظر حتى تتضح له الصورة ويصله المخطط النهائي، فيقيّم حينها الوضع هل الشارع يحتاج إلى إزالة الشجرات أم لا، لكن ما حدث هو غياب التخطيط الحكيم.
وقد أعرب صاحب الشجرات عن اعتراضه من خلال تعليق نشره على الفيسبوك في الـ16من آذار: "سارعت البلدية بقطع الشجر وفق المخطط الأولي الذي حدد 23 متراً كمسافة عرضية للشارع، لكن المخطط الحالي نُفّذ على عرض 20 متراً مع الأرصفة. شجرات الكينا، كانت بمثابة فلاتر لتنقية الهواء المليء بعوادم السيارات ودخانها، ومن الصعوبة، إعادة الشجر إلى وضعه السابق من الفائدة والحجم إلا بعد مرور عشرات السنين،...في ذات الوقت، لم تقم البلدية بإزالة تعديات بناء لم يبقِ من الرصيف شيئاً وهو يشكل خطراً على المارة!!.
وأكمل: "في أوروبا، يغيرون مسار الشارع لأجل شجرة، أو ينقلونها لمكان آخر"، لافتاً إلى أنه ترجاهم لترك الشجرات للحظات الأخيرة، لكنهم للأسف لم يروا إلا الشجر كعائق أمام المشروع!!!.
يشير دار محمد إلى انه دفع للبلدية مبلغ 2500 شيقل مقابل نشر شجراته للاحتفاظ بخشبها حتى لا يذهب لها (أي البلدية). يختم: "عمر شجراتي قرن، وطولها زاد عن الـ20 متراً، قصها كان مريراً علي" .
شجرة الكينا بعد أن اجتثها مجلس محلي حوارة
المجلس المحلي...تغيير المخطط هو السبب
يوضح مراد عودة، أمين سر بلدية حوارة ورئيس لجنة الطرق فيها، إلى أن ما جرى هو تغيير المخطط عدة مرات، فكان المخطط الأولي يستلزم قطع الشجرات لأنها تقع في حرم الشارع، لكن ولأسباب مالية تأجل المشروع وعندما استأنف جاء بمخطط جديد بعرض أقل بثلاثة أمتار فلم تكن حينها الشجرات ستعترض لكنها كانت قد قُطعت.
وعند سؤاله حول اعتراض أحدِ من السكان لقص الشجر أشار عودة: "هناك ثقة بالبلدية وإيمان بأنها تعمل لمصلحة البلدة والسلامة العامة".
" اعترف أن قص شجرات بارتفاع سبعة طوابق هو خسارة ...ولكنا كنا مجبرين"
الزراعة:انتقدنا ولكن!!
|
ويعترف الرابي أنهم كوزارة وجهوا للمجلس المحلي انتقاداً شفهياً على هذا التصرف، لكنهم لم يحرروا ضده أي محضر مخالفة بالرغم من أن المجلس لم يستشر الوزارة نهائياً أثناء القص.
|
مدير دائرة حماية الطبيعة في وزارة الزراعة ثائر رابي، انتقد في حديث مع المجلة قطع الشجرات المعمرة والتي تم الادعاء في بداية العمل أنها تعترض الطريق، فكان يجب إزالتها تحت مسمى "المصلحة العامة"، لكنه يعقب: " تفاجأت الوزارة بأن الشجر قص دون أن يعترض الشارع، بل كان على الرصيف.
ويعترف الرابي أنهم كوزارة وجهوا للمجلس المحلي انتقاداً شفهياً على هذا التصرف، لكنهم لم يحرروا ضده أي محضر مخالفة بالرغم من أن المجلس لم يستشر الوزارة نهائياً أثناء القص.
عن المشروع
ومن الجدير ذكره الإشارة إلى انه في شهر نوفمبر من العام المنصرم، تم إعادة تأهيل شارع حوارة -نابلس من مفرق بيتا حتى المفرق المؤدي إلى محافظة طولكرم وقلقيلية. الطريق تربط مدينة نابلس وشمال الضفة من خلال طريق 60، وحوارة بوسط وجنوب الضفة الغربية. تم تمويل مشروع التطوير والتأهيل من قبل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية ' USAID ' بمدة تنفيذ ستستغرق 200 يوم، وطول طريق يبلغ حوالي 3.2 كم.
أشجار الكينا العملاقة قبل اجتثاثها
البلديات وقطع الأشجار
|
فالمشهد الغالب الآن في رام الله والخليل وغيرهما من المدن الفلسطينية هو الزحف الإسمنتي وانتشار المنشآت التجارية والصناعية على المساحات الخضراء والأراضي الزراعية، وبالتالي انكماش كبير ومخيف في تلك المساحات والأراضي.ودعا كرزم إلى أهمية إجراء مسح ميداني للأشجار المعمرة المتواجدة في المحافظات الفلسطينية المختلفة، من قبل المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني بهدف تقديمه للهيئات المحلية والمحافظات، لدمجها في برامج الحفاظ على الثروة الشجرية، وبخاصة المعمرة منها، وأخذ هذه المسألة بالاعتبار في مشاريع تطوير المدن والقرى وعمليات البناء، فضلا عن تشجيع الناس على إكثارها.
|
وحول وجهة نظر الخبير البيئي ومدير وحدة الدراسات في مركز معا جورج كرزم، فأشار في هذا الصدد إلى افتقار الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، إلى القوانين المشددة الهادفة إلى صيانة الأشجار والثروة الحرجية، وردع أو معاقبة من تسول له نفسه تخريب تلك الثروة أو اجتثاثها.
واستشهد كرزم ببعض البلديات الفلسطينية كمثال على التخريب غير المدروس للغطاء الأخضر، حيث دأبت في السنوات الأخيرة على اجتثاث وتخريب الأشجار المعمرة بذريعة ضرورة توسيع الشوارع القائمة أو شق شوارع جديدة. هذا ما حصل في رام الله، على سبيل المثال لا الحصر. إذ تسببت عملية شق شارع جديد في منطقة الطيرة برام الله في تخريب أرض زراعية لصاحبها المحامي المرحوم عيسى خليل قندح؛ إذ تم استئصال نحو 17 شجرة زيتون رومي معمر في ذات الأرض، يتجاوز عمر بعضها الخمسمائة سنة.
كذلك الأمر، في شارع "طلعة العماره" وسط مدينة الخليل، والذي كان يعرف بشارع الأشجار؛ إذ تميز سابقا بكونه غابة خضراء اصطفت على جانبيه نحو أربعين شجرة صنوبر جميلة تجاوز عمرها المئة عام. ولكن هذه اللوحة الطبيعية الجميلة تلاشت عندما اقتلعت البلدية تلك الأشجار بذريعة توسيع الشارع. وينسحب هذا العبث بالمساحات الخضراء على أحياء أخرى مثل عين ساره والحاووز وشارع السلام وغيرها. فالمشهد الغالب الآن في رام الله والخليل وغيرهما من المدن الفلسطينية هو الزحف الإسمنتي وانتشار المنشآت التجارية والصناعية على المساحات الخضراء والأراضي الزراعية، وبالتالي انكماش كبير ومخيف في تلك المساحات والأراضي.
تأهيل شارع حوارة
ودعا كرزم إلى أهمية إجراء مسح ميداني للأشجار المعمرة المتواجدة في المحافظات الفلسطينية المختلفة، من قبل المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني بهدف تقديمه للهيئات المحلية والمحافظات، لدمجها في برامج الحفاظ على الثروة الشجرية، وبخاصة المعمرة منها، وأخذ هذه المسألة بالاعتبار في مشاريع تطوير المدن والقرى وعمليات البناء، فضلا عن تشجيع الناس على إكثارها. وقد يطلب من الناس-وفق ما يقترحه كرزم- تزويد القائمين على هكذا مشروع، بالقصص الجذابة والمثيرة حول أشجار معمرة يعرفونها، في مختلف الأنحاء الفلسطينية التاريخية. ومن بين تلك الأشجار النادرة والتاريخية المهددة بالانقراض.

تأهيل البنية التحتية لشارع حوارة

شارع حوارة الجديد بعد اجتثاث الأشجار المعمرة منه