خاص بآفاق البيئة والتنمية
صورة الصحراء الجرداء الخالية من الحياة إلا من بضع قبائل من البدو الرحل البدائيين في تحضرهم عن ركب حياة الدولة العصرية المنظمة والديمقراطية. هذه هي الصورة التي حاولت وتحاول حتى يومنا هذا دولة الاستعمار الإسرائيلية تسويقها الى العالم لا بل وإلى ملاك الأرض أنفسهم. محاولةً اليوم إظهار نفسها بهيئة الراعية والحريصة على ما تبقى من فلسطينيين في النقب بعد أن شردت أكثر من 80,000 من خلال عمليات التطهير العرقي في 1948.
وكثيرة هي المشاريع الإسرائيلية التي تحمل مسميات براقة، تدّعي أن الهدف منها دمج فلسطينيي النقب في المجتمع الإسرائيلي كمواطنين وتحسين أحوالهم الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والخدمات العامة المقدمة إليهم، فيما تقوم الحكومات الإسرائيلية بعمل العكس تماما من سلخ البدوي عن بيئته الطبيعية وعاداته وثقافته وقطع علاقته بأرضه، بترك الزراعة والرعي وزجهم في أصغر بقعة ممكنة من الأرض في مدن "حديثة" مصطنعة ليصبح مواطنا "أليفا" كما يريده الاحتلال أن يكون.
ومن الأمثلة على استهداف أهالي النقب من خلال القوانين العنصرية، والتي امتدت منذ النكبة حتى اليوم، قانون الطوارئ للعام 1946 لوضع اليد على الأرض، وقانون "الحاضر الغائب" الذي طبق في 1951 وقانون "أراضي إسرائيل" الذي بموجبه يمنع رد الملكية إلى أصحابها، واعتبار أراضي البدو "أراضي دولة"، وقانون "التخطيط والبناء" لعام 1965 و "قانون السلام" بعد معاهدة كامب ديفيد، حيث صادرت الحكومة الإسرائيلية حوالي 85 ألف دونم لإنشاء معسكرات بدلاً من تلك التي كانت على أرض سيناء.. واستطاعت دولة الإستعمار بموجب حزمة القوانين السابقة ضم جميع أراضي النقب تقريبا (أي حوالي 13 مليون دونم) إلى ملكيتها.
كما أن"الدوريات الخضراء" التي قام بإنشائها شارون عندما أصبح وزيراً للزراعة عام 1977، قامت بملاحقة سكان النقب من خلال إبادة المحاصيل ورشها بالسموم ومصادرة المواشي من المراعي وبث الرعب بين السكان وهدم القرى بحجة عدم الترخيص وبحجة حماية البيئة والطبيعة، وتطبيق قانون "طرد الغزاة" الذي أقر عام 2005 والذي اعتبر الفلسطينيين البدو غزاة ومستوطنين في "أرض الدولة".
وقد خصت حكومة الإستعمار الإسرائيلية النقب بخطط ومشاريع عديدة أبرزها "خطة شارون" التي أقرت في شباط 2003 وما سمي بـ "الخطة الاستراتيجية لتطوير النقب" والتي أقرت في نيسان 2005 ورصد لتنفيذها ملياري دولار. وتضمنت أهدافا معلنة مثل إنشاء سكة حديد وتزويد المناطق العربية في المدن الاصطناعية بخدمات شق الطرق وإيصال الطاقة وترقيم المنازل، وأهدافا أخرى تبين أنها الأهم مثل زيادة عدد السكان اليهود في النقب ليصبح مليون نسمة بحلول عام 2015 على أن ألا يزيد تعداد العرب عن 200 ألف نسمة. وبالمقابل يتم عزل الفلسطينيين في النقب في مجمعات سكنية ضمن مساحة محصورة وضيقة.
خريطة تبين القرى الفلسطينية غير المعترف بها في النقب
النقب والنكبة
بعد النكبة، حصرت دولة الإستعمار نصف من تبقى من الفلسطينيين في النقب وعددهم حوالي 15,000، في مجمع جغرافي ضيّق معزول، ومنع أهله من الإقامة والبناء خارجه ضمن ظروف معيشية مزرية، وهذا ما أسماه الأهالي بمنطقة «السياج»، وهي منطقة المثلث الواقع بين بئر السبع وقرية كُرْنُب و"عراد" التي بنيت على أنقاض قرية "تل عراد "الفلسطينية وتضم منطقة "السياج" سبعة تجمعات سكانية هي (تل السبع، رهط، عرعرة النقب، كسيفه، شقيب السلام، حوره، اللقية). ويذكر أن الحكومة الإسرائيلية قد أقرت قانوناً لا يسمح لأي يهودي بالسكن في إحدى هذه البلدات، بحجة أنها أنشئت لسد احتياجات شريحة ضعيفة تحتاج لعناية خاصة من قبل الدولة.
أما النصف الآخر من أهالي النقب فيعيشون في 45 قرية أصبحت تسمى "القرى غير المعترف بها" نظرا لأن الحكومة الإسرائيلية ترفض حتى اليوم الاعتراف بشرعية وجودها على الأرض وتحرمها من أدنى الخدمات وتقوم بشكل دوري بهدم المنازل فيها لإجبار السكان على الرحيل إلى المجمعات التسعة. وقد قامت الحكومة في العقدين الأخيرين بتحريج هذه القرى والمساحات المحيطة بها، بأشجار الصنوبر واعتبارها محميات بإشراف وتمويل وتنفيذ الصندوق القومي اليهودي لمنع السكان من البناء والتوسع. ومن هذه القرى العراقيب، وكحلة، والزرنوق. ولا تتجاوز نسبة المساحة التي تشغلها هذه التجمعات حاليا 1% من مجمل أراضي النقب، في حين يشكل البدو ما نسبته 31% من مجمل السكان في النقب.
برافر لن يمر
وفي 2011 تمت المصادقة على مشروع ما عرف بخطة "برافر" الذي وصفه شمعون بيريز بأنه بمثابة نسخة ثانية وعصرية من مشروع إقامة "دولة إسرائيل"، ثم في ايلول 2013 أقرت الحكومة الاسرائيلية خطة خمسية سميت بـ "الخطة القومية لتطوير النقب". وبالرغم من تجميد مشروع خطة "برافر" بسبب ضغوط الفلسطينيين في مناطق 48 واعتراض جبهة اليمين الاسرائيلي عليه على حد سواء بوصفه "يعطي العرب في النقب أكثر مما يجب" إلا أنه لم يتم إلغاء الخطة. ويراهن الأهالي البدو أن الحكومة الإسرائيلية ستلجأ لسن قوانين عنصرية جديدة لتمرير خطة أسوأ تقنع اليمين المتطرف. وكل هذه المخططات تهدف الى تحقيق نفس الغرض وليست إلا عبارة عن مسميات مختلفة لنفس الخطة الصهيونية الأولى التي تجسدت في رؤية دافيد بن غوريون مؤسس دولة الكيان الصهيوني الذي كتب عام 1956 في الكتاب السنوي لإسرائيل: "إن إعمار النقب والسكن فيه ضرورة مطلقة لسلامة اسرائيل وأمنها، وأن اليهود القاطنين على الساحل لن يطول بقاؤهم إذا لم يرتفع عدد السكان الحالي لشعبنا في النقب".
ويبدو أن الحكومة الإسرائيلية تقوم بعملية حشو لسكانها من اليهود بأي طريقة لتعبئة النقب. فقد باشرت بتنفيذ خطة لإنشاء أكبر قاعدة عسكرية للجيش منذ تأسيسها على بعد ثلاثين كيلومتراً جنوب مدينة بئر السبع، ومع نهاية عام 2014 سينقل عشرة آلاف جندي إلى القاعدة الجديدة التي بلغت كلفتها 650 مليون دولار على أن يتم نقل نصف القواعد الإسرائيلية الموجودة في وسط فلسطين المحتلة خلال الست سنوات القادمة.
صورة جوية لبئر السبع عام 1945 تبين إستخدام الأرض للزراعة
النقب كخصوبة وادي النيل
وللنقب اهمية استراتيجية عظيمة بحكم موقعها وغنى أرضها التي تحاول دولة الإستعمار تصويرها بالقاحلة رغم تمسكها الشديد بها. فقد صدّر النقب أكثر من نصف المواد الغذائية والتموينية للفلسطينيين في فترة ما قبل الإنتداب البريطاني لفلسطين ومن أهم المحاصيل القمح والشعير والعدس والقطن وقد وصفت خصوبتها بأنها لا تقل عن خصوبة وادي النيل بسبب توافر كميات جيدة من المياه الجوفية فيها.
ولا ننسى أن أهم قيادات الكيان الصهيوني مثل "بن غوريون" و"شارون" اختاروا النقب مكاناً لسكناهم أو لمزارعهم، تشجيعاً وتحفيزاً للمستوطنين ليحذوا حذوهم. كما شهد أهلنا في النقب النكبات المتتالية جراء مواصلة الدولة المحتلة بتنفيذ "حلم الصحراء" وقد بدت معالم الخطة واضحة من خلال تجنيد الميزانيات ومؤسسات التطوع لبناء مساكن للمستوطنين اليهود وبنى تحتية كاملة وتوفير فرص عمل لاستقطابهم من كل المناطق وقد أعلنت «وزارة تطوير النقب والجليل» الإسرائيلية في كانون الثاني 2014 عن تقديم إعفاءات وتقديم مساعدات مالية لكل يهودي يشتري بيتا في النقب وتمنح كل عائلة تستوطن بالنقب مساحة 80 دونما.
ومنذ النكبة نفذت دولة الإستعمار مشاريع عديدة كلفت المليارات لتحويل المياه لمنطقة النقب ضمن مخطط إعماره للمستوطنين مثل مشروع العوجا 1 و2 لنقل مياه رأس العين ونهر العوجا وجزء من المياه المحولة من نهر الأردن بعد تجفيف بحيرة الحولة والمياه المكررة وشبكة المجاري في تل أبيب لري القسمين الغربي والشرقي من النقب. وضمن مشروع "جونستون" نفذ مشروع الناقل الوطني الإسرائيلي الذي حول مياه بحيرة طبرية إلى صحراء النقب وتم الحديث عن اتفاق مع الرئيس السادات لشق قناة مقترحة باسم "قناة السلام" بطول 250 كيلومتراً، من نهر النيل الى سيناء فالنقب لريها وهو المشروع الذي أوقف بعد اغتيال السادات.
جعل الصحراء جنة
وتتفاخر دولة الإستعمار دوما بمقولة انها استطاعت تحويل الصحراء أي النقب الى جنة بينما تقوم فعليا بتسميم البيئة من خلال ممارساتها من تغيير في طبيعة الأرض وطوبوغرافيتها ومن خلال إنشاء مدن اصطناعية مناقضة لطبيعة الحياة في المنطقة التي عرفها أهلها الأصليين، ومن خلال إدخال عناصر غريبة على بيئة النقب كإدخال أنواع من النباتات المهجنة والمعدلة جينيا في بيئة لا تنتمي اليها مثل التين الشوكي والكروم، مما يؤثر على طبيعة التنوع الحيوي في المنطقة، هذا بالإضافة لرش المبيدات السامة على محاصيل السكان العرب وجعل التربة غير صالحة للزراعة. ولا ننسى المفاعل النووي الاسرائيلي ومركز دفن النفايات عالية الاشعاع الناتجة عن التجارب والعمليات التي تجري به في أماكن قريبة من السكان ومن البحر الميت. كما أن بعض النفايات تدفن سرا في مناطق ومكبات الضفة الغربية.
كما أن المفاعل يقع فوق بركة ضخمة من المياه الجوفية مما يلوث المنطقة بكاملها ومما يفسر بحسب تقارير إسرائيلية الأمراض الخطيرة كالسرطانات المختلفة في منطقة وادي عربة والطفيلة وقطاع غزة وسيناء. أما مخطط "قناة البحرين" فيعتبر الحاضنة لمخططات التهويد ومصادرة الأرض أمثال مخطط "برافر" لأنه يتوافق مع تغيير بيئة النقب كي تلائم مستوطنيها الجدد ومصادرة ما تبقى من أرض وتدمير بيئة البادية التي عرفها أهل هذه الأرض وتهجيرهم إلى منطقة "السياج"، هذا بالإضافة لأضرار المشروع البيئية التي لا يمكن توقعها.
وقد أشرنا في عدد سابق عن إقرار البنك الدولي الممول للمشروع بوجود مخاوف من أن المشروع سيؤدي إلى نمو طحالب حمراء وتكوّن كتل من الجبص الأبيض في البحر الميت، إضافة إلى وجود مخاطر جدية على المياه الجوفية في وادي عربة وخطر تداعي المنشآت في المنطقة. هذا بالإضافة الى تغيير اصطناعي في مسار الطبيعة سيؤدي حتما إلى نتائج لا تحمد عقباها.
ويمكن التوصل إلى أن الأطماع الصهيونية في النقب لا تقف عند حد وتمارس الشراهة في ابتلاع الأرض وتغيير الديموغرافيا. أما في موضوع تدمير البيئة في النقب فيبدو أن الدولة الإسرائيلية لم تتعلم من مشروع تجفيف بحيرة الحولة حيث أنها اعترفت بعد عشرات السنوات، وبعد تدمير قرى سهل الحولة وتشريد أهلها، بعدم جدوى المشروع وبدأت بضخ المياه لمكان البحيرة . وأخيرا فإن كل المحاولات لإنجاح استمرارية وجود هذا الكيان الغريب في أرض لا ينتمي اليها مصيرها الفشل وخاصة في ظل تمسك الفلسطيني بأرضه رغم تتابع النكبات.