
أبو عرب يروي قصة سقوط صفورية
خاص بآفاق البيئة والتنمية
"أنا أسمي أمين محمد علي، أبو عرب، مواليد صفورية 1935، عشت النكبة وكان عمري 13 سنة، في عام 1948 كنا 7 آلاف نسمة، وعشنا على 120 ألف دونم. صفورية من أكبر قرى الجليل، وهي ثالث أكبر قرية فلسطينية بعد طوباس والخيرية، كان عنا مدرستين، مدرسة صفورية الأميرية للأولاد، آه الأميرية، ومدرسة صفورية الأميرية للبنات، مكبستين زيتون بشتغلوا على الطريقة الحديثة، و8 معاصر تقليدية، وكان عنا 150 ألف عِرق زيتون، و 4 آلاف دونم بساتين موزعة على راس العين- يلي فيها نبع القسطل- وعلى الخلدية والجلخ والمشيرفة، كنا نزرع كلشي ويكفي البلد، ونورد لحيفا والناصرة" قال أبو عرب.
واثقاً، حازماً، شارداً ببصره وكأن صفورية لوحة مرسومة أمامه، سرد أبو عرب قصة صفورية وهي القرية الفلسطينية التي سقطت بيد الاحتلال ليلة السادس عشر من رمضان 1948. "الناس صايمة بتستنى الآذان، متحوطين على الأكل، ولحظة ما قال الله أكبر كان فوق صفورية طيارتين بقصفوا البلد، الناس ارتعبت، طلعوا من بيوتهم يشوفوا شو في، استشهد عدد منهم، اعتقدوا أن الموضوع ساعات وبنتهي، بس الهجوم استمر من 3 جهات، المدافعين عن صفورية من ناحية شفاعمرو بلشوا يتراجعوا، والساعة 3:30 الفجر كانت البلد محتلة، اطلعنا برا البلد شمالاً ونمنا تحت الزيتون" تابع أبو عرب والدموع تملأ عينيه.
أبو عرب يشير إلى منزل عائلته والذي يظهر في صورة قديمة للقرية استخدمت في رزنامة من إصدار الجمعية
جمعية تراث صفورية
اذاً، سقطت صفورية لكن إيمان أهلها وغيرهم من اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين بحقهم بالعودة لم يسقط، وكان أول الغيث قطرة حيث أسس أبو عرب وثلة من أهالي القرية المهجرة جمعية تراث صفورية التي تعنى بحفظ وانعاش التراث والفلكلور العربي، وصيانة المقابر والأماكن المقدسة، وعقد الندورات والمحاضرات، وأعمال الخير التي ينتفع بها أهالي القرية المهجرة القاطنين في "حارة الصفافرة" -نسبة إلى صفورية- المقامة بيوتهم على ما يقارب 105 دونمات من أراضي مدينة الناصرة، والتي كانت ملكاً لأحد وجهاء المدينة ويدعى خليل المحشي الذي كان شرطي "جندرمة"- مصطلح تركي يطلق على الجندي او العسكري- الذي باع أهالي القرية حاجتهم من الأراضي بكفالة ابن صفورية وأحد وجهائها محمود العفيفي.
يحوي مقر الجمعية 500 قطعة من الأدوات الزراعية، أدوات المطبخ، الألبسة التراثية، الآلات الموسيقية، وغيرها من الأدوات التي استخدمها أهالي صفورية وغيرها من القرى المهجرة ما قبل النكبة، وقد جمع أبو عرب الذي يملك محلاً لبيع التحف الشرقية في سوق الناصرة القديمة منذ 47 عاماً، هذه القطع وهو الذي يتذمر من ضعف الحركة الشرائية وهي مشكلة بات جميع الفلسطينيين داخل الأرض المحتلة يشكون منها، لكنه لم يتوانَ عن اقتناء القطع الأثرية القديمة التي تعرض عليه ليشتريها أو تمنح له، وعلى مدار 18 عاماً جمع هذا الكنز من القطع المعبقة بتاريخ القرى المهجرة. ويرى أبو عرب وهو الذي يرأس الجمعية بأن أهميتها تكمن في حفظ التاريخ الشفوي ونقل الرسالة والراية من جيل إلى جيل وتأكيد فشل المقولة الصهيونية التي تقول أن جيل النكبة انتهى وبهذا انتهاء للقضية.
يقول أبو عرب بأن نساء صفورية عملن أكثر من رجالها في الحقول والبساتين، وكان يضرب بهن المثل فيقولون "منها دابة ومنها شابة" بمعنى أنهن كن يعملن بشكل مكثف ولساعات طويلة أفضل وأكثر من الرجال، فكن يحرثن الأرض ويحصدن بالمحاريث التقليدية، كما كن يستخدمن "لوح الدراس" لدرس الحبوب، ويستخدمن "المنكوش" لتقليب التربة، وينقلن القش من الأرض إلى البيدر في وسط القرية على ظهر الدواب لبيعها من خلال "قادوم القش" والذي كان منه نوعان، الأول لنقل القش على ظهر الحمار والكبير يستخدم للأحصنة. كذلك، كن يستخدمن سكة المحراث في الحراثة، والمذراة لفصل الحبوب عن التبن والأعلاف عن طريق الهواء.
كما تحتوي المجموعة الأثرية على جرار للزيت الذي كان يباع في حيفا والناصرة، بالإضافة إلى "الحوام" وهي قطعة من القضبان المعدنية المعقوفة، استخدمت لرفع الدلال من آبار المياه، إلى جانب براميل للكاز وأدوات تكييل الكاز، أما الدست فهي وعاء كبير للطبخ يستخدم في الأعراس ويتوفر بالجمعية ما يزيد عن الستة منه، يضاف إليها الجاروشة التي استخدمت لتحويل القمح إلى طحين والفريكة إلى برغل، أما الصاع الذي استخدم كوحدة قياس فكان كل اثنين منه يساويان كيلو. هذا ولا يزال أبو عرب يحتفظ بـقطعة "الدماي" وهي لباس تقليدي للسيدات الكبيرات بالسن في صفورية ويبلغ عمر القطعة ما يقارب 95 عاماً، إلى جانب ثوب والدته.
أدوات الحراثة في صفورية
كنوز صفورية
تعاقبت على القرية كجزء من فلسطين عدة حضارات منها اليونانية والرومانية والبيزنطية وقد أطلقت كل حضارة على صفورية اسماً اختارته، فسماها الكنعانيون "قطرون" وبنوا فيها "قسطرة" أي القلعة الحصينة، أما الآراميون فسموها "سفرايا" أي الشمس المشرقة، كما عرفت بـ "مكرون" و "الرقات" و "حفراء" و"قارصة" (المرجع: "صفورية حقوق ومظالم" نشرة صادرة عن جمعية تراث صفورية).
احتوت القرية على "الخرب" وهي بقايا مساكن قديمة اندثرت ولم يبق فيها إلا الرسوم والمعالم، وقد تشكلت هذه الخرب نتيجة الحروب والغزوات التي تعاقبت على فلسطين، وقد اشتهر منها "خربة تل القسطل" و"العين" و"شمشية" و"الخلادية" و"المشيرفة" و"خلة حريب" و"المزيرة" و"الرومي"، يضاف إليها عزب زراعية وصهاريح وآبار ومدافن ومعاصر للزيت والعنب نذكر منها: خربة جبلة النص وجبال العمدة وأبو مرعي والكساير وسيار ونصر الله والشغري والبروك وغيرها (المصدر السابق).
ترك أهالي صفورية وراءهم 8 طواحين للقمح ومعاصر الزيتون والعنب، التي صنعت من الحجر الصلد وأضيف لها الخشب لاحقاً، وقد أقام أهالي صفورية هذه الطواحين على طول مجرى المياه من القسطل حتى نهاية البساتين في القرية، وقد كانت تعمل بفعل تيار المياه المنصب على الدواليب الخشبية وحجري الرحى، اللذان كانا يطبقان على الحبوب لتتحول إلى دقيق ساخن ينتقل إلى مرحلة "الفرش" حيث تدرس حبوب الزيتون ويستخرج "الدريس" وينقع بالماء الساخن ويعالج حتى يطفو على وجه الماء صافيا نقياً، وقد أطلق "الصفافرة" على الزيت اسم "الطفاح" واعتبروه أفضل أنواع الزيت وأغلاه سعراً.
خلفت الحضارات التي تعاقبت على فلسطين معالماً أثرية ميزت صفورية عن غيرها من القرى الفلسطينية، ومن هذه الآثار، المدرج الروماني الذي يتسع لخمسة آلاف متفرج، وأساسات القصرا الكنعانية التي أقيمت على أنقاضها قلعة صفورية التي جرى ترميمها عدة مرات، أما خزان المياه الكبير فنجده على مدخل القلعة بطول 20 متراً وعرض 15 متراً وبعمق 4 أمتار، تخرج من جهته الغربية قناة داخل نفق تؤدي إلى الحمامات الواقعة على الجهة الشمالية الغربية من القلعة.
أما البزليكا فهي بناء فخم يحتوي عدة غرف وآبار وصهاريج مياه وتعود للعصر المسيحي الأول، في حين يضم قصر عذراء صفورية عدة غرف أشهرها غرفة العذراء المفروشة بسجادة فسيفسائية مزينة بثلاث لوحات محاطة بإطار باللون الأسود وتضم السجادة نصف مليون مكعب فسيفسائي بـ 23 لوناً. وتقع كنيسة التل التي يعود تاريخها إلى العصر البيزنطي أمام مدخل الخزان الكبير، ويضاف إلى ما سبق فسيفساء الحارة الشرقية وشارع الأعمدة وفسيفساء قصر النيل التي تحتوي سجادة قصر النيل والقنطور وغادة صفورية.
الدماي- ثوب السيدات الكبيرات في السن في صفورية
بساتين صفورية
بحسب أبو عرب فإن مساحة بساتين صفورية تبلغ 2000 دونم تقريباً، وتقسم منتوجاتها إلى قسمين، قسم للأشجار المثمرة ومنها الرمان والتوت والسفرجل والقراصيا والتفاح والحمضيات بمختلف أنواعها، وقسم آخر للخضار ومنها الملوخية والقرنبيط والملفوف والبقدونس والفجل والبندورة والخيار، وقد اشتهرت بالرمان والملوخية حتى سُمع المنادون يدللون على بضاعتهم في أسواق الخضار في الناصرة وحيفا مرددين "صفوري يا رمان، صفورية يا ملوخية"، وقد كانت تنقل للبيع إما بالمركبات أو على ظهور الدواب.
اعتبر اهالي صفورية من ميسوري الحال، ويستذكر أبو عرب وضعهم الإقتصادي واصفاً إياه بأنه "مرتاح"، ففي عام 1942 خرج من صفورية إلى الحج حوالي 95 حاجاً، وكان الحج في وقتها يكلف ما بين 100-120 ليرة فلسطينية، وهذا وفقاً لأبو عرب يعكس واقعاً اقتصادياً ممتازاً. وقد كانت وفرة المياه وكثرة البساتين سبباً في تحسين الوضع المادي للأهالي، وقد كانت البساتين عبارة عن قسائم تبلغ مساحة القسيمة الواحدة ما بين دونم وعشرة دونمات كانت تروى من ثلاثة مصادر دائمة وهي المياه المجرورة من موقع رأس العين والذي عرف بالقسطل، وقد كان الري يخضع لنظام محدد يشرف عليه "أمين" يعين براتب سنوي وكانت من ضمن مسؤوليات الأمين تقسيم المياه على أساس الزمن والدونم، أما المصدر الثاني فكان البئر المحلي وما كان يعرف بالجابية، يحفره مالك البستان، في حين كانت الوديان مصدراً ثالثاً للمياه ومنها وادي الجلخ والخلدية.
هذا وقد قسمت البساتين إلى ستة مواقع هي بير نصر، والخط الشمالي، والخط الجنوبي، والخلدية والجلخ والمشيرفة، ووفقاً للنشرة فإن الحصة الأكبر من البساتين امتلكها سعيد محمد الحاج وشريكه بواقع 21.5 الدونم، تلاهما أمين أحمد الحاج حسن بـ 15 دونماً، ومن ثم أحمد عفيفي وثلاثة عشر دونماً، وتوزعت باقي البساتين على أهالي القرية فكان كل واحد له حصص متراوحة المساحة.
اواني الطبخ في صفورية
وسائل النقل والمغر
اعتمد أهالي صفورية حالهم حال باقي القرى والمدن الفلسطينية على وسائل نقل بسيطة وتقليدية، فاستخدموا الجمال والخيول والبغال والحمير، واستخدموا نوعين من عربات النقل المخصصة لحمل المنتوجات والبضائع، عربة صغيرة يجرها حصان أو بغل أو حمار يستخدمونها للمسافات القريبة، وعربة ثانية هي "الكارة" أكبر حجماً وتنقل البضائع بين المدن. أما الأهالي فكانوا يتنقلون بواسطة الحنطور وهو بمثابة "التاكسي" وكان يتسع لراكبين أو أربعة. ومع وصول السيارة استخدمها الأهالي لنقل البضائع من منتوجات زراعية وبيض ودجاج وصابون إلى الناصرة، وحيفا وبيروت واربد وبغداد، ويعودون محملين بالتمور والملابس الصوفية والحريرية وغيرها من البضائع المستوردة.
بعد العام 1920 أنشأ عدد من الشبان الصفافرة مؤسسات نقل حولوها لاحقاً إلى شركات ومنها شركة باصات الناصرة-حيفا لصاحبها الوجيه صالح العفيفي وكانت هذه الباصات تتنقل ما بين صفورية والناصرة وحيفا وطبريا واربد.
أما المُغر (جمع مغارة)، فقد توزعت بكثافة على أراضي صفورية ومنها ما اندثر ومنها ما زال قائما حتى اليوم وقد استخدمت كاستحمامات أثناء الحروب، وملاجئ من الفيضانات والكوارث الطبيعية والبيئية، ونذكر منها مغارة بسيم وهي عبارة عن خزان مياه، ومغارة الويسي التي أعتبرت من أجمل المدافن الأثرية ومغارة عرابي وهي انكسار جيولوجي قديم من الصعب معرفة نهايته، وغيرها من المغر.
الصاع
دار صك النقود
ازدهرت صناعة ضرب النقود وصكها في عهد عبد الملك بن مروان وتعد العملات المكتشفة في حفريات صفورية منذ العام 1931 حتى هذا اليوم من أهم المصادر الأثرية لدراسة التاريخ، وقد تداول سكان المكان نقود مدينة السلام النيرونية، ونقود الدولة المستقلة، ونقود ديوقيسارية "مدينة الإله والقيصر"، نقد معبد المؤلهات الثلاثة جوبيتر ويونو ومنيرفا، ونقد إله المدينة الطيخي ونقد معبد زيوس ويوليادومنة ونقود إسلامية من العصر الأموي.
وثيقة الحاكم العسكري
تراجيديا التهجير
واستكمالاً لقصة التهجير، يقول أبو عرب: " مشينا ليلتين والطخ ورانا، وصلنا بنت جبيل اللبنانية، تركنا كلشي ورانا، قعدنا فيها 28 يوم، وبعدها أخذونا بباصات من الساحة الحمرا ببيروت على صوفر وعلاي حتى وصلنا قرعون، بنوا بركسات، كل بركس فيه 10-15 عيلة، بحجز بينها شرشف، بقينا هناك 8 أشهر".
عودة أبو عرب إلى فلسطين لم تخلُ من التراجيديا، فاخته "غزالة" وهي التي كانت وحيدة بين ثلاثة شبان وعرفت بجمالها الفائق وقوامها الرشيق توفت بمرض السحايا، وقد كانت الأم تتردد على قبرها يومياً، واستمرت على حالها هذا ثلاثة أشهر، فما كان من والد أبو عرب إلا أن قرر وأولاده العودة، فكانت رحلة الرجوع شبيهة برحلة التهجير، فعادوا وسكنوا في "الرينة" وحصلوا على هويات وخرجوا إلى الناصرة ليسكنوا فيها حتى يومنا هذا.
كان ثيودور هرتسل سبباً بتأسيس أبو عرب للجمعية التي يعتبرها عملاً وطنياً من الطراز الأول، وذلك عندما أشار خلال المؤتمر الصهيوني بأن الشعب يجب أن يكون له تراث والفلسطينيون ليس لديهم هذا التاريخ، واليوم تجده فخوراً بالوعي الموجود عند الجيل الفلسطيني الشاب الذي كان في السابق يخرج محتفلاً باستقلال ما يسمى دولة اسرائيل، واليوم بات يخرج في مسيرة النكبة، حاملاً العلم الفلسطيني منادياً بحق العودة.
فرح أبو عرب عندما اختارت حفيدته واسمها منى قريتها صفورية لتكون موضوعاً لفيلم وثائقي قصير، لكن أبو عرب أبدى تحفظه كونها اختارت لقب جدها "أبو عرب" عنواناً للفيلم، فصفورية ليست عنده، ليست قصة أبو عرب وحده، بل هي قصة بساتين القرية وآبارها، ترابها وحجارتها، ناسها وأهلها وأجيال لاحقة لم ولن تنسى وستتمسك بحق العودة، لأن وجود "الصفافرة" بالناصرة مؤقت حتى يعودوا إلى صفورية، يختم أبو عرب: لن يبقى بالواد إلا حجارته ونحن حجارة هذا الواد وملح هذه الأرض".