خاص بآفاق البيئة والتنمية
اصبح الازدحام المروري من سمات حركة السيارات والمارة في مدينة رام الله، فقد لوحظ ازدياد كثافة السير بشكل كبير في السنوات القليلة الماضية حيث يشتد الازدحام في ساعات الصباح الباكر عندما تتوجه آلاف السيارات من أماكن متعددة من القرى والمدن الفلسطينية إلى رام الله حيث تتواجد الوزارات والمؤسسات الحكومية أو الخاصة، كما يتوجه الطلبة في نفس الوقت إلى مدارسهم وجامعاتهم ومعاهدهم ويتوجه الكثير من المواطنين لأعمال البيع والشراء، مما يخلق ازدحاما خانقا لم تعهده رام الله قبل سنوات قليلة.
وتتكرر حالة الازدحام في أوقات الخروج من العمل بطريقة ملفتة حيث تبدأ آلاف السيارات بالتحرك داخل المدينة، بينما تغادرها إلى القرى والمدن الأخرى أعداد كبيرة أيضا. ويحتاج المواطن إلى نصف ساعة في هذه المدينة الصغيرة نسبيا، لإنجاز رحلة داخلية لا تحتاج في وضع طبيعي إلى أكثر من عشر دقائق.
وبالرغم من مغادرة آلاف السيارات لمدينة رام الله قبل مغيب الشمس إلا أن طرق رام الله تبقى مزدحمة في أي وقت تقريبا. ويمكن تفسير هذه الظاهرة بتزايد أعداد السكان بشكل كبير نيتجة الهجرة الداخلية إليها إذ زاد النمو السكاني بنسبة 60% خلال عشر سنوات، وكون المدينة مركز الأعمال والمؤسسات الحكومية في ظل عزل مدينة القدس وتزايد أعداد المركبات بشكل كبير وذلك بسبب التسهيلات المالية المتوفرة حاليا لاقتناء مركبات خاصة بالرغم من ارتفاع أسعارها. ويترافق تزايد السكان والمركبات مع الاستهلاك المتزايد للطاقة بشتى أنواعها ولا سيّما الوقود الذي يستعمل بشكل رئيسي لتوليد الكهرباء وتشغيل المصانع والمركبات الخاصة والعامة.
وفي الضفة الغربية وقطاع غزة يستهلك قطاع النقل حوالي 60% من كمية الوقود الكلية المستهلكة والذي تؤدي انبعاثاته عند الاحتراق إلى أخطار متزايدة على الصحة والبيئة ككل. وتختلف نسبة الانبعاثات باختلاف حجم المركبة وصيانتها ونوع الوقود المستخدم وعمر المركبة. ويبلغ متوسط عمر المركبات في الضفة وغزة حوالي 17 عاماً وهو رقم مرتفع ويعني وجود نسبة عالية من المركبات الأكثر تلويثا. وقد قدرت نسبة الزيادة بأكاسيد الكبريت في محافظات الضفة الغربية للأعوام 2004 – 2005 بمقدار 40%، وربما ترتفع هذه النسب في المدن الأكثر ازدحاما كما في رام الله والبيرة.
ويربط الخبراء هذا الارتفاع في نسبة التلوث بالازدياد الكبير في الإصابات بأمراض الرئة والربو والأورام الخبيثة في أوساط الفلسطينيين. ولقد أظهرت نتائج مسح إحصائي أجراه الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية في العام 2011 أن نسبة الإصابة بالأمراض المزمنة قد ارتفعت خلال السنوات العشر الماضية بمقدار 58% بين سكان الضفة الغربية وقطاع غزة.
جودة الوقود متدنية
كما أن جودة الوقود المستعمل في الضفة الغربية والقطاع متدنية مقارنة بما بستعمل في اسرائيل مثلا، ما يجعل كمية الانبعاثات السامة في الهواء أكبر عند الاحتراق، علما بأن 75% من نسبة البنزين المستخدم في محافظة رام الله والبيرة لعام 2005 هو من البنزين المحتوي على الرصاص الذي أصبح من المعروف مضاره الصحية والبيئية. وفي حين تسعى بلدان كثيرة للتحول لاستخدام الوقود الخالي من الرصاص كليا مثل الأردن، لا يبدو أن التحول للبنزين الخالي من الرصاص هو الحل الأمثل في ظل الدراسات الحديثة التي تؤكد أن الوقود الخالي من الرصاص لربما يكون أشد خطرا على الصحة والبيئة، فقد توصلت دراسة اجرتها الجامعة الامريكية في القاهرة، الى أن احتراق البنزين الخالي من الرصاص يؤدي الى تغيير افرازات الموصلات العصبية في الدماغ وطريقة عمل الدماغ، الأمر الذي قد يؤدي للإصابة بأمراض عديدة مثل فقدان الذاكرة والسكتة الدماغية وضمور الخلايا العصبية في الدماغ والسبب هو احتواء البنزين الخالي من الرصاص على مادة MTBE البديلة للرصاص والتي أخذت تكتشف مضار احتراقها حديثا.
ولا بد من اتخاذ إجراءات حاسمة وسريعة باتجاه تغيير هذا الواقع الذي يهدد بكارثة بيئية مع مرور الوقت. ويمكن لكل مواطن اتخاذ إجراءات بسيطة للعمل على تقليل خطر التلوث كالحدّ من استخدام السيارات للمسافات القصيرة واستخدام المشي أو استعمال الدراجات الهوائية للتنقل لمسافات قصيرة خاصة، وهي أساليب أثبتت نجاعتها في بعض البلدان لحل مشكلة الازدحام الخانق. ويمكن تحسين فاعلية المركبات في استهلاك الوقود من خلال تنظيم حركة السير بشكل أكثر فاعلية كأن يسمح بمرور أكبر عدد من المركبات بأقل وقت ممكن.
ويتطلب هذا تطوير نظم الإشارات المرورية بحيث يتم تخصيص الوقت المناسب لكل إشارة. فنلاحظ مثلا في رام الله وجود إشارات ضوئية في تقاطعات مزدحمة يتكدس وراءها عدد كبير من المركبات ولوقت طويل، قبل مرورها، وهذا يعني مزيداً من التلوث.
ازدحامات مرورية في رام الله
اجراءات سريعة
لكن لا بد من اتخاذ إجراءات سريعة على مستوى وزارة النقل والمواصلات وعلى مستوى البلديات لتخفيف التلوث الناتج عن عوادم المركبات، مثل العمل على إنشاء شبكة باصات للنقل العام وتوسيع خدمات وسائل النقل العامة، وتقليل التراخيص الممنوحة لمكاتب سيارات الأجرة الصغيرة وتنظيم مواقف المركبات، وتشكيل نظام رقابة من قبل وزارة النقل والمواصلات لمتابعة أداء المركبات الخاصة والعامة والتأكد من سلامة محركاتها وكفاءة عملية احتراق الوقود فيها، وتحسين أرصفة المشاة، وتطوير شبكات الطرق، بحيث تنظم عملية سير المركبات بشكل يخفف من الازدحام الذي يجبر المركبة على البقاء في الشارع لفترة أطول ويزيد بالتالي من التلوث. وقد قدرت دراسة أجريت في مدينة نابلس لعام 2002 أن معدل انبعاث غازات أكاسيد الكربون للمركبة الواحدة حوالي 14.5 غم/كم، ويرتفع هذا الرقم خلال وقت الذروة ليصل إلى 51.3 غم/كم.
ومن المخطط أن تعمل بلديات رام الله والبيرة وبيتونيا معا على تطبيق خطة يتم من خلالها انشاء طريق دائري يربط المدن الثلاث بطول 17 كيلو متر، ويبدأ من المدخل الشمالي لمدينة البيرة الى رافات، بحيث يعمل على ربط رام الله والبيرة وبيتونيا دون ان تضطر المركبات الدخول الى وسط المدينة وبالتالي هذا سيخفف من حدة الازمة.
وأوضحت بلدية رام الله لوسائل الاعلام بأن الطريق المخطط له، يمر في اراضٍ اغلبها منطقة ج (حسب تقسيمات أوسلو) وبالتالي تحتاج الى موافقة الاحتلال الاسرائيلي للعمل فيها.
وتفتقر الضفة الغربية وقطاع غزة الى شبكة مواصلات عمومية بشكل واضح فقد أظهرت الإحصائيات لعام 2013 في الضفة الغربية أن هناك 250 شخصاً لكل مركبة عمومية أما في قطاع غزة فيوجد 140 مواطناً لكل مركبة عمومية. وفي دراسة أجرتها جامعة النجاح لعام 2006 بيّن التعداد المروري الذي أجري على شارع الإرسال في رام الله أن نسبة الحافلات العمومية شكلت أقل من 3% من مجموع المركبات، في حين شكلت مركبات التاكسي حوالي 50% من مجموع المركبات وهي تشكل بديلا عن وسائل النقل العامة الشحيحة وغير المنتظمة. وهي إن توفرت، لا تغطي الغالبية العظمى من أحياء المدينة، وبالتالي فإن سيارة الأجرة (التاكسي) تعمل كمركبة خاصة لأنها غالباً ما تنقل راكباً واحداً، وتتحرك بشكل دائم، مما يفاقم الأزمة المرورية وبالتالي التلوث الناجم من انبعاثات المركبات. وأشارت الدراسة إلى أن تحسين حركة المواصلات العامة وتنسيق الإشارات المرورية والمواقف في ساعات الذروة سيسهم في تقليل استهلاك الوقود في شارع الإرسال بنسبة 10% وبالتالي تقليل كميات الانبعاثات السامة بنسبة 13% في نفس المكان.
عراقيل تطوير وسائل النقل
وتواجه مخططات تطوير وسائل النقل العام بين المدن عراقيل أهمها تقطيع أوصال الطرق بالمستوطنات الإسرائيلية والحواجز العسكرية المنتشرة في كل مكان، وضعف البنى التحتية للطرق، وبالطبع كون مناطق الضفة الغربية مقسمة الى أ و ب و ج (حسب أوسلو) مما يجعل الصلاحيات للعمل فيها منقوصة ومعقدة إذا سمحت سلطات الاحتلال بها. أما في داخل المدينة الواحدة فتكمن المشكلة الأكبر، في البنى التحتية غير المعدة لاستيعاب الكم الهائل لأعداد المركبات والنمو غير الطبيعي والمستمر فيها.
وفي ظل صعوبة إيجاد شبكة حافلات في طرق ضيقة، يمكن الاعتماد على مركبات متوسطة تتسع من 7-10 ركاب ويمكن تشجيع استعمال المواصلات العامة بعد التوعية لأهمية استعمالها وتشجيع الاستغناء عن مركبات النقل الخاص (التاكسي) . ولا بد أولا من عمل دراسة شاملة يتم فيها تحديد الطلب حسب المنطقة الجغرافية في المدينة نفسها ويتم تغطية أكبر قدر من هذه الأحياء، مع إيجاد إدارة فعالة بحيث تتسم المواصلات العامة بالدقة والثبات مع مراعاة السائقين لآداب المهنة وإيجاد مواقف مظللة خاصة للركاب. كما يمكن تقديم محفزات لزيادة وسائل النقل العام كمنح القطاع إعفاءات ضريبية وتسهيلات لإدخال مركبات جديدة إلى الخدمة.
وأخيرا لا بد من ايجاد نظام لتوفير بيانات واحصاءات دقيقة حول مقاييس تلوث الهواء، لعدم توفرها حاليا ولعدم توفر الأجهزة الخاصة بقياس التلوث الهوائي في الأراضي الفلسطينية، وذلك لدراسة حجم الظاهرة بشكل أدق بحسب المعطيات وبالتالي إيجاد الحلول واتخاذ إجراءات تساهم في التقليل من آثارها.