الصَّعْوَة... عصفور فلسطين الخفيّ: بين سحر الطبيعة وعبقرية البقاء
خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
الصَّعْوة طائر صغير يعيش في الأحراش، الغابات، وبين الصخور، ويكثر ظهوره في الشتاء، لذا يُسمى أحيانًا بـ"نمنمة الشتاء ويتميّز بنشاطه وحركته السريعة، وصوته العالي نسبيًا مقارنة بحجمه، يختبئ بين الأغصان والصخور، ويتنقل بسرعة للبحث عن الطعام، ويُعد من أصغر الطيور الموجودة في أوروبا وبلاد الشام وفلسطين. تمثل الطيور، سواء المقيمة أو المهاجرة، مؤشرًا حيويًا لصحة النظم البيئية في فلسطين، وهي تربط بين ثقافات وشعوب عبر قارات العالم، لكن التحديات التي تواجهها، من فقدان المواطن الطبيعية إلى الصيد الجائر والتلوث، تهدد استمرار هذا التنوع الثري. من هنا تبرز الحاجة الملحة إلى تعزيز جهود الحماية والتوعية، بدءًا من سن التشريعات البيئية الرادعة، وصولًا إلى دعم الدراسات العلمية والمبادرات المجتمعية التي تراقب الهجرة وتعمل على الحفاظ على المسارات الآمنة للطيور، إن حماية الطيور ليست مسؤولية بيئية فقط، بل هي أيضًا حفاظ على إرث طبيعي وإنساني يخص الجميع.
|
 |
| طائر الصَّعْوة يجمع النباتات لبناء عشه - تصويرمحمد خليل الشعيبي |
تُعدّ فلسطين محطة حيوية وممرًا إستراتيجيًا في مسار هجرة الطيور العالمية، إذ تقع على مفترق طرق ثلاث قارات، ما يجعل سماءها ومعابرها البرية والبحرية مسرحًا سنويًا لواحدة من أعظم الظواهر الطبيعية: هجرة الطيور. ففي كل ربيع وخريف، تعبر مئات الأنواع من الطيور الأجواء الفلسطينية، منها من يتخذها محطة راحة واستراحة، ومنها من يقيم فيها لفصول طويلة. وتتنوع هذه الطيور بين الجوارح الضخمة كالعقبان والصقور، والطيور المائية كالبلشون والبط البري، والطيور المغردة كأبو الحناء الأوروبي. إلى جانب الطيور الزائرة الأخرى، تضم فلسطين طيورًا مقيمة مثل الهدهد الفلسطيني، والبلبل الأبيض الخدين، والغراب الرمادي، واليمامة المطوقة، والصَّعْوَة، والتي ترتبط ارتباطًا وثيقًا ببيئتها وتكوّن جزءًا من تراثها الطبيعي الفريد.
 |
 |
| محمد خليل الشعيبي مصور الحياة البرية خلال نصبه كمينا لتصوير الطائر |
المصور محمد غيث - موثق الأماكن التاريخية والأثرية |
أصل التسمية
طائر الصَّعْوَة أو نمنمة الشتاء هو طائر صغير جدا، وحسب معجم المعاني الجامع فإن صعوة وهي مؤنث صعو وهو عصفور صغير الحجم، بني مائل للرمادي، مع خطوط دقيقة على الجناحين والذيل، قصير وغالبًا ما يكون مرفوعًا بشكل ملحوظ إلى الأعلى، وقيل هي حمر الرؤوس، والجمع صَّعْوَات وصعاء وهي مجموعة من الطُّيور الصغيرة الدائبة الحركة، ويعتبر طائر النمنمة من رتبة الجواثم، Troglodytidae هو الاسم العلمي لعائلة من الطيور الصغيرة التي تتغذى غالبًا على الحشرات، وتُعرف باسم النمنمة، وأسم "Troglodytidae" مشتق من الكلمة اليونانية troglodytes، والتي تعني "ساكن الكهوف"، وذلك في إشارة إلى عاداتها في التعشيش أو الاختباء في الشقوق والأماكن المحمية. ومن الأسماء الشعبية الشائعة: نمنمة الشتاء، السكسوكة، الدعويقة، المنيزلة، ام الزعير.
والصَّعْوة طائر صغير يعيش في الأحراش، الغابات، وبين الصخور، ويكثر ظهوره في الشتاء، لذا يُسمى أحيانًا بـ"نمنمة الشتاء ويتميّز بنشاطه وحركته السريعة، وصوته العالي نسبيًا مقارنة بحجمه، يختبئ بين الأغصان والصخور، ويتنقل بسرعة للبحث عن الطعام، ويُعد من أصغر الطيور الموجودة في أوروبا وبلاد الشام.
 |
 |
| حجم عصفور الصَّعْوة مقارنة مع اليد البشرية |
طائر الصَّعْوة يلتقط الطحالب لبناء عشه - تصويرمحمد خليل الشعيبي – بلدة دير غسانة |
عش الصَّعْوَة... مأوى الحياة وبوابة البقاء
العش ليس مجرد مأوى مؤقت، بل هو الأساس الذي تبدأ منه دورة حياة الطائر، وبالرغم من أن مفهوم العش غالبًا ما يُربط بالطيور، إلا أن العديد من الكائنات الأخرى – من الفقاريات إلى بعض أنواع اللافقاريات – تبني أعشاشًا لحماية بيضها أو صغارها.
تتنوّع أعشاش الطيور في بنيتها وموقعها، فبعضها يُشكّل من مواد عضوية كالأغصان، والعشب ،والريش، وأوراق الشجر، والطحالب والأعشاب ومواد نباتية مختلفة .فيما يكتفي البعض الآخر بمنخفض بسيط في الأرض، أو بثقب في جذع شجرة، أو في تجاويف الصخور، طائر الصَّعْوَة ، على سبيل المثال، يفضّل بناء عشه في أماكن يصعب الوصول إليها، مثل شقوق الصخور أو المناطق الوعرة بين الأغصان الكثيفة، وهو ما يفسر نُدرة مشاهدة عشه وبيضه في الطبيعة.
يبني الصَّعْوَة عشه بعناية ليؤمّن الحماية لصغاره من المفترسات والتقلبات الجوية، في مزيج من الغريزة والدقة، يجعل من هذا العش ملاذًا آمنًا لبداية حياة جديدة، وإن كانت خفيّة عن أعين البشر.
 |
 |
| عش طائر الصَّعْوة المموه بمهارة فائقة قرب عين أبو ناظم في دير غسانه - تصوير محمد غيث |
وسيم ابو دواس -مصور الحياة البرية خلال جولة في الأغوار الفلسطينية |
لقاء نادر بعد أربع محاولات
روى مصوّر الحياة البرية وسيم أبو دواس لـ"آفاق البيئة والتنمية" تجربته الفريدة والصعبة في تتبع وتصوير طائر "الصَّعْوَة"، أحد أكثر الطيور خفاءً وتحفظًا في البيئة الجبلية الفلسطينية. وقال دواس: " بحثت عنه مرارًا دون جدوى، إلى أن حالفني الحظ في المرة الرابعة بعد صعود متكرر إلى جبل "حريش"، جنوب مدينة جنين، وهو من أعلى جبال المنطقة وأكثرها وعورة."
وصف أبو دواس الطائر بأنه صغير جدًا، بني اللون، سريع الحركة، وذو ذيل مرفوع بشكل دائم، مضيفًا "رغم حجمه الضئيل، إلا أن صوته وصفيره قويان بشكل لافت، وهو ما ساعدني في تعقبه." في رحلته الرابعة، قرر دواس إعداد "كمين تصوير" عبر نصب خيمة صغيرة وتشغيل صوت الطائر من جهاز خاص، وبعد انتظار طويل، ظهر الطائر لبضع ثوانٍ فقط، كانت كافية لالتقاط ثلاث صور نادرة له. وأضاف: "منذ تلك اللحظة، كثيرًا ما سمعت صوته في الغابات والبراري، لكنني لم أره مجددًا."
 |
 |
| طائر الصَّعْوة على شجيرة – تصوير وسيم ابو دواس - طوباس |
لوحة فنية لطائر الصَّعْوة بريشة الباحث خالد أبو علي -خاص لآفاق البيئة والتنمية |
سلوك فريد وعش وهمي
يصف خبير ومصور الحياة البرية سائد الشوملي لـ"آفاق البيئة والتنمية" طائر "الصَّعْوَة" بأنه أحد أكثر الطيور تمويهًا وتنوعًا في السلوك، قائلاً: "هو طائر بني صغير الحجم، يتميز بذيله القصير الذي غالبًا ما يكون مرفوعًا إلى الأعلى، ويغني أحيانًا من أماكن شبه مكشوفة، لكنه كثيرًا ما يتحرك بخفة مذهلة بين الأشواك والنباتات السفلية، كأنه فأر أو بهلوان، ما يجعل ملاحظته أمرًا صعبًا للغاية."
ويشير الشوملي إلى أن "الصَّعْوَة" يفضل العيش في المناطق الحرجية والرطبة، التي تتميز بكثافة الغطاء النباتي، كما يتواجد في الحدائق، الأسوار النباتية المحيطة بالأراضي الزراعية، المنحدرات الساحلية، وحتى في بعض الأراضي الخلابة ذات الطابع البري.
ورغم صغر حجمه، يتمتع هذا الطائر بصوت قوي ومميز. يقول الشوملي: "غالبًا ما يُسمع أكثر مما يُرى، حيث يصدر سلسلة غنية من الزقزقات والنغمات الرنانة المتكررة، كما أن نداءاته القصيرة والحادة قد تكون المؤشر الوحيد على وجوده في المكان." ويعتمد الطائر في غذائه على الحشرات، مما يجعله عنصرًا مهمًا في التوازن البيئي.
ويضيف الشوملي أن سلوك الذكر خلال موسم التزاوج يُعد من أكثر سلوكيات الطيور إثارة للاهتمام، إذ يقوم ببناء عدة أعشاش جزئية تُعرف باسم "الأعشاش الوهمية" ضمن منطقته، بهدف جذب الإناث. وما إن تختار الأنثى أحدها، حتى تتولى استكمال بناء العش وتبطينه من الداخل لتجهيزه لوضع البيض.
ويختتم الشوملي بالقول: "هذا الطائر مثال على عبقرية الطبيعة في الخفاء والتنوع، فهو يغني ويغيب، يبني ويتخفى، ويمنح من يرصده لحظة فريدة لا تُنسى."
 |
 |
| مصور الحياة البرية سائد شوملي – بيت ساحور |
باسم موسى خلال جولته لتصوير الحياة البرية – دير بلوط - سلفيت |
عدسة تصطاد المستحيل
محمد خليل الشعبي، ابن بلدة دير غسانة ومصوّر الحياة البرية المعروف بتوثيقه لعشرات الطيور والحيوانات النادرة في فلسطين، يروي تجربته الاستثنائية " لآفاق البيئة " مع طائر " الصَّعْوَة "، الذي وصفه بأنه "أحد أكثر الطيور صعوبة في الرصد والتوثيق".
ويقول الشعبي: "هذا الطائر الصغير نادر جدًا، ويتنقل بسرعة لافتة، ما يجعل تصويره تحديًا حقيقيًا، يتوارى معظم الوقت تحت الشجيرات الكثيفة أو بين تجاويف الأشجار، ولا يظهر إلا للحظات خاطفة."
ورغم تلك التحديات، لم تمنع سنوات المتابعة والمراقبة الدقيقة الشعبي من تحقيق هدفه، فبعد محاولات عديدة، نجح أخيرًا في التقاط صور ومقاطع فيديو للطائر وهو يغرد بصوته العالي والعذب، في مشهد نادر التوثيق.
ويضيف: "استطعت رصد الطائر الذكر في محمية وادي الزرقاء العلوي الواقعة في دير غسانة، وكان يحمل بمنقاره نبتة كزبرة البئر، وهو نبات عشبي صغير معمر شائع، ينتمي لعائلة السرخسيات، ويتواجد حيث وجد الظل والرطوبة المستمران، لذلك؛ نجدها على جوانب أسفل الآبار، والجداول المائية وقرب الكهوف الرطبة، وبجوار منابع العيون، وتُستخدم لبناء العش ، هذا السلوك يُظهر الدور الذي يؤديه الذكر في بناء العش، الذي تختاره الأنثى بعناية فائقة."
يوثق الشعبي في هذا الإنجاز سلوكًا طبيعيًا فريدًا لطائر نادر، ويضيف بذلك مشهدًا نادرًا إلى أرشيف الحياة البرية الفلسطينية، التي ما زالت تخبئ الكثير من الكنوز خلف ستار الطبيعة الوعرة.
 |
 |
| لقطة لطائر الصَّعْوة خلال تغريده على غصن شجرة – تصوير بشار جرايسة مصور الحياة البرية |
طائر الصَّعْوة في استراحة على صخرة لبناء عشه - تصويرمحمد خليل الشعيبي – بلدة دير غسانة |
"العصفور المُعزّر": طائر الصعوة... صوت يعلو حجمه ومهارة في التخفي
محمد غيث، المعروف بـ"أبو غيث"، من بلدة دير غسانة شمال غرب رام الله، يصف لقائه النادر مع طائر " الصَّعْوَة " كأنه مصادفة لا تتكرر، يقول" لآفاق البيئة " إنه عثر ذات يوم على عش الطائر بين الحشائش المتسلقة على جدار صخري مرتفع، قرب " عين أبو ناظم" و"عين الدير"، قرب بلدة دير غسانة موضحًا أن العش كان مموهًا بإتقان لدرجة يصعب معها تمييزه عن محيطه الطبيعي.
وبحسب أبو غيث، فإن هذا الطائر الصغير يتمتع بسلوك مختلف عن معظم الطيور الأخرى، إذ يفضل العيش قرب ينابيع المياه، ويشتهر بخفته وحركته السريعة بين الأغصان دون أن يستقر طويلًا على أي منها، وكأن الطبيعة لم تمنحه وقتًا للهدوء.
ويضيف: "يبني أعشاشه بمهارة فائقة في زوايا مغارات رطبة أو بين شقوق الصخور فوق عيون الماء، بشكل يصعب اكتشافه بسهولة، أما صوته فهو مرتفع ومميز، ويطغى على حجمه الصغير بشكل لافت. لذلك أُطلق عليه اسم " العصفور المعزّر"، لأن تغريده أقوى من حجمه بكثير."
تجربة أبو غيث تسلط الضوء على جمال هذا الطائر وندرته في البيئة الفلسطينية، وتكشف جانبًا من أسراره التي لا تُمنح إلا لمن يراقب الطبيعة بصبر وعين خبيرة.
 |
 |
| عش طائر الصَّعْوة وسط كزبرة البئر قرب عين الدير في دير غسانه - تصويرمحمد خليل الشعيبي |
لقطة لطائر الصَّعْوة خلال تغريده على غصن شجرة – تصوير وسيم ابو دواس مصور الحياة البرية |
طائر الصَّعْوة في الثقافة الشعبية الفلسطينية
في الموروث الشعبي، طائر الصَّعْوة يُمثل الذكاء والحيلة، والشجاعة رغم الصغر، والصوت العالي رغم صغر الجسد، والحضور في الأوقات الصعبة (الشتاء).
رغم صِغَر حجمه، فإن طائر الصَّعْوة له حضور في الأمثال الشعبية والقصص التراثية الفلسطينية، غالبًا للدلالة على الذكاء أو التحدي أو الجرأة رغم ضآلة الحجم، ومن الأمثال المشهورة "الصَّعْوة بتفتخر بالذيل!" ويُقال هذا المثل عندما يتباهى شخص بشيء بسيط لا يُعتدّ به كثيرًا، كما لو أن طائر الصعوة الصغير يفتخر بذيله القصير المرفوع، وقيل ايضا "زي الصَّعْوة بين الجبال" ويُضرب للدلالة على التواضع أو الضآلة وسط بيئة كبيرة، أو على شخص صغير الحجم لكنه شجاع أو بارز رغم محيطه.
ومن الحكايات الشعبية التي تُروى في بعض المناطق الجبلية بفلسطين أن الصَّعْوة هي الطائر الذي "غش" باقي الطيور في مسابقة الطيران إلى السماء، وهي قصة أسطورة محلية تقول إن الطيور قررت أن من يستطيع الطيران أعلى هو ملك الطيور، وعندما أوشكت النسور على الفوز، خرجت الصَّعْوَة من بين ريش أحد النسور وكانت مختبئة فيه، وارتفعت أعلى منه، ففازت باللقب بخدعة ذكية. ومنذ ذلك الوقت، يقول الناس المثل الشعبي "الصَّعْوَة بتناقر النِّسِر"، و"العقل في الراس مش بالقياس"، وذلك لترسيخ فكرة أن "الدهاء أقوى من القوة ".

طائر الصَّعْوة خلال اطعامه لفراخه في عش مخفي بشكل لافت
"بيض الصَّعْوَة "... بين الندرة والرمز الشعبي
في الثقافة الشعبية العربية، يُستحضر طائر "الصَّعوة" كمثال على الندرة وصعوبة المنال، ويتردد المثل القائل: "بيض الصَّعْوَة نسمع به ولا نراه" للدلالة على الأمور التي يُكثر الناس الحديث عنها وتُغدق فيها الوعود، لكن دون أثر فعلي على أرض الواقع.
طائر الصَّعْوَة، أو كما يُعرف علميًا ببعض فصائله تحت تصنيف الجواثم ، هو طائر صغير ينتمي إلى رتبة الجواثم، يعيش في المناطق الجبلية وشبه الصحراوية، ويتميز بحركته السريعة وخجله من الاقتراب من البشر، مما يجعل رؤيته – ناهيك عن رؤية بيضه – من الأمور النادرة، يعشش في أماكن معزولة يصعب الوصول إليها، وغالبًا ما يضع بيضه في شقوق الصخور أو بين الأشجار الكثيفة، ما يفسر غياب مشاهدات بيضه حتى بين مراقبي الطيور.
وقد تحوّل هذا الطائر النادر إلى رمز مجازي في الوعي الجمعي العربي، يُستدل به حين يغلب القول على الفعل، أو حين تُكثف التصريحات والوعود دون نتائج ملموسة، تمامًا كما يُسمع عن بيض الصعو دون أن يُرى.

عماد الأطرش المدير التنفيذي لجمعية الحياة البرية خلال علاجه للضبع المخطط الجريح
الصَّعْوَة... الطائر الرشيق الذي استقر بيننا
يصف مصوّر الحياة البرية جبري علي أحمد من بلدة كفر الديك بمحافظة سلفيت تجربته مع طائر " الصَّعْوَة " بأنها أشبه بمطاردة لغز حيّ، قائلاً " لآفاق البيئة " " تابعت هذا الطائر الصغير بدقّة وتمكنت من توثيقه بصور احترافية، تخيّل كائناً لا يهدأ، يقفز بين الأغصان الصغيرة بخفة، ويصدر أصواتًا حادة تُشبه النغمات الموسيقية. إنه طائر رشيق يحمل في صمته وحركته أسرارًا كثيرة، لكنه يختفي في اللحظة التي تظن أنك اقتربت منه."
ويضيف جبري أن أغاني طائر الصَّعْوَة تُعد عنصرًا أساسيًا في سلوكه الاجتماعي، حيث يستخدم الذكور تغريداتهم المعقّدة والسريعة لجذب الإناث والدفاع عن مناطق نفوذهم.
أما باسم موسى، زميله في تصوير الحياة البرية من بلدة دير بلوط، فيسلّط الضوء على نهم الصَّعْوَة للحشرات، قائلاً" لآفاق البيئة ": " تتميز هذه الطيور بنشاط كبير في البحث عن الحشرات، فهي لا تترك مكانًا دون أن تفتشه: من قمم الأشجار حتى الأرض، ومن بين الأوراق إلى لحاء الجذوع، بحثًا عن الصراصير والخنافس والجراد والعناكب والديدان، وحتى اليرقات والفقاريات الصغيرة." ويشير موسى إلى أن الطائر، الذي كان يُعتبر زائرًا عابرًا خلال مواسم الهجرة الربيعية والخريفية، أصبح اليوم مقيمًا دائمًا في الأراضي الفلسطينية، حيث يُعد فصل الشتاء موسمًا لتكاثره وبناء أعشاشه.
ما بين حيوية الصوت، ورشاقة الحركة، ودقة التخفي، يرسم طائر الصَّعْوَة لوحة من الجمال البيئي المتجدد، ويُعيد تعريف مفهوم الطائر "الصغير بصوته الكبير".
قال المدير التنفيذي لجمعية الحياة البرية، عماد الأطرش لـ"آفاق البيئة والتنمية": "تشير الدراسات المحلية إلى أن فلسطين تحتضن ما يقارب 550 نوعا من الطيور البرية منها 400 مهاجرة، رغم صغر مساحتها، وهو تنوع غني يعكس الأهمية البيئية للمنطقة، تنتمي هذه الأنواع إلى أكثر من 200 جنس، وتتوزع على 21 رتبة، أهمها الطيور المغردة ، ولدينا حوالي 155 نوعًا من الطيور المفرخة والمقيمة، هذا التنوع يعود إلى الموقع الجغرافي الفريد لفلسطين عند تقاطع ثلاث قارات، إضافة إلى تنوع المناخ والتضاريس، من الملاحظ أيضًا أن كثافة الطيور المفرخة الصيفية تتركز في شمال فلسطين، في المناطق ذات الطابع المتوسطي، بينما تقل باتجاه الجنوب، إن هذا التنوع الاستثنائي يُحتم علينا تكثيف الجهود لحماية الطيور وموائلها الطبيعية في وجه التهديدات المتزايدة."

ذكر طائر الصَّعْوة خلال تغريداته المعقّدة والسريعة لجذب الإناث
"الاحتلال يستوطن... والطبيعة تنزف: الضفة تفقد موائلها البرية"
أدى التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية، إلى جانب بناء جدار الفصل العنصري وشق الطرق الالتفافية، إلى تدمير واسع لموائل الحياة البرية، خصوصًا في المناطق الجبلية والغابات والأودية الغنية بالتنوع البيولوجي. غابة "وادي قانا"، إحدى أبرز المحميات الطبيعية شمال الضفة، فقدت مساحات شاسعة لصالح مستوطنات مثل "ياكير" و"نوفيم"، ما تسبب في تقليص بيئة طيور مثل الحجل الفلسطيني، البومة البيضاء، الصَّعْوَة ، والعصافير المهاجرة.
الطرق الالتفافية، مثل شارع 60 و443، قطعت أوصال الطبيعة وعزلت المواطن الحيوية، ما أدى إلى إرباك حركة الثدييات كالثعلب الفلسطيني والقنفذ، وارتفاع حوادث نفوق الحيوانات، بينما شكّل جدار الفصل، بطوله الذي يتجاوز 700 كيلومتر، حاجزًا بيئيًا عطّل حركة الأنواع وأثر على أعداد الغزلان الجبلية.
في المقابل، فاقم التلوث الناتج عن مكبات النفايات الاستيطانية من تهديد حياة الطيور والحيوانات، مع استمرار تراجع الغطاء النباتي وموارد المياه، ومع هذه السياسات، تواصل فلسطين فقدان تراثها البيئي أمام مشاريع الاحتلال التي لا تعير أي اعتبار لحماية الطبيعة أو القانون الدولي.
خاتمة: أهمية الحماية والتوعية
تمثل الطيور، سواء المقيمة أو المهاجرة، مؤشرًا حيويًا لصحة النظم البيئية في فلسطين، وهي تربط بين ثقافات وشعوب عبر قارات العالم، لكن التحديات التي تواجهها، من فقدان المواطن الطبيعية إلى الصيد الجائر والتلوث، تهدد استمرار هذا التنوع الثري.
من هنا تبرز الحاجة الملحة إلى تعزيز جهود الحماية والتوعية، بدءًا من سن التشريعات البيئية الرادعة، وصولًا إلى دعم الدراسات العلمية والمبادرات المجتمعية التي تراقب الهجرة وتعمل على الحفاظ على المسارات الآمنة للطيور، إن حماية الطيور ليست مسؤولية بيئية فقط، بل هي أيضًا حفاظ على إرث طبيعي وإنساني يخص الجميع.

مصوّر الحياة البرية جبري علي أحمد خلال جولاته لتصوير الحياة البرية قرب البحر الميت