خاص بآفاق البيئة والتنمية
تعد عملية تزويد الغذاء لسكان العالم دون تدمير الأنظمة البيئية، من أكبر التحديات البشرية. وقد شاعت في السنوات الأخيرة، في أوساط بعض خبراء وعلماء الزراعة، نظرة متفائلة مفادها أن التطور التكنولوجي وزيادة كفاءة التخطيط يمكن أن يحسنا إلى حد كبير قدرة إنتاج الغذاء العالمي، دون تدمير النظم الطبيعية. وبالطبع، ليس كل العلماء شركاء في هذا التفاؤل. إذ يعتقد الكثيرون منهم بأنه من دون حدوث انخفاض كبير في معدل النمو السكاني وتغيير جذري في العادات الاستهلاكية، فسوف يكون من الصعب توفير الطعام والحفاظ على موارد طبيعية متجددة ومستقرة.
وفي هذا السياق، يحلل التقرير السنوي الذي نشره مؤخرا المعهد الأميركي للبحث البيئي (Worldwatch)، المؤشرات الاقتصادية والبيئية في العالم. وتبين معطيات التقرير مدى تأثير عملية تحسين الأساليب الزراعية على الإنتاج والإنتاجية والمساحات المزروعة خلال العقود الأخيرة: ففي السنوات 1980-2011 زادت المساحة المستخدمة لزراعة المحاصيل الغذائية الرئيسية بنسبة 16.8٪، بينما ارتفع حجم الإنتاج في هذه المساحات بنسبة 93٪؛ ما يعني أن المزارعين تمكنوا من إنتاج كمية أكبر بكثير من الطعام دون زيادة كبيرة في المساحات المزروعة.
ويعتقد بعض العلماء، أنه، بعد أن كانت الزيادة في كمية المحاصيل الغذائية، طيلة سنوات طويلة، تعتمد أساسا على تحسين الأساليب التكنولوجية-الزراعية، أي الطرق المستخدمة في تجهيز الأرض، وتوقيت الزراعة وترشيد الري والتسميد - فإنها تعتمد اليوم، وبنفس القدر، على التحسين الوراثي، وتحسين نوعية المحاصيل.
ويستند التحسين الوراثي على تحسين قدرة المزارعين التقليدية على تحسين النباتات بواسطة الانتخاب والتحسين بالطرق الطبيعية التي تحاكي ما يجري في الطبيعة، أو تحسين قدرتهم على التهجين بين الأنواع، ونقل خصائص أنواع النباتات البرية إلى الأنواع المستخدمة فعلا في إنتاج الغذاء. فعلى سبيل المثال، تجرى حاليا أبحاث تهدف إلى نقل خصائص المقاومة للفيروس من أنواع القمح البري إلى أنواع القمح الأخرى المألوفة في الزراعات المحلية.
وتوجد لهذه التقنية ميزة بيئية، لأن مكافحة الفيروس تجري حاليا باستخدام المبيدات التي تضر بالبيئة. ولتمكين استخدام الأنواع البرية من الضروري الحفاظ على النظم الإيكولوجية. كما يجب تخزين عينات من المادة الوراثية في بنك الجينات.
التطورات الحديثة في الإنتاج الغذائي يمكن أن يترتب عليها تكلفة بيئية كبيرة. مثال على ذلك ما حدث في إثيوبيا التي هب العالم لنجدتها منذ ثلاثين عاما بسبب الجوع. منذ ذلك الوقت زادت الدولة قدرتها على إنتاج الغذاء؛ فزاد تنوعها المحصولي وحسنت الطرق الزراعية، وهي تخلو الآن من المجاعة، رغم أنها لا تزال بلدا فقيرا يزداد نموه السكاني باستمرار. لكنها فعلت ذلك من خلال اجتثاث الغابات على حساب المناطق الطبيعية؛ علما أن الأصل، بيئيا واستراتيجيا، هو التخطيط لزيادة الإنتاج المحصولي، مع الحفاظ على جودة التربة والتبادل المحصولي (الدورة الزراعية) حسب الضرورة؛ بحيث تتقلص عملية توسع الأراضي الزراعية نحو المناطق الطبيعية.
باعتقادي، يكمن الاتجاه الزراعي الأساسي الذي يمكن أن يغير جذريا الأنماط الزراعية، بما ينسجم مع الأنظمة الإيكولوجية والطبيعية، ويوفر كميات كافية من المحاصيل والأغذية النظيفة صحيا لجميع سكان العالم، بما في ذلك بلداننا العربية- يكمن من خلال التركيز على التربة تحديدا وليس النبات؛ وذلك في مختلف مراحل العمل الزراعي، من حيث المحافظة على تربة صحية وخصبة وذات بنية جيدة للنباتات، إذ أن التربة المتوازنة والخصبة تعتبر خط الدفاع الأول ضد آفات وأمراض التربة، الأمر الذي يضمن إنتاج نباتي قوي وسليم.
ومن الضروري استخدام المخصبات والأسمدة الطبيعية والعضوية والكُمْبوست، إذ تعمل تلك المخصبات على إغناء التربة بالعناصر الغذائية الضرورية لنمو النباتات، وتقلل كثيرا من استعمال المياه، وتحسن قوام وخواص التربة وبنيتها وتركيبها، فضلا عن تحسين النظام الهوائي والمائي بداخلها. كما أن مساهمتها في الاحتباس الحراري هامشية.
يضاف إلى ذلك التغطية الحيوية للتربة، وهي عبارة عن طبقة واقية من "المِهاد" المكونة من النباتات أو الأسمدة الخضراء أو الروث أو أوراق الشجر أو القش أو التبن أو غيرها، والتي تعمل على حماية الكائنات العضوية الحية على سطح التربة، فضلا عن حماية البنية الأساسية للتربة من الأضرار الناتجة عن تعرضها لظروف جوية جافة أو للمطر الشديد أو للرياح الحادة؛ وبالتالي التقليل من انجراف مغذيات النباتات والحد من انتشار آفات التربة. ولدى تحلل الغطاء الحيوي يتحول إلى سماد للأرض؛ وبالتالي يعمل على تخصيب التربة. بمعنى، من الضروري أن نعمق فهمنا العلمي للتربة نفسها. ففي أعماق التربة توجد مجتمعات سكانية متنوعة من ملايين أنواع الفطريات والديدان (المخصبة للتربة) والبكتيريا التي تؤثر على بنيتها وعلى أنظمة جذور النباتات. إن فهما أفضل للعالم البيولوجي المعقد داخل التربة سيساعدنا بالتأكيد على فهم احتياجات النباتات، وعلى الحفاظ على خصوبة التربة ومنع الأمراض والآفات؛ وبالطبع، سيؤثر كل ذلك على جودة الطعام وكميته.
السماد البلدي الغني بالمواد العضوية يمد النباتات بالنيتروجين الذي تحتاجه بكثرة ويحسن خواص التربة وتماسكها وزيادة قدرتها على حفظ الماء
الهندسة الوراثية وعلاقتها بأزمة الغذاء والمجاعة والفقر
بخلاف مواقف العديد من المنظمات البيئية في العالم، يصر العديد من الباحثين والعلماء المناصرين للهندسة الوراثية، بمن فيهم بعض الباحثين والخبراء العرب والفلسطينيين، على زعمهم بأن المحاصيل المهندسة وراثيا هي الضمانة الإستراتيجية لإنتاج كميات كافية من الاحتياجات الغذائية لجميع سكان العالم، وبالتالي القضاء على أزمة الغذاء العالمية والمجاعة والفقر الغذائي، شريطة أن يتم تقييم المخاطر المحتملة.
لقد سبق أن ناقش كاتب هذه السطور هذه المسألة تحديدا في مواضع مختلفة؛ وهنا أذكر بأنه من الثابت الآن أن سبب أزمات الغذاء العالمية المتتالية، ليس نقص الطعام أساسا، بل عدم قدرة وعجز الفقراء على تحمل الارتفاع الكبير في الأسعار الناتج عن بضعة عوامل أبرزها ارتفاع أسعار المدخلات (مثل الأسمدة والطاقة وما إلى ذلك) وما يترتب على ذلك من زيادة الديون بخاصة، وديون المزارعين الصغار والبلدان متدنية الدخل بعامة، ما أدى إلى هجرات متواصلة لملايين فقراء الأرياف والملاكين الصغار نحو الأحياء الفقيرة في المدن والعمل المهزوز في الاقتصاد غير الرسمي. يضاف إلى ذلك العامل المتعلق بتقويض الإنتاج الغذائي في البلدان متدنية الدخل، من خلال إغراق الأخيرة بفوائض الإنتاج المدعومة من الأنظمة الغربية الرأسمالية، أو من خلال جرّها نحو التخصص في إنتاج غذائي كمالي تصديري رخيص لصالح الاقتصاديات الرأسمالية.
وفي سياقنا الفلسطيني تحديدا تتجسد عملية تقويض الإنتاج الزراعي من خلال الإغراق الذي تمارسه الشركات الإسرائيلية وسائر الشركات الأجنبية والاحتكارية ووكلاؤها، فيالأسواق المحلية، بسلعها الزراعية المدعومة وبالتالي الرخيصة بشكل مصطنع؛ ما أدى ويؤدي إلى عملية تدمير متواصلة للمزارعين الصغار. ناهيك عن سياسات السلطة المحبطة للاستثمار في الأرض والإنتاج الزراعي، من خلال الرسوم والضرائب المرتفعة (الإفراز والطابو وما إلى ذلك)، واستخدام الأراضي الزراعية لصالح ما يسمى "المناطق الصناعية المشتركة" التي تخدم أساسا جيوب رأس المال الخاص المحلي والأجنبي والإسرائيلي بالدرجة الأولى، بل واستملاك أراضي الفلاحين (من خلال ما يسمى الإدارة المدنية التابعة للاحتلال) لصالح مثل هذه المشاريع؛ في الوقت الذي يتوسع فيه المستعمرون الصهاينة عمرانيا وزراعيا أيضا في امتدادات تلك الأراضي أو على تخومها؛ ما يسهل بالطبع نهبها من قبل الاحتلال ومستوطنيه.
ومن بين العوامل التعجيزية أيضا التي تجعل الفقراء لا يتحملون الارتفاع الهائل في الأسعار، الاحتكار المتفاقم للحبوب والبذور وتجارة أغذية أخرى تتحكم بها حفنة من شركات الكيماويات الضخمة متعددة الجنسيات، علاوة على الإفراط في الاستغلالغير المستدام للمواردالطبيعية وتحويل الغابات والأراضي الزراعية الصغيرة متعددة المحاصيل لإنتاج الوقود الحيوي. وأخيرا، ضياع المعارف التقليدية والتنوع البيولوجي، وانتشار المحاصيل الأحادية المسجلة ببراءات اختراع، وهشاشة المحاصيل المعدلة وراثيا، والتغيرات المرتبطة بتغير المناخ وبخاصة تأثير تغير المناخ على إنتاج الأغذية.
المحاصيل المهندسة وراثيا لا علاقة لها بالقضاء على أزمة الغذاء العالمية والمجاعة والفقر الغذائي. من هنا فإن معارضتنا ورفضنا للزراعات الصناعية القائمة على التكنولوجيا الحيوية والهندسة الوراثية وما يسمى "الثورة الخضراء" المكثفة كيميائيا، ليس فقط بسبب عواقبها الصحية والبيئية الخطيرة والمدمرة (المثبتة علميا)، بل أيضا لأن التحكم الاحتكاري بالبذور يصب بالدرجة الأولى في مصلحة الأجندات التجارية الربحية للشركات، ولأن الزراعة الصناعية تعتبر غير مستدامة بيئيا.
لذا، من الضرورة بمكان أيضا مقاومة عملية إملاء وفرض التكنولوجيات على شرائح الفلاحين، مثل المحاصيل الأحادية المعدلة وراثيا (GM)، واحتكار الشركات للبذور، وتحديدا من خلال ما يسمى (terminator technology) أي التكنولوجيا التي تحظر على المزارعين حفظ وإعادة إنتاج البذور التي تم جمعها (بحجة منع التلوث الجيني)، الأمر الذي سيهدد غذاء نحو 1.5 مليار نسمة في العالم يعتمدون على حفظ البذور من الحقول وإعادة إنتاجها. وفي الواقع، لتمرير هذه التكنولوجيا الأخيرة، تتستر شركات البذور تحت غطاء ما يسمى الملكية الفكرية للشركات، وهذا الغطاء ليس أكثر من عملية قرصنة بيولوجية تقترفها تلك الشركات، لأن الموارد الوراثية التي تسعى الشركات إلى احتكارها تحت مسمى "الاختراع المسجل" هي محصلة جهود المزارعين الجماعية لتحسين وإعادة إنتاج البذور عبر آلاف السنين، وهي بالتالي ملك للبشرية.
وعلى ضوء التحرك الدولي لمواجهة أزمة المناخ، يفترض العمل تحديدا على تشجيع وتعزيز تنوع المحاصيل والبذور غير المعدلة وراثيا، وأساليب الزراعة العضوية.
زراعة عضوية تتميز بالتنوع والتداخل
المزارع الصغيرة أكثر إنتاجية بكثير من المزارع الكبيرة
تزعم شركات التكنولوجيا الحيوية والكيماويات الزراعية وتلاميذها وأنصارها الأجانب والمحليين بأن الزراعة الفلاحية التقليدية لا تستطيع تلبية الطلب الكبير على المنتجات الزراعية في عصرنا الحاضر. بل إن بعض أهل العلم "المتعاطفين" مع معاناة طبقة الفلاحين أو العمال الريفيين، يزعمون بأن مناصرة النمط الفلاحي "تتجاهل إلى حد بعيد المسائل المتعلقة بإطعام سكان العالم الذين ازدادوا كثيرا في كل مكان بعصرنا الحاضر؛ ذلك الإطعام الذي أصبح في جزئه الأكبر ممكنا بفضل ثورة الإنتاجية التي تحققت من خلال تطور الرأسمالية".
كما أن هناك مغالطة شائعة مفادها أن زراعة الحيازة الصغيرة والفلاحية متخلفة. وتنبع هذه المغالطة من مجموعة مزاعم أسسها في الواقع ضعيفة؛ وأبرزها ثلاثة مزاعم غامضة حول الإنتاج في الزراعة الفلاحية: الزعم الأول يقول بأن هناك "سقف تقني" لا تستطيع الزراعة الفلاحية تجاوزه. الزعم الثاني يقول بما يسمى قانون تناقص العائدات في الإنتاج الفلاحي كثيف العمل. وثالث المزاعم يستند إلى الركود المفترض في الإنتاج الفلاحي.
يتلخص ردنا على تلك المزاعم التي تتدثر بأدلة واهية، في أن "التفوق" المزعوم للزراعة الرأسمالية الصناعية، من حيث الإنتاج، غير مدعم بالتجربة. فبالرغم من المغالطة الشائعة بأن المزارع أو الحيازات الزراعية الصغيرة متخلفة وغير منتجة، إلا أن الأبحاث تدلل على أن المزارع الصغيرة أكثر إنتاجية بكثير من المزارع الكبيرة، وذلك إذا أخذ في الاعتبار مجمل المخرجات، وليس فقط الغلة الناتجة من محصول واحد. فعلى سبيل المثال، أنظمة الزراعة المتكاملة الصغيرة التي تنتج تنوعا من الحبوب، والفاكهة، والخضروات، والعلف والمنتجات الحيوانية، تتجاوز غلتها (إنتاجها) في الوحدة الواحدة، غلة المحصول الأحادي في المزارع الكبيرة، مثل الذرة في الزراعات الأحادية. وعندما تؤخذ في الاعتبار عوامل زعزعة الاستقرار البيئي التي صاحبت عملية تعميم الزراعة الصناعية؛ نجد أن ميزانية التكاليف والمنافع تترنح بشكل حاد نحو السالب في غير صالح المنافع.
بالإضافة لذلك، تحوي التقنيات الفلاحية التقليدية والزراعية المحلية كماهائلا من المعرفة والحكمة والمهارات المتوارثة، وهي تجسد تطور التوازن الكبير الذي كان قائما إلى حد كبير بين المجتمع البشري والمحيط الحيوي. لذا، فإن تطوير التقنيات الزراعية لتلبية الاحتياجات الاجتماعية المحلية يجب أن يأخذ الممارسات التقليدية المتوازنة كنقطة بداية، بدلا من الإطاحة بها باعتبارها متقادمة وعفا عليها الزمن.
في الواقع، قدرة زراعة النطاق الصغير أو الزراعة الفلاحية على الجمع بين الإنتاجية والاستقرار البيئي يشكل بعدا أساسيا في تفوقها على الزراعة الصناعية (الكيميائية والتكنولوجية الحيوية). وبالطبع، تتماشى الميكنة الزائدة تماما مع الزراعات الأحادية التي تترك فيها مساحات أرضية عارية بين الصفوف المزروعة. وعكس ذلك، تميل المزارع الصغيرة إلى الاستفادة المكثفة أكثر من مثل هذه المساحات، وذلك من خلال تنويع الأنماط المحصولية التي تدمج أنواعا نباتية تكمل بعضها بعضا. فضلا عن دمج بعض الحيوانات الصغيرة واستخدام دواب الجر المقبولة بيئيا.
إن كثافة أنماط المحاصيل المنوعة التي تزرع في دورات زراعية، و"ترييح" الأرض من فترة لأخرى، وتكامل التنوع النباتي مع الحيوانات الصغيرة ودواب الجر، تعزز بقوة الكائنات الدقيقة التي تحلل التربة؛ ما يدعم، في المجمل، التنظيم البيولوجي لخصوبة التربة والآفات ودورات المرض والأعشاب الضارة، دون كيماويات كما في الزراعات الأحادية. هذه القدرة على تجديد وتحسين التربة مع مر الزمن، هي أيضا نتاج جداول زمنية لإدارة المزرعة، مختلفة جذريا عن المزارع الصناعية؛ إذ أن المزارع الصغيرة غالبا ما تعتمد على المعرفة المتوارثة عبر الأجيال.
لقد أطعم المزارعون والفلاحون في كل مكان مجتمعاتهم المحلية وأوطانهم؛ وهذا هو الوضع الاقتصادي-الزراعي الطبيعي الذي كان سائدا في فلسطين وسائر أنحاء الوطن العربي. أما الرأسمالية، وتحديدا بطبعتها النيوليبرالية بشكل عام، والرأسمالية الكولونيالية بطبعتها الصهيونية في فلسطين بشكل خاص، فقد عملت على إلقائهم في "مزبلة التاريخ"، واستبدالهم بالزراعة الأحادية كثيفة رأس المال الموجهة أساسا إلى "السوبر ماركت" العالمية التي تشكل النخبة الرأسمالية والطبقة الوسطى مستهلكيها الأساسيين.
وفي سياق الترويج لهدفها المتمثل بتغيير كامل النظام العالمي لإنتاج الأغذية وتوزيعها، فإن أحد المبررات الذي طالما تذرعت به الشركات الزراعية الصناعية لتشريد الفلاحين وصغار المزارعين، يقول بأن الأخيرين لا يملكون القدرة على إطعام العالم. وفي الحقيقة، صغار المزارعين والفلاحين لا يطمحون إلى إطعام العالم، بل إن آفاقهم تقتصر على توفير الطعام لمجتمعاتهم المحلية والوطنية. فمن خلال توفير الطعام لمجتمعاتهم بأفضل ما في وسعهم، يمكن القول بأن الفلاحين والمزارعين في كل مكان يطعمون العالم.
وعلى الرغم من مزاعم ممثلي تلك الشركات بأن الزراعات الكبيرة والاحتكارية أفضل لإطعام العالم، فقد اقترن إنشاء سلاسل الإنتاج العالمي ومحلات السوبر ماركت العالمية، مدفوعا بالبحث عن الأرباح الاحتكارية- اقترن بمزيد من الجوع، وبنوعية أسوأ من الطعام، وبمزيد من خلخلة التوازن البيئي بسبب الزراعات الكيميائية كثيفة رأس المال، وذلك في جميع أنحاء العالم وأكثر من أي وقت مضى في التاريخ.
وهنا لا بد من التنويه إلى أن العلوم المتقدمة والزراعة الفلاحية لا تتعارضان. دمج العلم في الزراعة الصغيرة يمثل تحديا لكنه ممكن. فالزيادة الكبيرة في مدى الممارسات العضوية وشبه العضوية تتطلب قدرا أكبر من البحث العلمي والتدريب الهادفين إلى تحقيق فهم أفضل لكيفية عمل الأنظمة الإيكولوجية-الزراعية. فعلى سبيل المثال، البحث في أوجه التكامل الوظيفي للحشرات المختلفة من شأنه تحسين المكافحة الطبيعية للآفات. بينما معرفة أكبر لخصائص ولبنية التربة ولديناميات إعادة تدوير المغذيات يمكن أن ترشد المزارعين نحو أفضل ما يمكن استعماله من أنماط الزراعات المتداخلة والدورات الزراعية والنباتات المثبتة للنيتروجين والأسمدة الخضراء، لتحسين خصوبة التربة.
وهنا لا بد من التحذير من أن تبني الزراعة الطبيعية أو العضوية البديلة باعتبارها مسألة تكنولوجية فقط، سيزج بهذا النمط الزراعي في معركة خاسرة؛ لأن ازدهار أي نوع من التكنولوجيا يكون فقط في سياق اجتماعي واقتصادي داعم.
فإذا قامت الزراعة العضوية بإحلال مبيد بيولوجي مكان مبيدات كيميائية أكثر سمية، ولكنها تترك البنية الأحادية للزراعة دون مساس، فإنها تسير ضد التيار.
لذا، دون شن معركة نشطة ضد الشركات الزراعية الصناعية، ودون ضمان الأبعاد الاجتماعية للزراعة البديلة؛ مثل إنتاج الحيازة الصغيرة، والملكية الأسرية أو المجتمعية، والتكافل المجتمعي بين المزارعين والمستهلكين، والمسافات القصيرة بين المزرعة والمائدة- والاكتفاء بالتركيز على المسائل التكنولوجية فقط، فإن الزراعة البديلة يتهددها خطر التحول إلى مجرد ذراع للزراعة الصناعية، وتحديدا كسوق متخصصة لها.