
حبيب معلوف
على الرغم من انتشار مفهوم "الإعلام البيئي" على أوسع نطاق في العالم، وعلى الرغم من تخصيص مجلات وصفحات في الصحف وحلقات إذاعية وتلفزيونية وصفحات إلكترونية، لمقاربة هذا الموضوع، إلا أن السؤال عن ماهية "الإعلام البيئي" ودوره، أو الإعلام المهتم بـ "التنمية المستدامة"، لا يزال مشروعًا، لا بل بات مُلّحاً جداً.
هناك إشكاليات عدة يمكن أن تطرح حول دور الإعلام في تحقيق التنمية المستدامة. منها ما يتعلق بماهية الإعلام ودوره ووظيفته، ومنها ما يتعلق بمفهوم التنمية المستدامة نفسه المفترض تعميمه وتسويقه، إضافة إلى الإشكالية المتعلقة بكيفية التحقق من المعلومات والأرقام و"الحقائق" العلمية.
ويمكن القول بداية، ومن دون مبالغة، إن لا إعلام للتنمية المستدامة، كما لا "إعلام بيئيا" بالمعنى الصحيح في الوطن العربي حتى اليوم. وذلك لعدة أسباب، منها ما يتعلق بالإعلام نفسه، إما لناحية ملكية أو تبعية أو توجهات وسائل الإعلام، أو لناحية مؤهلات وقدرات الإعلاميين العاملين في هذا القطاع الجديد. ومنها ما يتعلق بالمفاهيم التي يفترض ترويجها والتي لا تعبر تمامًا عن عمق المشكلات المطروحة والحقيقية. لطالما تم التستر على إشكالية أساسية حول دور الإعلام، وهي هوية مالكي وسائل الإعلام وطرق دعمها وتمويلها، سواء أكان المالك في القطاع العام أم الخاص. ولطالما تحولت هذه الوسائل إلى وسائط ووقعت تحت فكي كماشة، أما سوق الإعلان في القطاع الخاص، وإما إرادة من هم في السلطة في القطاع العام، أو الاثنين معا.
قد تكون مطالب وطموحات بعض من هم في السلطة ما تزال تقليدية وبالتالي غير خطرة، مثل التمجيد والتفخيم والتبجيل، والتنبه لوضع الألقاب الطويلة قبل الأسماء، وتغطية نشاطاتهم أولاً بأول، ووضع أخبارهم في مقدمة النشرات أو في الصفحات الأولى ونشر ما هو إيجابي والتستر على السلبي، إلا أن ذلك لن يكون له تأثيرات بعيدة الأمد وخطيرة على مستوى تهديد شروط الحياة على هذا الكوكب.
حتى قضايا الاستبداد والظلم وعدم المساواة تبقى أقل خطورة لناحية الانعكاس والتأثير على الحياة وديمومتها على سبيل المثال، وخصوصا في ظل نظام دولي أو دولتي (على اعتبار ان الدولة هي عقل المجتمع) يفرض أو يفترض الحد الأدنى من التعاون الدولي وبين الدول لناحية وضع الاتفاقيات الدولية التي تتعلق بالمصالح العليا للحياة على هذا الكوكب.
أما في حال التوسع في الخصخصة ومحاولات الشركات الكبرى التفلت من رقابة الدول، لا بل محاولات تغيير أدوار وطبيعة هذه "الدولة"، فإن الأمر سيكون في غاية الخطورة، لا سيما لناحية سيطرة منطق السوق، منطق المنافسة والربح والاستثمار حتى الاستنزاف، على منطق العقل الدولتي المحافظ والمؤتمن على إمكانية تجدد الموارد واستدامتها.
والسؤال الذي يطرح في هذه العجالة: ما ستكون عليه وضعية الإعلام الخاضع للإعلان وسوق الإعلان، الخاضع بدوره لقوى الإنتاج والسوق، التي يتعاظم شأنها يوما بعد يوم على حساب الدول وأدوارها التقليدية، وعلى حساب الشعوب ومصالحها الحيوية، وعلى حساب موارد الكوكب وإمكانية تجددها؟ ألم يبدو واضحا وفاضحا في قمة الأرض التي عقدت عام 2002 في جوهانسبورغ، وما قبلها وما بعدها، كيف تُعدّل عديد من الاتفاقيات الدولية التي رعتها الأمم المتحدة، لصالح أو لمصالح ومشيئة "منظمة التجارة العالمية" على سبيل المثال؟ وفي الإطار نفسه، كيف يمكن لوسيلة إعلامية ان تتحدث عن تلوث الهواء وتغير المناخ في العالم، وأن يكون بين صفحاتها أو في محطاتها الإعلانية دعايات لسيارات خاصة او لشركات نفطية ما؟ مع العلم أن هذه القطاعات هي أهم مصدر للانبعاثات المتسببة بتغير المناخ؟ أي تناقض؟ أي مصداقية؟ أي رسالة؟ موضوع يجب أن يُطرح للنقاش في المرحلة اللاحقة على الأقل.
والسؤال الذي يطرح نفسه على الإعلاميين أيضا: ماذا يجب أن نعلم؟ وماذا يفترض أن نُعلم؟ ماذا يجب أن نعرف؟ وماذا يجب أن ننقل؟ وهل يجب أن نكتفي بدور الوسيط، في وقت أصبح هذا الوسيط بمثابة شاهد الزور؟ وهكذا وجب أن نعود إلى "مسألة المعرفة" في كل أبعادها، ولا سيما في عصر المعلومات وعصر الصورة بامتياز؟ فهناك كم هائل من المعلومات لا ينتهي، وسرعة تغير لا تحد ولا تتوقف.
وقد بتنا أمام واقع يجب الاعتراف به: معلومات كثيفة وكثيرة متعددة ومتغيرة وأيضا متناقضة... ولكن من دون أن تشكل معرفة ما، ومن دون أن تلامس صفة اليقين.
نعلم الكثير ولا نعرف شيئا. بمعنى أن العلم هو بالشيء وفي الجزئيات في حين أن المعرفة هي في الكليات وكانت تتصف دائما بالشمولية. ومن كثرة الصور التي تُعرض علينا كل يوم، أصبنا بالعمى. ومن كثرة المعلومات التي يمكن أن نحصل عليها، وقعنا في الجهل. كان روسو يقول: "إن قلة الرؤية تدفع الى المزيد من التخيل"، ويمكن القول أيضًا اليوم، إن كثرة المعلومات تخنق الموهبة والقدرة على التحليل والاستنتاج والإبداع، ليس هذا وحسب. لعله بات مشروعا طرح السؤال التالي: من يملك العلم اليوم؟ ومن هم "الخبراء" في العالم؟ هذا وقد أصبحت هذه الاسئلة أكثر إلحاحاً بعد تراجع دور الدول أيضا عن تمويل البحوث العلمية، وتقدم القطاع الخاص والشركات الكبرى في هذا المجال! ما يعني أن العلم والأبحاث ونتائجها أصبحت في خدمة قطاع يبغي الربح والاستفادة العملية، أكثر مما يبغي الحقيقة العلمية المجردة والخير العام، فما هي المعايير التي على الإعلامي اعتمادها للتحقق من صدقية المعلومات وعلميتها؟ سؤال يستحق النقاش العميق ايضا.
يقال دائما إن على النص الإعلامي البيئي، على سبيل المثال، أن يكون "علميا"، وذلك كونه نصا تقريريا يستعين بالمقولات العلمية والرياضية والاحصائية... لكن ما معنى كل ذلك في حال الشك في المصادر كما اسلفنا؟ من هنا يمكن ان يطرح السؤال الإضافي: ألم يحن الوقت لإعادة النظر بدور الإعلامي الوسيط والناقل للخبر والمعلومة والمعرفة؟ ألا يجب الانتقال من النص التقريري إلى نص مليء بالتساؤلات؟ نص يولد الأسئلة ويثير الاشكاليات المعقدة ولا يساهم في تقديم الحلول الوضعية بقدر ما يساهم في فتح آفاق جديدة للتفكير؟
ألا يفترض بالإعلامي البيئي أن ينتقل من هم السباق أو "السبق" ومقولة "إحداث ضجة"، إلى مقولة "إحداث فهم"؟ الانتقال من همّ نقل معلومة جديدة إلى همّ تأسيس معرفة حقيقية وعميقة أيضًا؟ ألا يُفترض التركيز على المساهمة في إنتاج قيم جديدة بعيدة عن متطلبات السوق وحسابات الربح والخسارة الآنية نحو قيم أكثر شمولية وديموقراطية، تأخذ في الاعتبار الحقوق الأساسية للإنسان، المتوافقة مع التوازنات الدقيقة للبيئة والتي تحفظ حقوق الأجيال الآتية أيضًا؟ والسؤال الذي يطرح نفسه أخيراً: هل لا تزال للكلمة من معنى وتأثير وفعالية إذا كان هدفها لا يزال تغيير الفكر والسلوك في نهاية المطاف، مقارنة بقوة تأثير الصورة والإعلان والدعاية؟ هذا ما يحتاج إلى نقاش أوسع وأعمق أيضاً.