خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
هذا المقال، يعرّفنا على نبات القريص بشكل معمق، نتطرق في ثناياه إلى بيئته الأصلية وأجزائه المختلفة وفوائده الجمة، بالإضافة إلى تلخيص بسيط لما توصلت إليه بعض الأبحاث العلمية فيما يخص هذا النبات العظيم، واستخداماته التقليدية والحالية، كما نعرّج على بعض طرق استخدامه سواء لأهداف علاجية أم ضمن وصفات الطعام الشائعة، وبخاصة الفلسطينية.
|
 |
| القريص عنوان لا يشبه محتواه |
تفاجئك نبتة القريّص بلسعات مؤلمة إذا لامستها دون أن تنتبه لوجودها، ولو كنت مدركًا لوجودها لا بد وأنك ستهاب الاقتراب منها، فأشواكها ذات الحضور الواضح توحي بأنها نبتة غير ودودة، ولربما سامة.
وفي حقيقة الأمر، "نبتة القريص" كان لها قيمة طبية كبيرة منذ القرن الأول وكان لها استعمالات متعددة في الماضي، وفي وقتنا الحاضر ومع التقدم العلمي فإن فوائد هذه النبتة وأهميتها تزداد انتشارًا.
في فلسطين تُعد نبتة القريص من النباتات المحلية ولها عدة مسميات: مثل "القراص"، "الحريق" و "شعر العجوز".
يتسع انتشارها في هذه الأيام، لكونها تعشق درجات الحرارة المعتدلة والدافئة، وهي من النباتات التي تستخدم لأغراض علاجية، إلى جانب أنها تضاف لمائدتنا الفلسطينية بعدة أشكال أيضاً.
في هذا المقال، نتعرف على نبات القريص بشكل معمق، ونتطرق إلى بيئته الأصلية وأجزائه المختلفة وفوائده الجمة، بالإضافة إلى تلخيص بسيط لما توصلت إليه بعض الأبحاث العلمية فيما يخص هذا النبات العظيم، واستخداماته التقليدية والحالية، كما أننا نذكر بعض طرق استخدامه سواء لأهداف علاجية أم ضمن وصفات الطعام الشائعة، وبخاصة الفلسطينية.
سبب التسمية والبيئة التي ينمو بها نبات القريص
ما قد لا يعرفه الكثير من الناس، هو أن العديد من النباتات المفيدة لنا قد طورت مع الوقت آليات دفاعية كالنكهات القوية أو المذاق المر أو القلويدات المؤثرة عقلياً حتى تبعد الحيوانات عنها وتمنعها من أكلها. ونبتة القريص مثال مهم لنباتات من هذا النوع، فعند وصول هذه النبتة لمرحلة النضج، تُغطى أوراقها وسيقانها بالآلاف من شعيرات السيليكا المجوفة والمطورة خصيصاً والتي تسمى trichomes. هذه الشعيرات تتفتح تلقائياً عند لمسها، وكالإبرة تخترق الجلد وتوخزه وبالتالي تدخل إلى الجسم مزيجاً قوياً من المواد الكيميائية التي تبقى لفترة وجيزة. آلية الدفاع هذه تسبب شعور الحكة والحرق والذي قد يستمر لعدة ساعات، لكن الآثار الأخرى تختفي عادةً في أثناء ساعة.
كما ذكرنا، فإن نبتة القريص تنمو في المناطق المعتدلة المناخ، وهي من النباتات المعمرة وتحتاج إلى شمس أو ظل جزئي، وتزرع في تربة عادية أو غنية، وتفضل التربة الرطبة بحيث تساعدها على النمو بقوة تحت الأرض، ولذلك يُفضل زراعتها في أماكن بعيدة عن المزروعات الأخرى وبعيداً عن الممرات.
فوائد القريص العلاجية علمياً وتقليدياً
للقريص خصائص متعددة، فهو مُدّر للبول، منشط، مقلص (لخلايا الجلد وأنسجة الجسم)، يمنع النزيف، مضاد للحساسية، يُقلل من تضخم البروستات، بالإضافة إلى كونه مضاد للالتهابات.
وأكدت الأبحاث أن جِذر القريص يعالج تضخم البروستات ويخفف من أعراض التهاب المسالك البولية السفلية، ولكن يجدر الذكر أن بعض هذه الأبحاث عملت على دمج القريص مع شجيرة البلميط المنشاري (جنس من النخيل) من أجل فحص تأثيره. وقد توصلت دراسة فرنسية عام 2009 لوجود أثر إيجابي عند استخدام القريص مع الحالات التي تعاني من التهابات في العمود الفقري، إذ أن تناول القريص بالإضافة إلى فيتامين C وفيتامين E والزنك وزيت السمك يقلل من حاجة هؤلاء الأشخاص لأخذ مضادات للالتهابات.
أما بالنسبة لبذور القريص، ففي تجربة مخبرية إيرانية عام 2009 توصلت إلى أن البذور تعمل "مضادات للأكسدة" وتحافظ على سير عمل الكبد بشكل سليم.
الاستعمالات التقليدية والحالية للقريص
نبعت الأهمية التقليدية للقرّيص من كونها عشبة منظفة تساعد الجسم على التخلص من السموم، وهذا يرتبط بكونها عشبة مدرّة للبول، لربما بسبب محتواها الكبير من البوتاسيوم والفلافونويد، وفي نفس الوقت تتخلص من مُخلفات الجسم غير المفيدة، بالإضافة إلى أنها تساعد في علاج العديد من المشاكل الجلدية ومشاكل التهاب المفاصل.
عُرف أيضاً عن القريص بأنه يبطئ من النزيف الناتج عن الجروح أو نزيف الأنف، أو حتى يوقفه، وهي عشبة تفيد في حالات فقدان الدم الكثير في فترة الطمث.
كما أن القريص يعمل مضادًا للحساسية ويعالج الحمى والربو والحكة في الجلد، بالإضافة إلى لدغ الحشرات. وتجدر الإشارة إلى أن عصير القرّيص يفيد في علاج القرص أو اللسع الناتج عن العشبة نفسها.
أجزاء نبتة القريص
الأجزاء الهوائية: تتكون من مركبات الفلافونويد، وعادة تُلتقط البتلات بهدف استخدامها منشطا أو مصدرا للطعام في فصل الربيع.
ويمكن استخدامها خضراء أو جافة، سواء في الطعام أم المستحضرات الطبية العلاجية، علمًا أن الأوراق بالتحديد تحتوي على كميات مركزة من المغذيات الطبيعية.
الجذور: هي المسؤولة الأساسية عن حل مشاكل تضخم البروستات ويمكن أيضاً استخدامها خضراء أو جافة.
البذور: تحمي الكبد، فتخلصه من السموم والمخلفات غير المفيدة.

مستحضرات علاجية عديدة يمكن تحضيرها من نبتة القريص
المستحضرات العلاجية التي يمكن تحضيرها من نبتة القريص- للاستخدام الخارجي أو الداخلي-
بوسعنا تحضير القريص بعدة أشكال لأهداف علاجية، حسب الحالة وحسب تفضيل الشخص:
لعلاج تضخم البروستات، يُحضّر مستخلص مركز من الجذور ويُشرب ¾ كاسة (150 ملم) يومياً. فيما تستخدم الأوراق لتحضير مرهم مليء بالزيوت أو الدهون الموجودة في العشبة، وبما أن المرهم لا يضاف إليه الماء فإنه يكوّن طبقة فوق الجلد عند استخدامه التي تحمي بدورها الجلد.
وبعض الناس يفضل التمتع بمذاق نبتة القريص من خلال إضافتها إلى أطباق الطعام المختلفة، والأكثر شهرة هي الشوربة التي يمكن إعدادها بعدة طرق، منها الشوربة المكونة من أوراق القريص بالإضافة إلى الجزر والبصل، ويُفضل شربها بانتظام لما تحتويه من الحديد.

استخدامات القريص في المطبخ الفلسطيني
القريص في المطبخ الفلسطيني
أجرت الفنانة والطاهية ميرنا بامية، بحثًا طويلًا حاولت فيه استكشاف العديد من الوصفات التقليدية لنباتات برية تستخدم بكثرة في المطبخ الفلسطيني، وخلال رحلتها البحثية قدمت لنا العديد من الوصفات التي توضح لنا كيف كان أجدادنا يستخدمون القريص ضمن ممارساتهم الغذائية المرتبطة بالأرض، وفيما يلي وصفتان من الأطباق الفلسطينية التقليدية لاستخدام القريص بناء على ما توصلت له الباحثة في رحلتها.
سلطة أعشاب برية: تضم الهليون البري، واللفيتة، ونعنع الوادي والشومر البري بالإضافة إلى القريص، ويمكن مزجها مع بعض النباتات المزروعة كاللوز الأخضر، والجرجير، والبقدونس، والشومر، ويضاف إليها بالعادة مكبوس زهرة الكركديه والثوم المكبوس بالزيت.
وألفَ أجدادنا أيضاً إعداد حساء من هذه النبتة، واُستلهمت وصفة غموس من الشوربة من قِبل الفنانة ميرنا بامية، ليتكون الطبق من القرّيص مع الجميد واللوز وزيت الزيتون، ويتم تناوله مع خبز الطابون الفلسطيني.
إذن القريص هو أحد النباتات التي يظلمها مظهرها كثيراً وقد يتغاضى عنها الكثير من الناس أو يسارعون إلى إزالتها إذا وجدوها تنمو في حدائقهم، وقد يظنون أنها تشكل تهديداً لهم، وهم بذلك يحرمون أنفسهم من الاستمتاع بفوائد النبتة الغنية. أنصحكم: فكروا بتمعن قبل إزالتها في المرة القادمة عندما تصادفونها، أو على الأقل حاولوا استخدامها ولو لمرة واحدة بأي طريقة من الطرق التي وردت أعلاه، قبل انتهاء موسمها ولاحظوا أثرها الطيب على أجسامكم بأنفسكم. ويجدر التنويه أنه بمجرد غلي النبتة يبطل مفعول أشواكها ويصبح التعامل معها أسهل مما يبدو.
وختامًا، أجسامنا أمانة في أعناقنا، وقد منّ الله تعالى علينا بالكثير الذي لا يعد ولا يحصى من النباتات المفيدة مثل القريص، ومرة أخرى فإن الهدف الأساسي من وراء سلسلة المقالات التي بدأتها، هو تسليط الضوء على العديد من النباتات والأعشاب الطبية التي تتواجد حولنا بكثرة ولا نعلم عنها إلا القليل.
المصادر:
Chevallier, A. 2016. Encyclopedia of herbal medicine. DK publishing. New York.
Orr, S. 2014. The new American herbal. Clarkson Potter publishers. New York.
The edible wild plants table .2019. Palestine hosting society. https://palestinehostingsociety.com/The-Edible-Wild-Plants-Table