على غرار العديد من دول العالم وحتى أكثرها فقراً...متى سنودع أكياس البلاستيك في متاجرنا؟
|
شهدت العقود الثلاثة الأخيرة توجهاً عالمياً ضد مادة البلاستيك وتحديداً أكثرها تداولاً وأخفها وزناً "أكياس الشراء". هذا المنحى الدولي، يجعلنا نتساءل عن المانع الحقيقي أمام السلطة الفلسطينية في مسألة فرض قانون يحظر أو يقلل من استهلاك أكياس البلاستيك غير القابلة للتحلل؟
ولماذا لا تبدأ السلطة الفلسطينية بشكل أولي من المحال التجارية الكبرى في المدن الفلسطينية؟ إن اعتبرنا الظروف السياسية وصعوبة الرقابة على القرى والبلدات الواقعة خارج سيطرتها عائقاً، مع الإشارة إلى أن دولاً نامية تعدُّ فقيرة كالهند وبنغلاديش والسودان والكونغو استطاعت حظر استخدام أكياس البلاستيك.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
 |
| أكياس بلاستيكية مدمرة للبيئة |
اعتبر يوم الأول من أيار من كل عام يوماً بيئياً لحظر أكياس البلاستيك، وذلك منذ تسعينيات القرن الماضي، حين استطاع تحالف "نساء لاداخ" وهيئات محلية أخرى في الهند من تنظيم حملة لحظر هذا النوع من المنتجات الاستهلاكية الضارة بالبيئة، كما فرضت العديد من دول العالم المتقدمة وحتى النامية ومنها بلدان عربية كالسودان والمغرب والجزائر ومؤخراً في الأردن ضرائبَ على شراء أكياس البلاستيك لتشجيع الاستغناء عنها، وقد أثبتت هذه التجربة نجاحها بنسب عالية تخطت الـ 90%، فيما منعت دول أخرى استخدامها كلياً في المتاجر.
ومن المعروف أن البلاستيك يصنف من ضمن اخطر 20 منتجاً مصنعاً، نظراً لأن مصدر مكوناته من مشتقات نفطية ومواد كيماوية ما يجعله خطراً على صحة الإنسان والحيوان وملوثاً للبيئة، عدا عن صعوبة تحلله العضوي لأن تركيبته الكيميائية تكون على شكل جزيئات طويلة ومتكررة ومتصلة مع بعضها البعض.
وقد شهدت العقود الثلاثة الأخيرة توجهاً عالمياً ضد مادة البلاستيك وتحديداً أكثرها تداولاً وأخفها وزناً "أكياس الشراء". هذا المنحى الدولي، يجعلنا نتساءل عن المانع الحقيقي أمام السلطة الفلسطينية في مسألة فرض قانون يحظر أو يقلل من استهلاك أكياس البلاستيك غير القابلة للتحلل؟
ولماذا لا تبدأ السلطة الفلسطينية بشكل أولي من المحال التجارية الكبرى في المدن الفلسطينية؟ إن اعتبرنا الظروف السياسية وصعوبة الرقابة على القرى والبلدات الواقعة خارج سيطرتها عائقاً، مع الإشارة إلى أن دولاً نامية تعدُّ فقيرة كالهند وبنغلاديش والسودان والكونغو استطاعت حظر استخدام أكياس البلاستيك.

المهندسة عدالة الأتيرة رئيسة سلطة جودة البيئة الفلسطينية
استفتاء آفاق
كمؤشر على تنامي وعي المواطنين بخصوص البلاستيك، أعدت مجلة آفاق البيئة والتنمية عبر صفحتها على الفيسبوك استفتاءً حول (تأييد أو رفض) استحداث قانون فلسطيني يفرض رسوماً على استخدام أكياس البلاستيك للحد من استهلاكها والاستعانة عنها بالقماشية والورقية، وقد جاءت معظم الأصوات المشاركة تؤيد هذا التوجه، مؤشرٌ أوليّ يدلل أن الموضوع مقبول شعبياً.
|
الأتيرة: التوعية قبل القانون
للإجابة عن هذا السؤال، تواصلت المجلة مع رئيسة سلطة جودة البيئة المهندسة "عدالة الأتيرة" والتي أكدت أن السلطة تسير باتجاه التوعية البيئية ضد البلاستيك ومخاطره من خلال أنشطة مجتمعية في المدارس والأندية، لافتةً إلى أن الموضوع سيطبق مستقبلاً في حال توفر البديل عن البلاستيك، بحيث لا يتم الإضرار بشكل مباشر بمصانع البلاستيك بل توجيهها لتغيير خط إنتاجها بالتدريج، بما يخدم الحفاظ على البيئة.
"أنا ضد الفرض بالقانون من أعلى لأسفل، أنا أوجّه وأوعي ...ثم تأتي الأمور بانسجام مع أي قانون جديد" تؤكد الأتيرة.
وأشارت الأتيرة إلى عدم وجود أي سياسات أو خطط فعلية حالياً تتعلق بموضوع أكياس البلاستيك، ولكن هناك خطط تتحدث عن التقليل من النفايات الصلبة وتشجيع الاستثمار فيها، وذلك ضمن الخطة الوطنية للوزارات التي سيتم الإعلان عنها قريباً، وهناك حديث عن مبادرة مستقبلية "يوم بلا بلاستيك"، والذي سيتم من خلاله -بالتعاون مع مؤسسات بيئية- إنتاج أكياس قماشية بهدف توزيعها على المحال والأندية والمدارس، كما نُفذ بالتعاون مع صندوق دعم طلبة جامعة بيرزيت مشروع إعادة تدوير يافطات الشارع القماشية إلى أكياس للشراء.
ولفتت الأتيرة إلى أنها لا تقلل من موضوع حظر أكياس البلاستيك، ولكن استهلاك المواطنين لها لا يقارن مع استهلاك المنشآت الزراعية للبلاستيك في الضفة الغربية، والذي لا تتم معالجته، بل يلقى في مكبات للنفايات أو يتم حرقه مسبباً تلوثاً كبيراً للبيئة.
"نحن كسلطة بيئة نؤمن أن شعبنا قادر على التغيير، وخاصةً حين تصله المعلومة الصحيحة والوعي الكافي، فسيمارس السلوك البيئي السليم" ختمت الأتيرة

د. عبد الرحمن التميمي، رئيس حزب الخضر الفلسطيني
التميمي: البيئة "ترفيه" في نظر السياسيين
د. عبد الرحمن التميمي، رئيس حزب الخضر الفلسطيني ومدير جمعية الهيدرولوجيين، يجيب من وجهة نظره عن سبب تأخر فرض قانون يرشد في استهلاك أكياس البلاستيك إلى ثلاثة أسباب: أولاً: عدم وجود رغبة سياسية بإصدار تعليمات حول ترشيد استهلاك البلاستيك تفتعل مشاكل مع أصحاب المصانع. ثانياً: جزء كبير من السياسيين الفلسطينيين لا يدركون أهمية البيئة، ويعتقدون أنها شيء ترفيهي، أو "موسيقى جميلة. وثالثاً: المؤسسات البيئية لا تبذل جهداً للعمل على تفعيل الموضوع والضغط على الجهات الرسمية.
ويضيف رئيس الحزب الذي تأسس أوائل التسعينيات كجهاز لمراقبة السياسات الاقتصادية والاجتماعية والتي لها انعكاس على البيئة، إلى أنهم حالياً لا يتابعون موضوع أكياس البلاستيك" كون الحزب يعمل على تقوية جهازه داخلياً وتعزيز موقعه في الفضاء الفلسطيني.
لكنه أشار إلى أهمية البدء بتقليل استهلاك أكياس البلاستيك، لأنها مادة يستخدمها الجميع، و 90% منها غير صحيّ، نظراً لغياب أي معرفة بطبيعة المواد المستخدمة في أكياس البلاستيك وكيفية صنعها ومدى الرقابة عليها.

أكياس بلاستيكية ملوثة للبيئة
التوعية لوحدها لا تكفي
وحول إيمان سلطة جودة البيئة بالتوعية قبل فرض القانون، فأشار التميمي إلى أن التوعية مهمة ولكن لوحدها لا تكفي، بل الأمران مقترنان ببعض، فمن يعي ويدرك مخاطر البلاستيك فهو لم يتأثر بالقانون وتصرف برقيه وتربيته البيئية، ومن لا يحترم بيئته ويسيء لها فهنا يتوجب فرض القانون لمعاقبته.
وأضاف التميمي: "ما يوجد حاليا من مبادرات باعتماد الأكياس القماشية والورقية هي اجتهادات فردية، ولكن إن وجد نظام واضح بتسعيرة موحدة لبيع أكياس القماش مع سعر ضريبي على البلاستيك، ولم يترك الموضوع لمزاجية التاجر في المحال التجارية، فسنلمس نتائج حقيقية".
ورأى أن لا إضرار بأصحاب مصانع البلاستيك في حال طبق هذا النظام، لأن التعاطي معهم يتم أولاً بدعوتهم إلى التوقف عن إنتاج الأكياس السوداء لأضرارها الأخطر كونها تصنع من مخلفات المصنع البلاستيكية وأكياس معاد تدويرها، والاتجاه للبيضاء ومن ثم الشفافة، وبعد ذلك الانتقال إلى الورقية أو القماشية، ويتم ذلك خلال فترة زمنية تحددها سلطة جودة البيئة بالتعاون مع أصحاب الشركات.

لينا اسماعيل الناشطة البيئية
رؤية ناشطة بيئية
تشير الناشطة البيئية والمبادرة في فعاليات توعوية بيئية فلسطينية " لينا إسماعيل" إلى مشكلة النقص في البيانات حول حجم النفايات الصلبة في فلسطين، ولكن وفق التقرير الوطني عن النفايات الصلبة في فلسطين لعام 2014، فتشكل النفايات البلاستيكية ما نسبته 14.1% من النفايات الصلبة في الضفة الغربية وقطاع غزة، أي ثاني أعلى نسبة بعد النفايات العضوية والتي تقدر بـ 59.1%. ويتم التخلص بما نسبته 33% فقط من مجموع النفايات الصلبة في المكبات الصحية، أما الباقي فيتم التخلص منه في المكبات العشوائية أو يتم حرقه.
وأضافت إسماعيل أن خطورة الأكياس البلاستيكية بكونها صعبة التحلل وتأخذ ما بين 500 إلى 1000 عام (حسب نوع البلاستيك) حتى تتحلل، وأضرارها على البيئة والكائنات الحية تعتبر كبيرة، فحرقها كما هو الحال في العديد من المناطق والمكبات العشوائية في فلسطين، ينتج غازات سامة مثل الفورمالدهيد، والبنزالدهيد، وسيانيد الهيدروجين، الأمونيا، وأول أوكسيد الكربون، وأكاسيد النيتروجين وغيرها من المواد التي تنتشر في الهواء وتتسرب إلى المياه الجوفية والمزروعات وتعد من مسببات الأمراض ومنها المستعصية.
وحتى في مرحلة استخدام الأكياس البلاستيكية، تضيف اسماعيل، فقبل التخلص منها، هناك ضرر مباشر يتمثل في ذوبان مواد سامة في الأطعمة التي يتم شراؤها ساخنة ووضعها مباشرة في الأكياس البلاستيكية كالخبز والمعجنات.
كما تساهم الأكياس البلاستيكية، تلفت إسماعيل، في نفوق العديد من الحيوانات كالمواشي والطيور والكائنات البحرية بسبب ابتلاعها لها، وبالتالي انسداد القناة الهضمية، عدا التشويه البصري الذي يسببه انتشار هذه الأكياس بشكل كبير في مدننا وقرانا حتى وصولها للمناطق النائية، ما يضر بالناحية الجمالية والسياحية في الوطن.
 |
 |
| سلال قماشية |
سلال ورقية |
العودة للقماش جزء من موروثنا غير البعيد
وترى إسماعيل أن هناك أكثر من طريقة لترشيد الاستهلاك في أكياس البلاستيك، منها توجه المستهلك الواعي بشكل فردي نحو اعتماد أكياس القماش التي يتم استخدامها لمرات عديدة، أو الورق القابل للتحلل بطبيعته.
وتضيف: "لو قدرنا على سبيل المثال معدل الاستهلاك اليومي للفرد الفلسطيني بحوالي كيس و نصف (وهو معدل استهلاك الفرد في الأردن) فإن توفير استهلاكه للأكياس في العام الواحد يصل إلى 547 كيس بلاستيكي، أي ما يعادل 2.6 مليار كيس بلاستيكي في العام الواحد".
ولفتت إلى أن استخدام أكياس القماش ومثيلها من العبوات هو ليس بغريب عن عاداتنا و ثقافتنا في فلسطين والتي لا تتعدى الجيلين، وسألت: "من منا لا يذكر سلال القش التي كان يستخدمها أجدادنا أثناء التبضع؟"
ودعت إسماعيل إلى ضرورة سن قانون يفرض تكلفة على شراء الكيس البلاستيكي من قبل المستهلك. حيث يتم إعطاء المستهلك في هذه الحالة حرية الاختيار بين دفع تكلفة اضافية ثمن الأكياس أو استخدام ما يحضره من عبوات لحمل مشترياته، وذلك على غرار العديد من دول العالم.