النفايات الالكترونية ...عجز فلسطيني عن تدويرها وتخوّف من التطبيع يحول دون التخلص منها
خاص بآفاق البيئة والتنمية

أطفال يستخرجون ما يبحثون عنه في مكب زهرة الفنجان بجنين
تتنافس شركات عالمية على انتاج المزيد من الإصدارات الالكترونية الحديثة للهواتف النقالة وأجهزة اللاب توب والالكترونيات بكافة أشكالها واستخداماتها، الثورة التكنولوجية جعلت هذه الأجهزة تنتشر بشكل يهدد سلامة البيئة نظرا لاشعاعاتها وأضرارها على الاطفال وغيرهم من جهة، ولصعوبة التخلص من نفاياتها في البيئة المحيطة من جهة أخرى.
دراسة أمريكية أخيرة كشف خلالها البروفسور في جامعة دينفر الامريكية أن معدل ارتفاع المخلفات الالكترونية يزداد بنحو 35% سنوياً، حيث تمثل هذه الزيادة (3) أضعاف زيادة نسبة النفايات المنزلية.
تجارة الخردة
الشاب العشريني أنس من قرية شقبا في رام الله يتجول في سيارة صغيرة مناديًا لشراء النحاس والألمنيوم، فيُقبل عليه الصغار في زقاق القرى وشوارعها لبيع اكياس قاموا بجمعها عن طريق حرق "الخردة" من الأجهزة القديمة الملقاة على أكوام النفايات أو على أطراف الشوارع، وذلك ليستخرجوا منها اسلاك النحاس والألمنيوم كما يقولون.
كما أنهم يبيعون البطاريات وماتورات الغسالات والثلاجات لهؤلاء الباعة مقابل مبالغ مالية صغيرة جداً، قد تصل لـ 30 شيقلاً في أفضل حالاتها، وذلك في كل مرة يتم فيها بيع كمية جيدة من الأسلاك والبطاريات.
بينما يقوم الشاب أنس الذي يتخذ من هذه المهنة مصدر رزق له، ببيع ما تم جمعه من الأطفال لرجال آخرين في قريته بالطن.

مكب نفايات عشوائي غرب رام الله
ما محتوى هذه النفايات وأضراها؟
الباحثة د. كفاية أبو الهدى أشارت في مقابلة مع مجلة "آفاق البيئة والتنمية" حول دراسة أعدتها لمؤتمر في تركيا بعنوان "تقييم واقع إدارة المخلفات الالكترونية في الضفة الغربية- فلسطين باستخدام نظم المعلومات الجغرافية GIS" أشارت أن هناك (1000) مادة سامة تستخدم في تصنيع الأجهزة الإلكترونية، تكون مختلطة داخل المخلفات بكميات صغيرة ما يجعل عملية فصلها بالطرق التقليدية غير ذات جدوى، ناهيك أن هذه المخلفات تحتوي على مواد خام ذات قيمة اقتصادية.
وتقول أن ألواح الدوائر الكهربائية في الأجهزة الإلكترونية تحتوي على الرصاص والكادميوم السامين، ومفاتيح الأجهزة الالكترونية وأجهزة التحكم عن بعد (الريموت كنترول) التي تحتوي على الزئبق، إضافة إلى معظم المصابيح الموفرة للطاقة، كما أن بطارية الهاتف النقال تحتوي على نسبة عالية من الكادميوم حسب الدليل المرجعي في التربية البيئية للخبير جورج كرزم.
وتستشهد بوزن الحاسوب المكتبي الذي يصل بكل لوازمه إلى (32) كغم، ويحتوي على (1.7) كغم من معادن الرصاص والزرنيخ والكوبالت وجميعها مواد سامة وخطرة.
كما تحتوي شاشة الحاسوب على (3.6) كغم من الرصاص، وتزن الأدوات البلاستيكية والتي تحتوي على عنصر الكروم نحو(13.8) رطلاً في الحاسوب، و26% من هذه المواد تحتوي على مركبPVC متعدد كلوريد الفنيل.

نفايات الكترونية في مكب عشوائي
بعض أضرارها..
وبحسب كرزم فإن نسبة الكادميوم الموجودة في بطارية واحدة للهاتف الخلوي كافية لتلويث (600 م3) من المياه الجوفية. وبحسب معلومات حصلت عليها أيضاً الباحثة أبو الهدى من (2008) Electronic Waste Addressing the future، فإن مكبات النفايات الصلبة الفلسطينية، تحوي على كميات كبيرة من الزئبق والرصاص والكروم والكادميوم المتسربة إلى التربة من المخلفات الإلكترونية.
وأوضحت أن الكادميوم والزئبق في تلك الأجهزة الملقاة في مكبات النفايات العشوائية أو الصحية تتسرب ببطء الى باطن الأرض، مما يلحق الضرر بالتربة والمياه الجوفية التي تجعل طريقها في نهاية المطاف إلى غذائنا ومياه الشرب، ويمكن أن يسبب هذا النوع من التلوث عيوباً خلقية أو أضراراً بالأعضاء البشرية بما في ذلك الدماغ والرئتان والقلب والكلى والكبد.
وأظهرت دراسة أمريكية، أشارت إليها أبو الهدى، أن الأجهزة الالكترونية وتحديداً الهواتف النقالة (الجوال) تطلق كميات كبيرة من الرصاص، وهذا جعلها من أخطر المخلّفات البيئية التي تندرج تحت أنظمة النفايات الخطرة لوكالة حماية البيئة الفيدرالية.
اما بالنسبة لأبرز المواد السامة الموجودة في شاشة حاسوب شخصي واحد أو التلفزيون فهي الرصاص وقد تصل كميته إلى (3 كغم)، كما قد تزن المواد البلاستيكية والتي تحتوي على عنصر الكروم Cr بضع كيلوغرامات للشاشة الواحدة، و26% من هذه المواد تحتوي على PVC متعدد كلوريد الفنيل حسب دراسات دولية.
وتستشهد الباحثة أبو الهدى بدراسة لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب)، والتي أفادت أنه يمكن أن تؤدي مكبات النفايات العشوائية في العراء وهي الطريقة الأكثر انتشاراً للتخلص من النفايات في العديد من البلدان، إلى آثار صحية حادة لأولئك الذين يعيشون بقربها، وهم في معظم الأحيان "فقراء المدن".
وأشارت الدراسة أيضاً إلى أن المخلفات الالكترونية تختلط بالمخلفات العادية وتنشر مادة الديوكسين، وهي من السموم الخطيرة للهواء والتربة والمياه الجوفية، وتهدد صحة الانسان والكائنات الحية من نبات وحيوان، وتكفي بضعة شهور ليتحول الحاسب الآلي إلى قنبلة بيئية موقوتة خاصة أن نسبة الرصاص يمكن أن تصل إلى معدل كيلو جرامين لكل شاشة تلفزيون و4،0 كيلو غرام لشاشة الحاسوب.
فلسطينيا .. لا آلية للتخلص منها
في فلسطين تتراكم آلاف الأطنان سنوياً من القطع والأجهزة الإلكترونية والكهربائية المستعملة التي انتهى عمرها الافتراضي للاستخدام والمصابيح الزئبقية السامة والبطاريات في الضفة الغربية الناتجة عن التجمعات السكنية، ويتم التخلص منها بشكل فوضوي يتنافى مع الشروط البيئية السليمة، وذلك بوضعها على الأرصفة وجوانب الطرقات، وينتهي بها المطاف الى مكبات النفايات الصحية أو العشوائية أو الأراضي المفتوحة دون معالجة، والبعض يقوم بشراء هذه الاجهزة المستخدمة من المنازل، ومن ثم يعيدون تصليح جزء منها أو يعيدون تصنيعها أو بيعها كخردة.
يقول المهندس حسين أبو عون المدير التنفيذي لمجلس الخدمات المشترك لإدارة النفايات الصلبة في محافظة رام الله، أنه لا يوجد آلية للتخلص من النفايات الالكترونية في فلسطين، فكلها تذهب للمكبات العادية.
ويضيف: "حاولنا إيجاد طريقة ولم ننجح بذلك... حيث كانت لدينا فكرة لاقامة منطقة لجمع النفايات المفروزة للكرتون والبلاستيك والنفايات الالكترونية، وكان هناك منحة ألمانية لذلك، لكن لم ننجح بتوفير المكان من قبل البلديات، لذلك ألغي المشروع".
التدوير ولكن التطبيع !!
ويضيف أبو عون أن ما منع البلديات من توفير المكان هو أن الموقع النهائي لمعالجة النفايات بعد الفرز سيكون في إسرائيل، إذ لا يوجد لدى الفلسطينيين شركات أو مصانع لإعادة تدوير الالكترونيات، وبالتالي ظهر تخوف من فكرة التطبيع، مع ان الورق او الكرتون الذي يفرز في الوطن يذهب لإسرائيل مع غياب مصانع تدوير.
وأضاف أنه اذا اردنا علاج المشكلة بيئياً فمن الأفضل ارسالها لإسرائيل كونها الحلّ الوحيد، وقد كان هناك أكثر من مشروع لبلدية رام الله بـ50 ألف دولار لجمع الكرتون وارساله لإسرائيل، وبنك فلسطين موّل المشروع لكن بفعل المزاودات والتخوف من التطبيع تم إلغاء المشروع.
ويضيف أبو عون مستنكرا ما يحدث، "نحن في النهاية نأخذ كهرباء وماء من اسرائيل، ولا يجوز ان نزاود في هذا المجال فمصلحتنا أهم، فهذه نفايات خطرة يمكننا التخلص منها من خلال إسرائيل، والورشات التي تتعامل بهذه النفايات، كما في الخليل تلجأ إلى طرق بدائية، من خلال حرق الكمبيوترات وأخذ الألمنيوم وغيره، وهذه طرق خطيرة، فعملية الحرق تضرُّ من يعمل فيها، وتضر البيئة والمحيط بشكل عام".
ومن حيث امكانية عمل مصانع في فلسطين لتلبية الحاجة في هذا المجال، قال أبو عون أنه لا يوجد لدينا إمكانية لعمل مصانع للتدوير، فكل طن من الكرتون والورق مثلا يحتاج إلى 2.4 متر مكعب من الماء، والمياه شحيحة، ولكن بالنسبة للالكترونيات ليس صعباً أن يكون لدينا ورشات صغيرة ولكن مع الأخذ بعين الاعتبار الأمور الصحية والبيئية.
ويستشهد بالتجربة المصرية، يقول أنه ذهب لمصر وشاهد ورشات يتم فيها تدريب نساء للعمل على فرز الالكترونيات وتفكيكها بفصل الشاشات وأجزاء الكمبيوتر، وفي النهاية تذهب هذه الالكترونيات المفصولة لمصنع أكبر لتتم العملية النهائية في استخلاص المواد الهامة من هذه الأجهزة وإعادة التدوير.
ويضيف: "يوجد لدي في المنزل أربعة أجهزة كمبيوتر محمولة ولا أعرف كيف اتصرف بها، كوني أنصح الناس وأبين لهم خطورة موضوع النفايات الالكترونية، فلا يجوز لي مخالفة ما انصح به بإلقائها في الحاويات."
وأعرب أبو عون عن أمنيته بأن يقوم أحدٌ من المستثمرين من القطاع الخاص بإقامة مصنع متخصص بالنفايات الالكترونية.
فيما أشار رئيس جمعية الأرض والإنسان الأردني المهندس زياد العلاونة أن المواد الأولية اللازمة لإنتاج هاتف خلوي واحد هي (700) ضعف وزنه، في حين ان المواد الأولية لإنتاج سيارة تحتاج ضعفي وزنها، اما بالنسبة لنفايات البطاريات المستعملة فيتراكم منها سنويا عشرات آلاف الاطنان في الضفة الغربية وقطاع غزة، ومعظمها تجد طريقها الى مكبات النفايات، وهذا يهدد المياه الجوفية بالتلوث خاصة بالعناصر السامة مثل الكادميوم Cd والرصاص Pb والنيكل والزئبق وغيرها من العناصر السامة الاخرى التي تسبب تلوثاً خطيراً للبيئة.
وتكمن خطورة البطاريات في طريقة التخلص النهائي منها بشكل غير صحيح، ما يؤدي إلى إطلاق سوائل متآكلة ومعادن ذائبة إلى المياه الجوفية والبيئة، وتبقى هذه العناصر والمواد الكيماوية فترة طويلة في البيئة، لذلك لا بد من التوصل إلى طريقة آمنة بيئيا للتخلص منها.
|

إعداد: الباحثة كفاية ابو الهدى بواسطة GIS
|
|

إعداد: الباحثة كفاية ابو الهدى بواسطة GIS
|
 |